‏إظهار الرسائل ذات التسميات خواطر. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات خواطر. إظهار كافة الرسائل

الجمعة، 30 يوليو 2021

حكايتنا مع العراق

 
كان العراق في بداياته اشبه بأناء خزف رائع متنوع الألوان, موضوعا على طاولة من الخشب النادر مصنوعة بشكل بديع وكأنها تمثل العراق بكل أطيافه وأديانه واقلياته. ولأسباب خارجة عن الإرادة تعرضت تلك الطاولة إلى بعض الإرتجاجات والهزات حتى تضعضعت اضلاعها وسقط الأناء الموضوع عليها من علو وتكسر وتناثرت اجزاءه.



كان الاناء الذي سقط وتكسر إناء خزفي متنوع الالوان تحول مع الزمن الى تحفة اثرية مما تطلب لأيجاد بديل له بان نبحث عن هذا البديل في محلات الانتيكات . وبعد بحث مضني وجهد جهيد لم نعثر على شيء شبيه يطابق الاناء المكسور , لكننا وجدنا إناء قريب منه لحد ما فإشتريناه وعدنا به للبيت ونحن بقمة السعادة ووضعناه على الطاولة وكلنا ظن بأن المشكلة قد إنحلت وعاد كل شيء إلى ما كان عليه. لكن بعد وضع الإناء على الطاولة بمدة عاد وسقط وتناثرت اجزائه مرة اخرى. عاودنا البحث مرة ثانية فلم نجد اناء شبيه بالاول ولا بالثاني مما دفعنا لان نختار اناء جديد لا يشبهما لكن فيه شيء او لمحات ولو بسيطة منهما. تكررت العملية مرة ثالثة ورابعة حتى اصبح الاناء الذي جلبناه اخر مرة لا يشبه ابدا الاناء الاول بل بعيد عنه كل البعد لكننا رضينا بما حصلنا عليه وسلمنا امرنا لله. ومن سوء حضنا إن هذا الإناء إنكسر ايضا بالرغم من صموده لفترة تجاوزت كثيرا مدة بقاء سابقيه على تلك الطاولة. دفعنا كثرة تكرر الامر لان نفكر قليلا عن سبب ما يجري فإكتشفنا بان العيب الذي يسبب كسر الاناء بكل مرة هو ليس بالإناء وإنما بالطاولة التي لم تعد تصلح لوضع أي إناء عليها لكثرة تثلمها واعوجاج أرجلها وتشقق سطحها. اخذنا الطاولة للنجار لاصلاحها فكشف عليها بدقة وقال لنا بان خشب هذه الطاولة قديم واثري ولا يوجد منه الان وإن من الصعب عليه اصلاحها لعدم توفر نفس موادها الاصلية, ونصحنا بان نصنع طاولة جديدة وان نأخذ الطاولة القديمة ونستعملها كحطب لحمامنا الحجري او لتنور الخبز الموجود في دارنا . لم ترق لنا نصيحة النجار وعدنا بطاولتنا العزيزة على قلبنا والحزن يملئنا من دون ان نعرف ماذا سنفعل لكي نعيد الحال الى ما كان عليه . ركنا الطاولة جانبا في مخزن عتيق بالدار بأمل ان نجد في يوم من الايام حل لها وللاناء الذي كان عليها . مر الزمن ونسينا أمر الطاولة وانشغلنا بشؤون اخرى , لكن رائحة خشب الطاولة القديمة الاثري جلبت كما يبدو حشرة الارضة للبيت واخذت تأكلها , ثم انتشرت منها الى كل اجزاء المنزل وراحت تأكل اثاث بيتنا الخشبي ونحن بغفلة عن ما يجري . وحين انتبهنا لما حصل كان الحال قد ساء الى درجة جعلت البيت كله موبوء بهذه الحشرة وأصبح آيل للسقوط , وحين إستدعينا خبير بهذه الحشرة أخذ يدرس هذا الأمر من كل الوجوه حتى خرج بنتيجة أفجعتنا, قال لنا بأن الحشرة متفشية بكل أنحاء الدار بشكل عجيب وغريب ورهيب بنفس الوقت ولن يفيد معها أي علاج غير الحرق. لم يبقى أمامنا غير ان نلملم ما سلم من تلك الحشرة اللعينة من موجودات ونهرب بها وبانفسنا الى بيت جديد وبعيد متأملين بان نعثر في يوم ما على مسكن جديد يشبه بيتنا القديم لنسكنه ونستعيد به ذكرياتنا الضائعة, وربما نحظى فيه بحال افضل مما مر بنا بتلك الدار العتيقة. ومرت الايام وتبعتها السنون حتى نسينا ما كنا نبحث عنه وما نحلم بأن نجده في يوم من الايام, وتاقلمنا بالبيت البديل الذي سكنٌاه ونسينا البيت القديم ولم تعد صوره وذكرياته تمر بخاطرنا إلا بأحلامنا في بعض الليالي والتي بدات تقل وتتناقص مع الايام. هذه حكايتنا مع بلدنا العراق التي انتهت بفقدان الاناء الخزفي والطاولة الاثرية وتحطم البيت بما فيه وهجولتنا في ديار الأرض.

وسام الشالجي
28 أب 2016

خاطرة بالاسود والابيض - متى بدأت احتفل بعيد ميلادي

ليس غريبا ان تنتاب المرء بعض مشاعر الحزن عند مجيء عيد ميلاده , خصوصا في الاعمار المتقدمة لانه يكون قد طوى عاما اخرا من عمره المحدود في السنين والاعوام , لكن تهاني المحبين وعبارات المحبة والشجون التي ترده وهدايا المعارف والاصدقاء تنسيه مثل هذا الحزن وتحول يومه الى يوم فرح وبهجة وسرور . ان هذا ربما هو السر وراء الاهتمام بالاحتفال بمناسبة عيد الميلاد , لذلك يحرص الناس على حضور مثل هذه المناسبة وتقديم التهاني والهدايا تعبيرا عن مشاعر الحب والتقدير , ولجعل المناسبة عامل دفع نحو الاقبال على الحياة وعيشها بتفاؤل واقدام . الكثير منا , نحن جيل الخمسينات والستينات لم نحتفل بصغرنا بهذه المناسبة لانها لم تكن قد ترسخت بالمجتمع في تلك الاوقات . وانا شخصيا لم اعرف في أول حياتي شيء اسمه (عيد ميلاد) ولا سمعت بالأحتفال بهذه المناسبة . لكن حين انتقل والدي للعمل في شركة النفط بالبصرة وعشنا هناك في مطلع الستينات بدأت احضر بعض احتفالات الاولاد بعيد الميلاد هناك . أول من حضرت حفلة عيد ميلاده هو صديقي (نبيل ابراهيم الالوسي) الذي كان اهله يهتمون كثيرا بأقامة حفلة عيد ميلاد له لانه كان طفلا مدللا لكونه الولد الوحيد لهم . ومن المضحك هو انني حين اجتمعت مع غيري من الاولاد حوله لنغني له الاغنية الشائعة قبل قطع الكيكة لم اكن اعرف ما يجب ان اقول , لكني سمعت ما يردده الاخرين وصرت اردد مثلهم فكنت اقول (هبي بردة يويو) من دون ان عرف معنى هذه الكلمات لاني لم اكن اعرف اصلا كلمة (برثداي) باللغة الانكليزية . وفي السنوات التالية حضرت العديد من حفلات لاعياد الميلاد , بل ان بعض تلك الحفلات كانت تقام في دارنا لاخوتي الصغار , لكن لم يعمل لي احد قط حفلة عيد ميلاد خاصة بي . ليس هذا فقط بل ان يوم عيد ميلادي نفسه كان مجهولا , وحين كنت استفسر من اهلي عنه كانت تردني اجابات متباينة ومتناقضة في اليوم والشهر وحتى في السنة . وحين دخلت المدرسة واحتجت لدفتر نفوس (جنسية) كلف والدي ابن عمي في بغداد بعمل واحدة لي , وقد سجل هذا يوم ميلادي في الجنسية باجتهاد منه على أنه في الاول من أب . لكني حين كبرت وفهمت معنى واهمية مثل هذه المناسبة أخذت اتقصى عن يوم مولدي الحقيقي من الاهل والمعارف , فعرفت اولا بانه كان في شهر تشرين الثاني . ثم تقصيت اكثر ودققت فاتفقت الاراء على انه في يوم 23 منه فثبت عندي هذا التاريخ . وحين دخلت للكلية كان يوم الثالث والعشرين من تشرين الثاني مناسبة عامة  يحتفل بها كل عام كعيد للطالب , فاصبحت اعتبر مثل هذا الاحتفال وكأنه احتفال عام بيوم عيد ميلادي .
وحين تزوجت اصبحت زوجتي الحبيبة تهتم كثيرا بمثل هذه المناسبة وصرنا نحتفل بها كل عام , وصارت تجلب لي الهدايا بهذه المناسبة . وبعد مجيء اولادي صار الاحتفال باعياد ميلادهم عرفا عائليا نهتم به لاقصى درجات الاهتمام ونقيم حفلات كبيرة ندعوا بها الكثير من الاهل والمعارف والاصدقاء , وكاننا كنا نريد ان نعوض ما فاتنا بطفولتنا وصغرنا من احتفال بمثل هذه المناسبة . ومنذ زواجي ولحد اليوم دأبنا انا وزوجتي , على الاحتفال بعيد ميلادينا والذي يصادف في نفس الشهر حتى وان كنا لوحدنا . ومن الاعراف التي كنا نعملها ولازلنا , وربما هي خاصة بنا هي ان نغني اغنية الميلاد ونطفيء الشموع لثلاث مرات متتالية , وكنا نحرص على عدم تغيير هذا العرف ابدا . ومن اجمل ما كان يحصل بمثل هذه المناسبات هو مجيء اختي الحبيبة سهام الى حفلة الميلاد , سواء ان كانت لي او لاحد من افراد اسرتي , وكانت كعادتها تصل للحفلة متأخرة وقبل دقائق من قطع الكيكة , لكن ما ان تحضر حتى تضيف للحدث وقعا مثيرا بهلاهلها واغانيها . وحين اصبحنا بديار الغربة وابتعدنا عن بعضنا كانت تحرص على الاتصال هاتفيا بمناسبة عيد ميلاد اي منا لتقدم تهاني خاصة ومباشرة تضيف للمناسبة مشاعر غامرة تملأ المناسبة فرحا وسعادة . وكم كانت تفرح حين نخبرها بالهاتف بان الاحتفال ليس له طعم وحلاوة من دون اغانيها وهلاهلها . وتمر السنون وتتقدم الاعمار لكن تبقى مناسبة (عيد الميلاد) حدثا كبيرا في تاريخنا الشخصي نحرص كل الحرص على اقامته والاهتمام به مهما كانت الظروف والاحوال .

وسام الشالجي
23 تشرين الثاني (نوفمبر) 2015

الأربعاء، 18 ديسمبر 2019

خواطر بالأسود والأبيض - ماالذي أبقاه لي الزمن في الوطن لأحن له وأتوق إليه

تعتز كل دول العالم بماضيها وتراثها وتتفاخر بمعالمها الاثرية , خصوصا التاريخية منها وتحاول جهد الإمكان الحفاظ عليها وصيانتها والإبقاء عليها بنفس صورتها الاصلية مهما كانت قديمة ومتداعية . لا يختص الأمر فقط بما له علاقة بالتاريخ بل قد يمتد إلى كل شيء قديم بما في ذلك التسميات والمعالم العامة . وحين يقتضي الأمر تحديث بعض جوانب المدن في مثل هذه الدول يتم عادة الحفاظ على الأماكن العامة ذات الصفة التراثية من دون إجراء اي تغيير جوهري عليها أو على ما حواليها وتخطيط أجراءات التحديث بحيث لا تمسها باي شكل من الاشكال . وأود هنا أن اروي حكاية مرت بي تتعلق بهذا الأمر . في عام 1984 كنت أدرس في أنكلترة وقد زارني بوقتها المرحوم الوالد وقد خرجت معه في أحد الأيام بجولة في بعض مناطق لندن . وكان الوالد قد عاش في بعض مناطق لندن في بداية عقد الخمسينات حين كان ملتحقا بأحدى الدورات العسكرية التي عقدت هناك , وقد طلب مني أن أخذه إلى نفس تلك المناطق . وما إن وصلنا إلى هناك حتى لاحظت بأن الشجون قد ثارت في نفسه بشدة وتقاطرت الذكريات على خاطره , خصوصا حين وجد تلك المناطق لا زالت على حالها تقريبا من دون حصول أي تغير كبير فيها . توقف أمام نفس البناية التي كانت شقته فيها وتذكر ايامه التي عاشها هناك والتي كان قد مر عليها اكثر من ثلاثين عاما وهي لازالت على حالها كما تركها , وحتى الشارع الذي كانت تقع فيه لم يحصل به اي تبدل جوهري . استمرينا بجولتنا تلك حيث مررنا بجانب نفس البنك الذي كانت تأتي تحويلاته المالية إليه ومررنا بنفس المحلات التي كان يتبضع منها ونفس مكتب البريد الذي كان يرسل منه رسائله , وتوقفنا عند نفس منطقة الباص التي كان يستقل حافلة لندن الشهيرة منها , حتى أنه وجد أرقام الباصات التي كان يركبها لازالت هي هي من دون أي تغيير . كانت جولة جميلة تركت نشوة كبيرة في نفس المرحوم وأنعشت ذكرياته التي كان يحملها عن فترة جميلة عاشها في مدينة الضباب . تركت تلك الواقعة أثرا كبيرا في نفسي وأدركت كم أن الذكريات هي أمور عزيزة على المرء لأنها تشكل جزء من حياته وماضيه . كما عرفت من تلك الجولة أيضا كم إن الإنكليز شعب محافظ يتمسك بتراثه وتاريخه ويحاول دائما الإبقاء على ماضيه كما هو من دون تغيير , وحتى حين يستدعي الأمر إقامة بناء جديد وإجراء تطوير وتحديث ما فهم يعملونه من دون المساس بطابع المدينة العام . ومن الأدلة على ذلك هو أني حين كنت أمر على سبيل المثال في شارع أوكسفورد واقرأ تاريخ بناء الأبنية الموجودة فيه أجد بأن أكثرها يعود لأكثر من مئة سنة لكن ما أن أدخل إلى إحداها حتى أجد منتهى الحداثة والتطور بداخلها , وكانوا بهذا يحافظون على شكل الشارع من الخارج كما كان بالماضي وبنفس الوقت يجعلون أبنيته من الداخل مواكبة للعصر وتساير التطور الحاصل .



مرت السنون وكبرت بالعمر ووصلت إلى مراحل أصبحت فيها احن إلى الماضي بنفس اللهفة التي لمستها عند الوالد اثناء جولتي معه , وصرت أتمنى زيارة الاماكن التي شهدت طفولتي ومراهقتي وشبابي . وقعت تجربتي الأولى بهذا المضمار في أواسط التسعينات حين قررت زيارة مدينة البصرة التي هي مرتع طفولتي وفيها عشت جانب من مراهقتي , وكان قد مر على مفارقتي لها أكثر من ثلاثين عاما . قررت أن اسافر إلى البصرة بوقتها بالقطار , تماما كما كنت أفعل حين كنت بطفولتي أتردد بين البصرة وبغداد محاولا تذكر تلك الرحلات الجميلة حيث غرف النوم المكيفة الفاخرة ذات الافرشة الوثيرة والتيتي الذي يقوم بخدمة الركاب ويجلب الطعام لهم حسب الطلب إلى الغرفة وصوت القطار الذي تثير ضربات دواليبه المتعة بالنفس . كان أول مكان إفتقدته بالسفرة الجديدة هو محطة غربي بغداد التي كانت قد ازيلت من زمان مع زوال الخط المتري أواخر الستينات , فقد سافرت هذه المرة من محطة قطار الكاظمية مستقلا القطار النازل من الموصل والمتوجه إلى البصرة والذي كان يسمى بحينها بـ "قطار التحدي". قضيت ليلة السفر بالقطار الذي لم يكن ابدا كقطارات الماضي فقد كان مظلما وبائسا لا تيتي فيه ولا خدمة ولا طعام وتطوف فيه ذهابا وإيابا فرق الحرس المدججة بالسلاح لتزيل من نفوس الركاب اي شعور بمتعة الرحلة . نزلت بالبصرة وبقيت فيها لحوالي إسبوع ووضعت لنفسي برنامج نويت فيه زيارة كل الاماكن التي اعرفها ولي ذكريات فيها . ما إن بدأت يومي الأول أتجول في تلك المدينة حتى صعقني ما رايته فيها حيث وجدت كل شيء بها قد تغير , فلا الشوارع هي نفس الشوارع ولا الابنية هي نفس الابنية ولا الأزقة هي نفس الأزقة . وجدت نفسي غريبا أطوف في مدينة لا اعرفها وأمر في مناطق لم اعش بها , وكم كنت أبحث جاهدا في بعض الاحيان عن معلم معين أتذكره لكي أراه مرة اخرى , أو بيت عشت فيه لكي أكحل عيني بمنظره ثانية فلا أجد هذا ولا أعثر على ذاك . ومع ذلك فقد حظيت بوقتها برؤية مواقع كانت لا زالت ولله الحمد على حالها كالمدارس التي درست بها وبعض المواقع العامة كسوق المغايز (الهنود) وسوق حنا الشيخ , اما ما عداها فقد ذهب أغلبها مع ذهاب الماضي إلى لا رجعة . أقنعت نفسي بوقتها بأن هذا طبيعي وهو ضريبة التطور والتوسع الذي حصل بالمدينة , وانني يجب أن أتقبل الأمر فالبصرة هي ليست لندن وإن تأخرها بالسابق يستدعي هدم الكثير من أماكنها وإحداث ثورة معمارية فيها أتت حتما على معظم الأماكن التي أحمل ذكريات فيها . عدت بعد إنقضاء الإسبوع البائس الذي قصيته هناك إلى بغداد وأنا لا أحمل أي رغبة في زيارة البصرة مرة أخرى بعد أن زال منها معظم ما أعرفه وأحمل ذكريات جميلة عنه .      



وتمر سنون أخرى وقعت الكثير من الأحداث خلالها وتبدلت معظم الأحوال في البلاد وإمتدت رياح التغيير لتشمل أماكن عشت فيها بمدينة بغداد نفسها التي أسكنها , وكم كان الحزن الشديد يأخذني والألم يعتصرني حين أرى أماكن لي ذكريات جميلة فيها تزول من الوجود أو تتغير إلى أشكال أخرى . كان أكثر مكان حزنت عليه بعد زواله هو ابنية كلية العلوم بالأعظمية التي شهدت دراستي الجامعية وتعرفت فيها على معظم اصحاب العمر ولم يتبقى منها سوى أطلال تغيرت معالمها ومسحت منها كل ذكرى يحملها من عاش بها في الماضي . السينمات التي كنت ارتادها بكثرة اقفلت ابوابها وجرى هدم بعضها كما حصل لسينما الأعظمية العريقة التي رأيت فيها عشرات الأفلام التي لا تزال عالقة بذاكرتي . محلات شهيرة كنت أرتادها بالماضي غابت عن الوجود كأورزدي باك شارع الرشيد وكافتيريته الجميلة المطلة على النهر والقهوة البرازيلية وكافيه بغداد ومطعم ابو يونان الشهير ولم يتبقى منها حتى أثر بسيط . نوادي وأماكن سهرة كثيرة كنت أرتادها مع أصدقائي أيام الشباب مثل نادي المنصور وماركيز ورومانس وعشرات الأماكن الأخرى إندثرت وإختفت من خريطة بغداد . ساحة التحرير الجميلة التي كانت موضعا لأخذ الصور التذكارية تحولت إلى سوق جديد للهرج وبيع اللنكات ومكان للتقفيص والنصب والإحتيال . سوق الصفافير العريق البديع أخذ شيئا فشيئا يفقد طابعه وراح الصفارون يغلقون ابواب محلاتهم فيه ويهجرونه خلال سنوات الحصار وتوقف مجيء السواح وغياب معظم رواده القدامى وتحول تدريجيا الى سوق للقماش ليس فيه اي تراث أو جمالية . سوق الهرج بالميدان حيث كانت تباع العنتيكات والأجهزة الصوتية والأسطونات القديمة تحول مع الوقت إلى سوق خرب وبائس ليس فيه سوى بسطيات تباع بها مواد تافهة . المكان الوحيد الذي كنت ارى فيه شيء من الماضي وأشعر بالمتعة عند زيارتي له كل أسبوع وأجده محافظا على هيئته ووضعه كما كان سابقا هو شارع المتنبي وسوق السراي . ومما حزنت عليه بشدة بالغة هو الحريق الذي اصاب مكتبة المثنى العريقة عام 1999 والتي كانت تمثل جزء حي من ذكريات طفولتي حين كنت ارتادها بصغري لشراء كتب وقصص الأطفال , وبالذات مجلدات مجلتي الحبيبة "سندباد" . ومع ذلك بقيت مواظبا على زيارة شارع المتنبي كل جمعة , وكم كنت أحزن في تلك الزيارات حين كنت ارى شارع الرشيد الذي هو قلب بغداد النابض والذي عشنا فيه أجمل ايامنا يتهدم ويتداعى بعد أن جرى عن عمد إهماله وتخريبه بعد عام 2003 وتحويله إلى شارع لايمت لماضيه بصلة . لم يرضى القدر بما تبقى لي من أماكن أحمل بعض الذكريات فيها فأتى أخيرا على واحد من أهمها حين طالت يد الأرهاب بتفجيرها الإجرامي عام 2007 شارع المتنبي فاحرقت كل المكتبات الشهيرة فيه , ومن يومها توقفت زياراتي له ألى الأبد .  



في أواسط عام 2007 غادرت العراق كما فعل مئات الألاف من الناس بعد الخراب الذي حل به والخطر الجسيم الذي صار يتهددنا فيه وإستقريت في ديار الغربة وصار عندي وطن جديد ومحيط جديد وبيت جديد وأماكن عمل جديدة , وحتى اصحاب ومعارف جدد . نعم , تكون لي في الغربة عالم ثاني جديد بكل شيء فيه لا يمت باي صلة لعالمي السابق , لكنه ظل للأسف عالم فاقد الطعم والحلاوة رغم كل الميزات الجيدة التي يحملها . كان السبب بهذا هو العمر المتقدم الذي وقعت الهجرة فيه فقد ظل القلب يهفوا إلى الايام الخوالي التي شهدت ايام العمر الاولى . ومع مضي السنوات بديار المهجر كنت أراقب كل ما يجري بالوطن وارى عن كثب معاول الهدم تستمر بعملها لتطال كل ما ظل محافظا على هيئته وصورته السابقة وتقضي على كل ما يصاحبها من ذكريات . فقد زال البيت الذي قصيت فيه عمر المراهقة والشباب من الوجود وحلت محله عمارة جديدة . وإختفى بيت الزواج والاسرة والمكان الذي ولد به أولادي وشهدوا طفولتهم فيه ومسح من الصورة , وتبدل حتى شكل الشارع الذي كان فيه . وإختفى شارع المتنبي القديم وحل محله شارع جديد حديث أكاد لا أعرفه لاني لم أره من قبل . وحتى الأماكن التي لا زلت اعرفها كنادي العلوية ونادي الصيد فقد تغيرت معالمها كثيرا وتبدل روادها كما كنت ألاحظ من الصور . ليس هذا فقط , بل حتى الأماكن التي عملت بها طول عمري كمعهد النفط ووزارة النفط وفندق القناة حيث مقر الأمم المتحدة فقد تغيرت معالمها هي الأخرى وتبدل بشرها واصبحت لا أعرف أحدا فيها , وغير هذا الكثير والكثير .



وهكذا أتى الزمن على كل حياتي السابقة التي عشتها بعراقي الحبيب , وأزال من الوجود كل مواطن الذكريات الجميلة وعبث بكل الصور المطبوعة بالمخيلة وسحق كل الجماليات التي ظللت دائما أتمنى الرجعة إليها . تذكرت وانا أكتب هذه الخاطرة الكلمات التي ترنم بها كاظم الساهر حين قال

نفيت وإستوطن الاغراب في بلدي .... ودمروا كل اشيائي الحبيبات

ووجدت نفسي بذات الحال أتسائل وأقول :

مالذي أبقاه لي الزمن في الوطن لأحن له وأتوق إليه



وسام الشالجي

18 كانون الثاني 2019


























الخميس، 21 مارس 2019

خواطر بالأسود والأبيض – التمسك بالأشياء والحاجيات القديمة وعدم كسر العادات المتبعة


من الاشياء التي اعتدت عليها بحياتي ، وربما يشابهني بها الكثيرون هي ظاهرة التمسك بالحاجات والاشياء التي ملكتها واعتدت عليها وقضيت معها وقتا طويلا . ولكي اوضح هذه الظاهرة ساقوم بسرد بعض الامثلة عليها والتي ليس عندي شك بان الكثير من الناس قد مروا بها مثلي , أو على الأقل بأمثلة مشابهة .
بعد زواجي امتلكت في بيتي طقم جديد من الاقداح , لا اذكر ان كنت قد اقتنيته او قدم لي كهدية بتلك المناسبة . دأبت على شرب الماء وبقية انواع المشروبات باستمرار بواحد من تلك الأقداح المشابه للقدح المبين بالصورة حتى صرت مع الوقت لا اشرب شيئا الا به . وشيء فشيء صار هذا القدح جزء مني واصبحت لا ارتاح مطلقا لشرب اي شيء الا به . وبمرور الزمن والسنين كسرت كل تلك الاقداح ولم يتبقى منها الا قدح واحد ظللت استعمله واحرص على الاعتناء به لكي لا ينكسر كبقية اشقائه . ظللت استعمل ذلك القدح لحوالي ١٥ سنة ، وفي يوم من الايام سقط من يدي بالصدفة وانكسر . اصابتني صدمة شديدة وحزنت حزنا شديدا حتى كدت ابكي على قدحي المنكسر ، وبذلك اليوم لم استطعم اي شيء شربته في اي قدح اخر . ومن الصدف العجيبة اني ذهبت مساء نفس اليوم الى سوق الكم (راغبة خاتون) لأتسوق ، واثناء مروري بذلك السوق صادف ان مررت بمحل يبيع الفرفوريات فوقفت امامه واخذت اتطلع فيه بحثا عن طقم اقداح جديد لأشتريه . وفجأة ومن غير ما توقع وجدت بين الاشياء المعروضة قدح يشابه بالضبط قدحي المكسور . اخذت القدح وسألت صاحب المحل ان كان عنده طقم من هذا النوع من الاقداح فقال لي بانه لا يملك سوى هذا القدح وحتى انه لايذكر كيف بقي عنده وحده كقدح منفرد وليس كطقم . اشتريت القدح وعدت الى البيت والسعادة تغمرني لاني عدت الى استخدام نفس قدحي المفضل من جديد . ظل ذلك القدح معي لحوالي ١٥ سنة اخرى ولم افارقه الا حين تركت بيتي في بغداد وغادرت الوطن ، ولا ادري لماذا لم افكر بان اخذه معي . 

وفي واقعة اخرى مشابهة هي اني دأبت منذ حوالي ثلاثين عاما ان لا اشرب شاي الصباح اثناء الافطار الا بكوب ابيض مع صحن يشبه الاكواب التي تستعمل بالفنادق او المطاعم والمبين بالصورة . واينما ذهبت وفي اي بيت عشت لابد وان يكون هذا الكوب هو جزء من مستلزمات تناول الفطور بالنسبة لي . واذا لم يكن الكوب موجودا معي في اي مكان أحل به فان أول شيء افعله هو الذهاب الى السوق بذلك المكان والبحث عن كوب مماثل كبديل لاشرب به شاي الصباح . نفس الشيء يحصل عندي دائما مع القمصان البيضاء المقلمة التي اعتدت على لبسها طول حياتي ، فبمجرد ان يتهرأ القميص الموجود عندي بسبب القدم , او يتمزق حتى اهرع للسوق لشراء واحد جديد احرص بقدر ما هو ممكن بان يكون نسخة طبق الاصل من القميص التالف .
لا ينحصر الامر بالحاجيات بل يتعدى ذلك الى العادات المتبعة ، فقد حرصت طول عمري على عدم كسر أي عادة اعتدت على ممارستها ، ولم يبقى هذا الامر محصورا بي بل حتى انتقل الى اولادي الذين اكتسبوه مني ومن زوجتي . وكمثال على هذا فاننا ومنذ ان بدأنا باقامة حفلات اعياد الميلاد لي ، او لأي فرد من افراد عائلتي اعتدنا على ان نطفيء الشموع ونغني اغنية الميلاد لثلاث مرات متتالية ، ولم نغير هذه العادة قط
ليس هذا فقط ، بل اني كثيرا ما ابقي بحوزتي اشياء لا قيمة لها ، لكن لكونها قد بقيت معي لفترة طويلة لا يهل لي ان ارميها او اتخلص منها . مثل هذه الاشياء قد تكون بطاقة سينما او تكت قطار او باص مصلحة او نظارة قديمة او قلم قديم وغيرها من الاشياء . ومن بين هذه الاشياء التي ظلت عندي لفترة قياسية بطاقة مراجعة لوزارة الدفاع اخذتها اثناء خدمتي العسكرية وظلت معي لحوالي ٢٥ سنة . ظللت محتفظا بالكثير من تلك الاشياء لفترات طويلة جدا إلى أن راحت ورميت عند تصفية منزلي في بغداد قبل عدة سنوات ، فذهبت وذهبت معها كل الذكريات التي ارتبطت بها . وهذه صور لأمثلة من تلك الحاجيات .




وسام الشالجي
21 أذار 2019

الانطلاقة ...

منذ وقت طويل وأنا أفكر بإنشاء موقع خاص بي , فلسنين عديدة تشتت نتاجاتي في العديد من المواقع حتى ضاعت في دهاليزها وتبددت في أروقتها ولم...