الثلاثاء، 30 أغسطس 2016

قالوا وقلنا - العراق الجمهوري

قالوا: كان العراق "الجمهوري" اشبه بأناء خزف متنوع الألوان , موضوعا على طاولة هذا العالم . تعرضت الطاولة الى هزات وأرتجاجات طيلة عقود من الزمن ,  وانتهت الحكاية بأن تلاشت اضلاع الطاولة وسقط الأناء من علو وتناثرت اجزاءه أعقاب الأحتلال في 2003  !!



وأقول: كان الاناء الخزفي المتنوع الالوان الذي سقط وتكسر وتناثرت اجزائه قد تحول مع الزمن الى اناء اثري مما تطلب لأيجاد بديل له ان نبحث في محلات الانتيكات . بعد بحث مضني وجهد جهيد لم نعثر على شبيه يطابق الاناء المكسور , لكننا وجدنا اناء قريب منه لحد ما , لكن بعد وضعه على الطاولة بمدة عاد وسقط وتناثرت اجزائه مرة اخرى . عاودنا البحث مرة ثانية فلم نجد اناء شبيه بالاول ولا بالثاني مما دفعنا ان نختار اناء جديد لا يشبهما لكن فيه شيء ولو بسيط منهما . تكررت العملية مرة ثالثة ورابعة حتى اصبح الاناء الذي جلبناه اخر مرة لا يشبه ابدا الاناء الاول بل بعيد عنه كل البعد لكنه انكسر ايضا بالرغم من صموده لفترة تجاوزت كثيرا مدة بقاء سابقيه . دفعنا كثرة تكرر الامر لان نكتشف بان العيب الذي يسبب كسر الاناء بكل مرة هو بالطاولة التي لم تعد تصلح لوضع اي اناء عليها لكثرة تثلمها واعوجاج ارجلها . اخذنا الطاولة للنجار لاصلاحها فكشف عليها وقال لنا بان خشب هذه الطاولة قديم واثري ولا يوجد منه الان , ونصحنا ان نصنع طاولة جديدة وان نأخذ الطاولة القديمة ونستعملها كحطب لحمامنا الحجري او لتنور الخبز الموجود في دارنا . لم ترق لنا نصيحة النجار وعدنا بطاولتنا العزيزة على قلبنا والحزن يملئنا من دون ان نعرف ماذا سنفعل لكي نعيد الحال الى ما كان عليه . ركنا الطاولة جانبا وتناسينا امرها بأمل ان نجد في يوم من الايام حل لها وللاناء الذي كان عليها . مر الزمن وانشغلنا بشؤون اخرى , لكن رائحة خشب الطاولة القديمة الاثري جلبت كما يبدو حشرة الارضة واخذت تأكلها , ثم انتشرت منها الى كل اجزاء المنزل وراحت تأكل اثاث بيتنا الخشبي ونحن بغفلة مما يجري . وحين انتبهنا لما حصل كان الحال قد ساء الى درجة جعلت البيت كله موبوء وأيل للسقوط فلم يبقى امامنا غير ان نلملم ما سلم من تلك الحشرة اللعينة ونهرب به الى بيت جديد وبعيد متأملين بان نعثر على مسكن جديد ونحظى بحال افضل مما مر بنا . هذه حكايتنا مع العراق "الجمهوري" التي انتهت بفقدان الاناء الخزفي وتحطم الطاولة ثم تدمير البيت بكل ما فيه وهجولتنا في شتى ديار الأرض .

وسام الشالجي
28 أب 2016

السبت، 20 أغسطس 2016

همسات عابرة - الصداقة

انعم الله على البشر بان جعل من اجمل ما في حياتهم هو وجود الاصدقاء , وجعل هؤلاء الاصدقاء سلوة الدنيا وأنسها وملاذها . فقد خلق تعالى الانسان متميزا عن باقي خلقه بان جعله مخلوق اجتماعي يحيا بجماعات ويعيش مع الاخرين , ولا يمكن له ابدا ان يخالف هذه الطبيعة ويبقى وحيدا . الصداقة الحقة ليست رابطا عابرا بين الناس بل هي واحدة من أسمى واروع العلاقات التي تربط بين الاشخاص في هذا الوجود , فبعد علاقة الانسان بوالديه تأتي علاقته بالأصدقاء حتى قبل مرتبة علاقته بالاخوة والأخوات . الصداقة حاجة وضرورة كالحاجة الى المظلة لا نحس بفائدتها الا حين يشتد المطر , والصديق مهم وغال كغلاء صحة الانسان لا نشعر بقيمته الا اذا فقدناها .  

الصديق وردة جميلة مفعمة بالحياة وخالية من الاشواك يفوح عبيرها وينتشر ليملأ كل ركن من اركان الحياة . والاصدقاء في حياتنا هم مجموعة من الزهور تختلف في الوانها واحجامها وروائحها لكنها تشكل معا باقة جميلة وبديعة تضيف للحياة رونقا وجمالا وتبعث فينا الامل وتمدنا بالرغبة بالعيش . تبدأ رحلتنا في تكوين باقتنا من الاصدقاء منذ الطفولة وتتواصل في سنواتها اللاحقة وتستمر طيلة العمر , غير ان الصداقات الحقيقية القوية والمتينة والدائمة لا تنشأ الا بمقتبل العمر . بعض الاصدقاء نحن من نسعى اليهم يجذبنا نحوهم العبير الزكي الذي يفوح منهم , والبعض الاخر منهم يسعون الينا من ذاتهم يدفعهم نحونا عبيرنا الذي أثر فيهم وشدهم . وبين هذا وذاك يشكل كل منا باقته من اصدقاء العمر والتي كثيرا ما تكتمل في اوج عمر الشباب . البعض منا من يكتفي ببضعة ورود في باقته من الاصدقاء يعوض قلة عددها كبر حجم الورود التي يختارها , وبعضنا الاخر يهوى جمع ورودا كثيرة لباقته فيكون لنفسه شدة كبيرة منها لكن كل ورودها تبقى صغيرة . وسواء كنا من هذا النوع او ذاك لا تتجسد نعمة الحياة علينا الا حين تهب لنا صديق , او بضعة اصدقاء يجتمع فيهم اغلب ما نريده , لا تربطهم بنا مصلحة أو فائدة , ولا يتصنعون معنا ولا يلبسون الاقنعة بوجهنا , فيصيرون كالنهر نمضي اليه كلما اشتد بنا الظمأ , ويصبحون الفضاء الواسع الذي نسعى نحوه كلما احتاجت ارواحنا لان تخلص من ضيقها وتتحرر من سجنها .


الاصدقاء اشكال وانواع مختلفة لكن الصديق الحقيقي هو من تجتمع فيه أفضل الصفات , وفيه اغلب ما يتمناه المرء بالصديق . الصديق الحقيقي هو الانسان الذي يعيش الى جانبك ويرافقك بدربك ويشابهك بأذواقك واهوائك , يسره ما يسرك ويحزنه ما يحزنك , يبكي لبكائك ويتوجع لألمك . والصديق الحقيقي هو المتنفس الذي تطلق من خلاله كل ما فيك من ضيق محصور بداخلك ولا تفارقه الا وقد ارتاحت نفسك وزال همك . والصديق الحقيقي هو من يساعدك على تجاوز كل ازمة او محنة تمر بها , لا يدفعه لهذا اجر سيكسبه او فائدة سيجنيها بل اخلاصه وحبه اليك . والصديق الحقيقي هو الذي يقبل عذرك و يسامحك إذا أخطأت بحقه ويدافع عنك بوجودك او بغيابك . والصديق الحقيقي هو الذي بينك وبينه عقد وميثاق حرر نصه من غير ورق وختم ذيله من غير تواقيع عاهدك فيه على البقاء دوما الى جانبك مهما جحد الزمن بحقك وساءت الاحوال معك وتكالبت عليك الصعاب , واقسم بان يظل معك حتى وان تركك كل الناس . والصديق الحقيقي هو الذي يوقفك اذا رأك تمضي بألاتجاه الخطأ ويدفعك الى الاتجاه الصحيح , ويصححك اذا اخطأت , وحتى يوبخك ان سرت بخلاف مصلحتك . والصديق الحقيقي هو الشخص الذي لا يغيره وقت يمضي ولا يبدله فرقا يطول ولا يؤثر على اخلاصه بعد المسافات بل يبقى على حاله وبنفس صفاته وبذات مواقفه مهما طال الغياب . والصديق الحقيقي هو الذي يفهم كلامك قبل ان تنطقه ويشعر بمشاعرك قبل ان تبوح بها ويستدل على نواياك قبل ان تشرحها لان اللغة بينكما تتحول الى موجات من الاثير تشعر بها الحواس وتفهم تفسيرها القلوب  .

  

بعض الاصدقاء يمرون في حياتنا ويذهبون على عجل وكأنهم طيور مهاجرة تحل بارضنا لهنينة ثم ما تلبث ان تغادرنا حتى من غير وداع تاركة عندنا مشاعر لا تخفت وحاملة على اجنحتها ذكريات لا تمحى ولا تغيب صورتها عن بالنا ابدا . والبعض الأخر من الاصدقاء يرافقوننا في كل ايام عمرنا , يسيرون الى جانبنا في دروب حياتنا كسير الخطوط الحديدية المتوازية لا تتقاطع مطلقا ولا تتفارق عن بعضها ابدا فيصيرون جزءا منا ويصبحون رفاق رحلتنا واصدقاء عمرنا . مثل هؤلاء الاصدقاء لا يمكن ان يوزن ثقلهم بميزان ولا تقاس مكانتهم بمقياس ولا يقدر أثرهم بمعيار .
كثيرون هم الاصدقاء الذين نصاحبهم في حياتنا , لكن كم منهم من يبقون مصاحبين لنا ويظلون ملازمين لنا ليصبحوا بالاخر اصدقاء العمر . تبقى باقتنا من الاصدقاء تتناقص مع الايام وتتساقط منها الاوراد كلما مر الزمن ولا يبقى بها بالأخر الا اصدقاء العمر , هؤلاء الذين التقينا بهم في اول الحياة وظلت أيديهم ممسكة بأيدينا حتى اخر يوم من أيامها . 
 

صديق العمر هو ذاك الشخص الذي نعود معه صغارا في كل مرة نلتقيه فيها ولا كأن زمنا طويلا قد مضى ولا سنين كثيرة قد مرت . صديق العمر هو الشخص الذي نسًر بمصاحبته ونرتاح للقائه ونشتاق لرؤيته ونأنس بالحديث معه . صديق العمر هو المرأة التي نرى أنفسنا فيها كما كانت في أوج العمر من غير تغير ولا تبدل . صديق العمر هو الخزنة التي نحفظ فيها كل سر اخفيناه , والمحفظة التي نودع فيها كل ثمين ملكناه . صديق العمر هو المفتاح الذي نفتح فيه كل الابواب الموصدة والشمعة التي تضيء لنا كل قتامة والجسر الذي نجتاز من عليه جميع الصعاب .

  

صديق العمر هو الثروة التي لا تنقص مهما انفقنا منها والكنز الذي نغرف منه كلما احتجنا . سعيد من لديه اصدقاء عمر حقيقيون , ومحظوظ من تبقيهم الاقدار ملازمين له ما بقي حيا .


وسام الشالجي
20 أب (اغسطس) 2016



الأربعاء، 3 أغسطس 2016

شخصيات وطنية من العراق - عبد الحميد باشا الشالجي

بمناسبة الذكرى التاسعة والثلاثون لوفاة جدنا المرحوم عبد الحميد باشا الشالجي التي تصادف في الرابع من أب عام 2016 ارفع لحضراتكم هذا المقال عن هذه الشخصية الوطنية التي ساهمت في تخليص بعض البلدان العربية من السيطرة العثمانية بعد اربعة قرون من الاحتلال , وكان له ايضا دور مهم في تأسيس الدولة العراقية الحديثة وجيشها الباسل عام 1921 وبنائها وتطويرها .

***************************


شخصيات وطنية من العراق

عبد الحميد باشا الشالجي






انا لا اكتب هذا المقال عن المرحوم عبد الحميد باشا الشالجي لأني أعود اليه , بل اكتبه لاسطر بعض اللمحات عن تاريخ هذا الرجل العظيم الذي ربما لا يعرفه الا القليلين والذي ساهم مساهمة فعالة بنجاح وانتصار الثورة العربية الكبرى مطلع القرن العشرين التي اسهمت بتخليص بعض الدول العربية من السيطرة العثمانية التي دامت لحوالي اربعة قرون , وكذلك دوره المهم في تأسيس الدولة العراقية الحديثة عام 1921 وجيشها الباسل . 



ولد عبد الحميد الشالجي عام 1887 في منطقة الحيدرخانة وسط بغداد من عائلة بغدادية اصيلة تنتمي الى عشيرة أل شالجي موسى التي يعود أصلها الى منطقة الزبيدات في الصويرة . وكان والده ابراهيم مصطفى الشالجي احد تجار بغداد المعروفين الذين يمتهنون تجارة وصناعة اقمشة الشال التي كان سوقها رائجا في ذلك الزمن كغيره من افراد عشيرة الشالجي الذين امتهنوا هذه المهنة لعشرات السنين وسميوا بهذه الكنية للدلالة عليهم وعليها . وفي اوائل النصف الثاني من القرن التاسع عشر انتقل ابراهيم الشالجي من مسقط رأسه في منطقة العطيفية – مركز اقامة عشيرة الشالجي الى منطقة الحيدر خانة ليكون قريبا من اسواق القماش المتمركزة في منطقة الشورجة بمركز بغداد , وظل يسكن في تلك المنطقة حتى وفاته عام 1930 . ترعرع عبد الحميد في بيت وعائلة متدينة تتصف بالنبل والكرم وكان الرابع بين اخوته الذكور الخمسة , وقد كان والده ابراهيم يهتم بمستقبل اولاده ويحرص على ان ينالوا بحياتهم اعلى الدرجات والمراتب . لهذا فقد ادخله والده في بداية طفولته بكتاب المحلة (الملا) فحفظ القرآن هناك وتعلم اصول الدين , ثم أدخله والده المدرسة الابتدائية . وبعد انهائه الدراسة الابتدائية في عام 1900 أدخله والده الاعدادية العسكرية الموجودة في بغداد والتي كان يوجد فيها بوقتها وبمراحل مختلفة منها شخصيات رفيعة لعبت ادوارا حاسمة في تاريخ العراق الحديث مثل نوري السعيد , مولود مخلص , سليمان حكمت , سليمان فيضي , طه الهاشمي وغيرهم . درس عبد الحميد الشالجي في الاعدادية العسكرية ببغداد لمدة خمس سنوات , وفي عام 1905 تخرج منها فارسله والده الى الاستانة (اسطنبول) حيث دخل الكلية  الحربية . وفي عام 1908 تخرج من الكلية الحربية برتبة ملازم ثاني وعين ضابطا في الجيش العثماني السادس المرابط في العراق . كان اول منصب يتقلده بالعراق هو ضابط تجنيد .



 

في عام 1908 سيطرت على مقاليد الامور في اسطنبول جمعية الاتحاد والترقي التركية , وهي جمعية عنصرية كانت تدعوا الى نبذ التقاليد والالتزامات الدينية الاسلامية وتتريك كافة الاقاليم الخاضعة للدولة العثمانية . وفي عام 1909 قامت هذه الجمعية بخلع السلطان عبد الحميد الثاني من الحكم ونصبت بدله اخيه السلطان محمد رشاد الامر الذي اعتبر في وقتها بمثابة انقلاب لتغيير طبيعة نظام الحكم . وكرد فعل على ما يجري في اسطنبول تأسست في الفترة 1908 - 1914 في تركيا وبعض البلدان العربية عدة جمعيات عربية غرضها الاصلاح ومقاومة الفكر العنصري لجمعية الاتحاد والترقي . في تركيا تأسست جمعية سرية هي (جمعية العهد) أسسها بعض الضباط العرب الموجودين هناك مثل سليم الجزائري , عزيز علي المصري , طه الهاشمي , نوري السعيد واشخاص أخرين . كان هدف هذه الجمعية اصلاح حال الدولة على أساس بقاء النظام الاتحادي , اذ لم تكن تهدف الى الانفصال عن الدولة العثمانية وانما كان هدفها منصبا على الحصول على ادارة عربية محلية ذاتية للبلدان العربية الخاضعة للدولة واعتماد اللغة العربية كلغة رسمية في البلاد واشتراك العنصر العربي في ادارة الدولة العثمانية . وقد انتمى الملازم الثاني عبد الحميد الشالجي بعد تخرجه الى جمعية العهد , وبقي منتميا في صفوفها حتى حلها عام 1913 . وفي العراق تأسس عام 1909 الحزب الحر برئاسة المحامي سليمان فيضي وطالب النقيب والذي كان يدعو الى المساواة بين شعوب الدولة العثمانية وازالة الظلم والبطش الشائع في البلدان العربية وفرض التعليم فيها باللغة العربية . وفي عام 1913 تأسست بالبصرة الجمعية الاصلاحية برئاسة طالب النقيب والتي كانت تدعو الى حكم لامركزي للبلدان العربية ضمن الدولة العثمانية , وقد اصدرت في حزيران من ذلك العام منهاجها الوطني التحرري الذي يدعو القبائل العربية والجيش في العراق الى الانتفاضة وطرد الاتحاديين الذين اتهمه البيان ببيع الوطن . كما تأسس ايضا في بغداد النادي الوطني العلمي الذي يضم في صفوفه نخبة من الوطنيين العراقيين المعارضين لحكم الاتحاديين والذي تستروا تحت هذه الواجهة لأخفاء نشاطهم , وقد انتخب النادي الوجيه طالب النقيب رئيسا فخريا له واصدر عام 1913 صحيفة (النهضة) واختير مزاحم الباججي كرئيس لتحريرها . وقد استقطب هذا النادي العديد من الشخصيات البغدادية المعروفة مثل سليمان فيضي , تحسين قدري , ابراهيم حلمي العمر , صبيح نجيب , تحسين العسكري , عبد المجيد كنه , عبد الرحمن البناء علاوة على الملازم الاول عبد الحميد الشالجي اضافة الى عشرات من الشخصيات الرفيعة الاخرى .  لم تحقق هذه الجمعيات شيئا بل جرى مطاردة اعضائها والقبض على بعضهم واعدامهم , لكنها ساهمت بقوة في اذكاء الشعور القومي الوطني العربي لدى اعضائها مما دفعهم الى القيام بأعمال جليلة لأوطانهم وشعوبهم فيما بعد .





وفي عام 1914 اندلعت الحرب العالمية الثانية ودخلت الدولة العثمانية فيها الى جانب المانيا ضد دول الحلفاء بريطانيا وفرنسا . لم تكن في الواقع للدولة العثمانية مصلحة في هذه الحرب لكن بعض اعضاء جمعية الاتحاد والترقي الحاكمة في اسطنبول مثل وزير الدفاع انور باشا ووزير الدخلية جمال باشا وغيرهما توهموا بان دخول تركيا لهذه الحرب الى جانب المانيا وانتصارهما فيها يمكن ان يعيد اليها بعض الممالك التي خسرتها الدولة سابقا مثل بلغاريا وهنكاريا وغيرها , لذلك فقد دفعوا السلطان محمد رشاد الى اعلان الحرب على بريطانيا وفرنسا الى جانب المانيا . عين الملازم الاول عبد الحميد الشالجي كأمر لسرية مشاة في الجيش العثماني السادس الموجود في العراق , وقد شارك في قتال القوات البريطانية التي غزت العراق في جميع المعارك التي دارت معها . وبعد اعلان الثورة العربية الكبرى في 10 حزيران عام 1916 ارتفع الشعور القومي العربي في نفوس الضباط العرب الموجودين ضمن القوات العثمانية التي كانت تقاتل في العراق وصمموا في قرارة نفسهم على الانضمام لصفوف هذه الثورة في اقرب فرصة تتاح لهم .



 

وبعد سقوط بغداد عام 1917 وانسحاب الجيش العثماني منها بقي اليوزباشي (النقيب) عبد الحميد الشالجي في بغداد ولم ينسحب مع القوات العثمانية الفارة مما أدى الى القبض عليه وأسره وارساله مع غيره من الضباط الاسرى الى بومباي في الهند حيث اقيمت هناك معسكرات للاسرى الاتراك والعرب المقاتلين معهم . وفي معسكرات الأسر حاول الضباط العرب بان يبينوا للأنكليز بان لا علاقة لهم بالاتراك وانما هم كانوا يقاتلون معهم بسبب خضوع البلدان العربية للحكم العثماني , وان خير دليل على ذلك عدم انسحابهم مع القوات التركية المنهزمة وبقائهم في مدنهم . وافق الانكليز على العفو عن هؤلاء الضباط شريطة تعاونهم مع القوات البريطانية لتوطيد سلطة الاحتلال في بلدانهم , لكن هؤلاء الضباط الشرفاء رفضوا رفضا قاطعا ما عرض عليهم واعلنوا بدلا من ذلك تطوعهم في صفوف الجيش العربي الذي كان يقاتل القوات العثمانية في الشام بقيادة الامير فيصل بن الحسين . وبعد جهد جهيد وافقت السلطات البريطانية على طلبهم وقامت بنقلهم على متن سفينة بريطانية الى ميناء عدن , وكانوا حوالي 75 ضابط و 450 جندي من بينهم عبد الحميد الشالجي . وفي ميناء عدن طلب منهم توقيع وثائق تؤكد ولائهم للجيش العربي الذين تطوعوا للقتال بصفوفه فلم يتأخروا عن توقيع تلك الوثائق , عندها جرى نقلهم الى جدة حيث مقر قيادة الامير فيصل بن الحسين . وفي جدة اعلن عبد الحميد الشالجي واصحابه الولاء لقيادة لامير فيصل بن الحسين واستعدادهم للقتال تحت أمرته فجرى تعيينه أمرا لكتيبة الهجانة ضمن الجيش العربي . قاتل عبد الحميد الشالجي ببسالة في صفوف الجيش العربي وكان وكتيبته رأس الحربة التي دخلت عمان في شرق الاردن وحررتها من السيطرة التركية . وبعد تحرير اراضي واسعة من أرض الشام تقدمت قوات الجيش العربي نحو دمشق واستطاعت دخولها بعد معركة شرسة مع القوات العثمانية التي كانت تنهزم وتنسحب في جميع جبهات القتال مع قوات الحلفاء . وبعد استتباب الامور في دمشق حضر اليها الامير فيصل بن الحسين قائد الجيش العربي والقى خطابا حماسيا فقام رؤساء العشائر وقادة وحدات الجيش العربي على أثره بمبايعته ملكا على سوريا . وفي نفس الوقت اعلن الضباط العراقيين المقاتلين مع الجيش العربي مبايعتهم لشقيقه الأمير عبد الله بن الحسين ملكا على العراق بعد استكمال تحريره من السلطة العثمانية وانسحاب القوات البريطانية منه .






 شكل فيصل بن الحسين حكومة عربية دستورية مستقلة في سوريا برئاسته عام  1918 , وهي اول حكومة عربية لسوريا بعد تحريرها , وقد تولى الضباط العراقيون في هذه الحكومة اعلى المناصب فيها وكما يلي :


(1) جعفر العسكري - مفتشا عاما للجيش وحاكما عسكريا لمدينة حلب

(2) جميل الوادي - مشاورا عسكريا في مدينة حلب

(3) ياسين الهاشمي – رئيسا للمجلس الثوري الحربي

(4) تحسين علي – قائد لقوات الهجانة

(5) نوري السعيد – رئيسا للاركان العامة

(6) علي رضا العسكري - قائد لقوات الدرك (الشرطة)

(7) عبدالحميد الشالجي – قائدا عسكريا لموقع الشام

(8) جميل المدفعي - حاكما عسكريا على عمان

(9) علي جودة الايوبي - حاكما عسكريا لمنطقة البقاع

(10)  ناجي السويدي - معاون للحاكم العسكري في حلب



اضافة الى مجموعة اخرى من الضباط العراقيين في مناصب مختلفة . لم تسر الامور كما كان يريد هؤلاء الرجال الوطنيين , أذ تم وأد الحكم العربي الجديد في سوريا بعد عدة أشهر حيث قامت القوات الفرنسية بناء على معاهدة سايكس بيكو والتي وضعت سوريا من حصة فرنسا بالانتداب فقامت بمهاجمة هذا البلد وطرد الملك فيصل بن الحسين منه وحل قوات الجيش العربي التي كانت ترابط هناك .






 بعد تفكك الحكم العربي في سوريا وخلع الملك فيصل بن الحسين عاد القائمقام عبد الحميد الشالجي الى العراق وهو يرى بألم ما أل اليه الحال هناك فصمم بقرارة نفسه على العمل من أجل تخليص العراق من السيطرة الاستعمارية الجديدة ودعم اي حكم وطني يمكن ان يتأسس فيه . كان طالب النقيب الذي ارتفع نجمه في بداية العقد الثاني من القرن العشرين يعقد الكثير من الاجتماعات التي تدعو الى تكوين حكم وطني بالعراق وقد التف حوله عدد كبير من الرجال الوطنيين ودعموه في جهوده , ومن بين هؤلاء عبد الحميد الشالجي . وبعد ثورة العشرين الكبرى رضخت بريطانيا للداعين لاستقلال العراق وقررت اقامة حكم وطني في العراق وتأسيس مملكة فيه . تم ترشيح ثلاثة شخصيات لتبوأ عرش ملكة العراق هم الامير فيصل بن علي من الحجاز , الوجيه طالب باشا النقيب من البصرة والامير خزعل أمير المحمرة والاحواز . وبسبب العلاقة المتينة التي تربط عبد الحميد الشالجي بطالب النقيب وعملهما السياسي معا لفترة طويلة قاربت العشر سنوات فقد كان موقفه مؤيدا لتولي هذه الشخصية لعرش العراق . لم يكن هذا الموقف مناقضا لصداقة عبد الحميد الشالجي بالامير فيصل بن الحسين او معاديا له , وانما كان أتيا من اعتقاده بان مصلحة البلد كانت تقتضي اختيار شخصية من البلد لحكمه وليست من خارجه . في الواقع كان رأي عبد الحميد الشالجي سديدا وفي محله , اذا ان تولي شخصية عراقية أصيلة لعرش العراق كان يمكن ان يسكت الكثير من الافواه التي ظلت تعيب على موضوع اختيار شخصية ليست من ارض العراق لتولي عرشه , وكان يمكن تحاشي الكثير من المشاكل التي واجهت الحكم الملكي بالعراق والتي أدت بالنهاية الى اسقاطه في 14 تموز عام 1958 . جرى استفتاء شعبي على هؤلاء المرشحين الثلاثة وحصل الامير فيصل بن الحسين في النهاية على نسبة 96% في هذا الاستفتاء فتقرر المناداة به ملكا على العراق , وبالفعل تم تتويجه في 23 أب عام 1921 وجلوسه على عرش العراق والذي يعتبر رسميا تاريخ تأسيس المملكة العراقية .


نتيجة لموقفه من موضوع الترشيح لعرش العراق لم ينل عبد الحميد الشالجي مناصب رفيعة بكيان الدولة الحديثة التكوين ونسب للعمل في استكمال عملية تأسيس الجيش العراقي الحديث فأدى هذه المهمة على أحسن حال ووضع للجيش الوليد برامج تدريبية عالية اسهمت في تحسين مستواه القتالي ليكون بمستوى الجيوش الموجودة في ذلك الوقت . ظل عبد الحميد الشالجي يعمل كضابط بجيش الدولة العراقية حيث تدرج بالرتب والمناصب فيه حتى وصل الى رتبة مقدم واصبح أمر لواء مشاة عام 1925 .  وبحكم منصبه هذا ساهم في التصدي لاول تمرد كردي مسلح حدث ضد الحكم الملكي والدولة والذي اندلع خلال الفترة 1923-1927 بقيادة محمود الحفيد البرزنجي الذي هو من اهالي السليمانية فتم أسره وجلبه الى بغداد ومن ثم جرى نفيه الى أيران . وفي عام 1934 اندلعت حركة تمرد ضد الدولة في لواء الديوانية فقام عبد الحميد الشالجي بمكافحة هذا التمرد العابث ايضا واعادة النظام وسلطة الدولة فيها . ونتيجة لشجاعته وتفانيه بخدمة الدولة جرى تعيينه عام 1934 بمنصب متصرف لواء الكوت . وبعد فشل محاولة بكر صدقي العسكري الانقلابية عام 1936 جرى تعيين العقيد عبد الحميد الشالجي بمنصب مدير الشرطة العام فقام باصلاح هذا السلك وادخال احدث الاساليب الى عمله .







وفي عام 1941 , وبعد ان اصبح برتبة أمير لواء ونال لقب الباشوية تم تعيين عبد الحميد الشالجي بمنصب مدير السجون العام فقام بتحديث هذه المؤسسة وجعلها بحق مؤسسة اصلاح وليس عقاب , حيث تم زج المساجين بالاعمال الحرفية المختلفة كانسيج والحياكة والخبازة والنجارة , واصبح المساجين يتقاضون لاول مرة اجور مناسبة نتيجة لانخراطهم فيها .

 



 لم تتوقف اعمال عبد الحميد الشالجي عند مواقعه الرسمية بل ساهم في خدمة الدولة من خلال عدة انشطة خارج مهامه الوظيفية . في عام 1931 ساهم في تأسيس النادي الجوي العراقي الذي كان نواة تأسيس القوة الجوية العراقية . وفي عام 1951 وبعد تقاعده من الخدمة قام بالتعاون مع بعض الضباط الاخرين بتأسيس جمعية المحاربين القدماء . كما كان عبد الحميد الشالجي مهتما ومولعا بالاثار العراقية القديمة وقد شارك في تأسيس وافتتاح المتحف الوطني العراقي , وقد اقتنى وجمع خلال حياته العديد من القطع الاثرية من تماثيل ولوحات وقطع مختلفة . وقد نال عبد الحميد الشالجي بحياته العديد من الاوسمة , منها اوسمة نالها اثناء خدمته بالجيش العربي اثناء الثورة العربية الكبرى اهمها وسام الخدمة الممتازة من الملك جورج الخامس ملك بريطانيا وايرلندا . كما حصل على العديد من الاوسمة في الدولة العراقية ايضا مثل وسام الشجاعة عن حركات الشمال للفترة 1923-1927 ووسام الخدمة وغيرها .






 وأخيرا , لابد من بيان بان دار السيد عبد الحميد الشالجي قد فتشت في ضحى يوم الرابع عشر من تموز عام 1958 بعد فرار الباشا نوري السعيد من داره بكرادة مريم لان الريبة حامت حول احتمالية لجوئه الى صديقه القديم واختبائه في داره فرارا ممن يبحثون عنه . توفي المرحوم عبد الحميد الشالجي في 4 أب 1977 بعد ان بلغ التسعين من العمر نتيجة لسقوط سقف احدى غرف منزله القديم الواقع قرب منطقة الكريعات عليه فنقل على اثرها للمستشفى الا انه أسلم الروح بعد ساعات قليلة من وقوع الحادث أذ لم يتحمل جسده الهرم ذلك الحادث وقد دفن في مقيرة الشيخ معروف الكرخي في بغداد وأدناه صورة قبره . رحم الله هذه الشخصية الوطنية الجليلة التي قدمت كل ما بوسعها لخدمة الوطن وشعبه , واسكنه فسيح جناته . 


 

وسام الشالجي
4 أب (أغسطس) 2016


الانطلاقة ...

منذ وقت طويل وأنا أفكر بإنشاء موقع خاص بي , فلسنين عديدة تشتت نتاجاتي في العديد من المواقع حتى ضاعت في دهاليزها وتبددت في أروقتها ولم...