السبت، 20 يونيو 2015

خواطر من الوجدان - من هو اكثر استاذ اعجبني خلال دراستي في الكلية - الدكتور غازي درويش

في العام الدراسي 1969 - 1970 كنت بالصف الاول في كلية العلوم , وكنت احرص على حضور جميع المحاضرات الدراسية , ومن بينها درس الكيمياء . في ذلك العام نسب لتدريسنا بموضوع الكيمياء العامة الدكتور غازي درويش , ويبدوا بانه كان اول عام له في الكلية بعد ان غادر منظمة الطاقة الذرية العراقية . وكنت قد سمعت في بداية العام الدراسي بان الاستاذ درويش هو عالم نووي عراقي شهير وانه معروف على النطاق العالمي , وانه كان من المتفوقين دراسيا اذ ارسل الى اميركا في بعثة دراسية بعد تخرجه من الثانوية عام 1951 , وانه استطاع باقل من ثمان سنوات ان يحصل على نصف دستة من الشهادات بين البكلوريوس والماجستير والدكتوراه . اعجبتني هذه الصفات كثيرا فقررت ان اواضب على حضور محاضرات هذا الاستاذ الكبير , مع اني بالواقع كنت لا افوت اي محاضرة لاي استاذ في تلك السنة . منذ اليوم لقيام هذا الاستاذ بتدريسنا أعجبت بطريقة القائه ولغته الانكليزية المتقنة وخبرته العالية بالتدريس . كانت محاضرته تجري بالقاعات الجديدة الواقعة بمؤخرة الكلية والتي افتتحت بتلك السنة , وكانت شعبتنا باجزائها الاربعة تحضر هذه المحاضرة مجتمعة وبالكامل . كنت احرص على الجلوس بالمقدمة وبنفس المقعد كل مرة , وكان ذاك هو المقعد الاول من اليمين . 
كانت طريقة الدكتور درويش بالقاء المحاضرة تتضمن شرح اي فقرة اولا عن طريق الكلام , وحين ينتهي من الشرح يسأل طلابه 
? Is that understood
وحين يأتيه الجواب من الطلبة "نعم" يقول
Then, lets write this down
ثم يقوم بتدوين ما شرحه على السبورة كتابة .
لقد كان شرحه رائعا ومفهوما جدا بالرغم من انه لا يستخدم اللغة العربية اطلاقا . صارت هذه المحاضرة اجمل درس احضره لكثرة ما استمتع بها ومن شدة اعجابي بمدرسها , وقد صارت درجاتي بموضوع الكيمياء عالية جدا . وحين وصل الاستاذ الى شرح موضوع الكيمياء الذرية التي هي اختصاصه , فانه ابدع فيه ايما ابداع . كان يتنقل بين فقرات هذا الموضوع كانه فارس يصول على صهوة جواده , او مقاتل يتمخطر بسلاحه بين جنوده , الى درجة انه جعل من هذا الموضوع المعقد والصعب اشيق موضوع بدرس الكيمياء بتلك السنة على الاطلاق . ومن المفاجأة التي حدثت بذلك الموضوع ان الدكتور غازي درويش وجه باحدى المرات سؤالا عابرا خلال شرحه لاحدى الفقرات , وما ان انهى السؤال اذا به يستدير فجأة نحوي ويشير الي باصبعه ويناديني باسمي طالبا مني اجابة السؤال . لقد كانت حقا مفاجأة كبيرة لم اكن اتوقعها ابدا لاني لم اكن اتصور بانه يعرف اسمي اصلا اذ لم تحصل أبدا قبلها اي مناسبة يمكن ان يعرف من خلالها اسمي . لقد اغتبطت غبطة شديدة من هذا الحدث مما جعلني اثابر اكثر واكثر بدرسه واحرص على التفوق فيه بقدر ما استطيع , وأعتقد باني نلت فيه اعلى درحة بين جميع دروس الصف الاول .
كانت تلك هي السنة الوحيدة التي حظيت بالدكتور غازي درويش كمدرس ولم احظى بمثل تلك الفرصة مرة اخرى ابدا . وقد ترك في اثرا كبيرا جعلني احب الكيمياء واحب التخصص بها واسعى بكل جهدي لان اكمل دراستي فيها . وقبل عدة سنوات علمت بانه موجود في انكلترة , وكم سعيت للاتصال به لكي احظى بفرصة التعبير له عن مدى اعجابي به منذ ذلك الحين , وعن مدى الاثر الذي تركه في نفسي طيلى حياتي لكني لم احظى بهذه الفرصة ابدا . واليوم حين ادرس احرص على ان اسلك نفس طريقته , وحتى استخدم نفس عباراته التي ذكرتها اعلاه . 
حفظ الله دكتورنا الغالي غازي درويش ومنحه الصحة والعافية وطول العمر . للاسف لا تتوفر لدي صورة واضحة للدكتور غازي درويش بتلك الفترة سوى الصورة الضعيفة ادناه




وسام الشالجي

16 حزيران (يونيو) 2015

الخميس، 18 يونيو 2015

خواطر من الوجدان - كيف صار دفتري للكيمياء الصناعية لدى الاستاذ شيت نعمان

في الصف الثالث كلية انتظمت في فرع (الكيمياء الصناعية) وقد احببت هذا الدرس كثيرا واحببت ايضا مدرسه الاستاذ المرحوم شيت نعمان . وفي تلك المرحلة من الكلية كان دوامي في المحاضرات النظرية قد قل كثيرا , وكان هذا من اكبر الاخطاء التي ندمت عليها لاحقا . ولاني لم اكن احضر المحاضرات فقد كنت اعتمد على نفسي كليا في قراءة المنهج المقرر وبطريقتي الخاصة . كنت اسأل الطلاب بعد كل محاضرة عن موضوعها واسجله عندي لكي اطالعه فيما بعد . وقبل كل امتحان شهري او فصلي بفترة كنت اعتكف بالمكتبة التي صادقت المسؤولين عنها فاصبحوا يسمحون لي بالدخول الى داخل اروقتها لكي اشاهد الكتب بصورة مباشرة واختار منها ما اود ان استعيره . 
ومن الاشياء التي كنت اختلف بها عن غيري هو اني لم اكن استعمل طريقة التدوين بليفكس كما يفعل غيري , بل كنت اتبع الطريقة الكلاسيكية في ان يكون لي دفتر لكل موضوع , وكاني بالمدرسة الثانوية . وعند القراءة كنت اخذ معي دفتر الموضوع الذي فيه امتحان الى المكتبة ثم استعير مجموعة من الكتب وأقرأ فيها عن مقررات المنهج ثم اقوم بتلخيص ما اقرأه في دفتري الخاص . ولاني كنت احب موضوع الكيمياء الصناعية فقد كنت اتوسع بالقراءة والتلخيص فيه , حتى اني كنت اقرأ عن صناعات ليست مقررة بالمنهج واقوم بدراستها ورسم مخططات صناعية لها وارسم المعدات التي تستعمل فيها  . وفي اخر السنة اصبح عندي دفتر وافي وشامل للكيمياء الصناعية يفوق كثيرا في مضمونه ما يملكه بقية الطلبة . ونتيجة لقراءاتي الموسعة فقد كنت متفوقا واحصل على درجات شبه كاملة في الامتحانات الشهرية , حتى ان السعي الدراسي لي بذلك الموضوع كان في وقتها 45 من 50 . وفي احد الايام قبل الامتحانات النهائية اخذت اراجع ذلك الموضوع بالمكتبة , وبعد فترة من المراجعة نزلت الى النادي وجلست لاشرب قدح من الشاي ووضعت الدفتر على احد الطاولة . واثناء تلك الاستراحة كان بعض الاصدقاء ياتون ويجلسون ثم يغادرون , وحتى انا قمت ورجعت ألى نفس الطاولة مرات عديدة ناسيا بان دفتري كان موضوعا عليها . وبع برهة غادرت الكلية وذهبت الى البيت وقد غاب عن بالي بانه كان معي دفتر الكيمياء الصناعية حين ذهبت . وما ان وصلت للبيت حتى تذكرت باني نسيت الدفتر في النادي فعدت للكلية على الفور , وهو امر لم يكن صعبا لاني كنت اعيش في بيت لا يبعد كثيرا عن الكلية . لم اجد الدفتر ولم اعرف اين ذهب , وسالت عمال النادي عنه فلم يسعفني احد باجابة مفيدة . خلاصة الامر فان الدفتر قد تبخر ولا اعرف اين ذهب . بدأت الامتحانات وحمدت الله باني كنت قد قرأت موضوع الكيمياء الصناعية جيدا قبل ان يضيع الدقتر , وبالفعل اجتزت الامتحان فيه بسهولة وحتى بتفوق .
انتهى العام الدراسي وبدأ العام اللاحق , وفي احد الايام سمعنا بان الاستاذ شيت نعمان مريض ومنقطع عن الكلية منذ فترة . قررنا انا ومجموعة من الطلبة بان نزوره بالبيت , خصوصا وانه يسكن بالشارع المقابل للكلية وضمن مسافة لا تزيد عن نصف كيلومتر . ذهبنا مشيا وقمنا برن جرس بيته فخرجت الينا زوجته فقلنا لها باننا طلاب ونريد ان نزور استاذنا شيت نعمان لاننا سمعنا بانه مريض , فقالت لنا انتظروا قليلا حتى اخبره ويستعد لمقابلتكم . بعد قليل أدخلتنا واخذتنا الى غرفة مكتب رأينا فيها الاستاذ جالسا في وسطها على احد الكراسي مرتديا روب صوف غامق . استقبلنا بحرارة وطلب من الجلوس وطلب من زوجته ان تعد لنا قهوة . صادف ان يكون موضع جلوسي الى جانب طاولة مكتبه التي كان عليها بعض الكتب والدفاتر . اخذ الاستاذ يحدثنا عن احواله وصحته وسبب انقطاعه عن الكلية , واثناء الحديث راحت عيناي تجول في ارجاء غرفة مكتبه مستطلعا موجوداته , حتى وصلت عيناي الى ما موجود على الطاولة التي اجلس جنبها فرأيت عليها دفتر احمر اثار انتباهي على الفور لانه كان يشبه الى حد بعيد دفتري الذي فقدته بنادي الكلية . لم اكن متأكدا هل كان هو دفتري ام لا لذلك احببت بقوة لان اتأكد منه . واثناء انشغال الاستاذ بالحديث مددت يدي بغفلة منه وفتحت الدفتر باصابعي قليلا لكي ارى الصفحة الاولى والتي كنت قد دونت عليها اسمي وقسمي وشعبتي , فاذا هي بالضبط الصفحة التي دونت بها معلوماتي . حرت ولم اعرف ماذا افعل , هل اخبر الاستاذ بان هذا دفتري لكي استرجعه ام لا افعل ذلك . وقبل ان أنبس ببنت شفة سألت نفسي "اذا كان الدفتر قد وصل الى الاستاذ بشكل او بأخر واسمي موجود عليه فلماذا لم يعيده لي ؟ " . وبعد تفكير ملي خطرت على ذهني فكرة اخرى هي "هل يا ترى بان الاستاذ قد وجد الدفتر حين اطلع عليه مميز وبه الكثير من المعلومات بحيث يستحق الاحتفاظ به فقرر ان يبقيه لنفسه" . عندها قلت مع نفسي بانه قد يكون من المحرج له ان طالبت به الان خصوصا امام طلاب اخرين , لذا قررت ان لا افتح هذا الموضوع معه ابدا .
مرت السنون , وبعد ثمان سنوات احتجت لتوصية لكي احصل على قبول من احدى الجامعات في انكلترة لاكمال دراستي فذهبت الى بيت الاستاذ شيت نعمان فخرج لي الى الباب وتذكرني ورحب بي بحرارة فطلبت منه كتاب توصية واعطيته عنوان الجامعة التي قدمت اليها فوعدني بان يرسل لهم رسالة بسرعة . وحين سافرت وداومت بالجامعة قابلت رئيس القسم هناك فقال لي بان رسائل التوصية التي وصلتنا عنك كانت رائعة فعرفت بحينها ان الاستاذ قد وفى بوعده لي وكتب عني خيرا . ولحد يومي هذا لا اعرف كيف وصل دفتري للكيمياء الصناعية الى ايدي الاستاذ شيت نعمان ولماذا احتفظ به .  رحم الله استاذنا الكبير شيت نعمان واسكنه فسيح جناته . 





وسام الشالجي
18 حزيران (يونيو) 2015

الاثنين، 15 يونيو 2015

خواطر بالاسود والابيض - من الثانوية الى الكلية العزلة نفسها والحال الاجتماعي يراوح في محله


كنت اظن بان انتقالي من الدراسة الثانوية ألى الدراسة الجامعية سيشكل تحويلة ونقلة كبيرة في حياتي بكل شيء . اول نقلة كنت انتظرها هي الانتقال الى عالم جديد هو عالم الكبار ومغادرة عالم الفتيان بالمدارس الثانوية بكل ما فيه من مساويء . نعم , كانت مساويء الحياة الدراسية بالمدرسة لها اول وليس لها اخر , ابتداء من العصا التي كنت انال بعض منها بالرغم من هدوئي وكوني لست طالبا مشاغبا , انتقالا الى تحكم وسلطوية بعض المدرسين وامزجتهم المتقلبة , وصولا الى جشع المديرين وطلباتهم . ومع اني كنت في مدرسة جيدة هي ثانوية المنصور , لكني مع ذلك فقد عشت فيها معظم السلبيات التي يعيشها طلاب المدارس الثانوية في العراق . النقلة المهمة الثانية التي كنت انتظرها هي العيش بالاجواء المختلطة بين الطلبة والطالبات بدلا من العزلة التي بقيت اعيش اجوائها طيلة حياتي المدرسية من الابتدائية حتى الثانوية .

وحين قبلت بالجامعة انتابتني احلام متنوعة بعضها جميلة ووردية , وبعضها الاخر مخيفة ومفزعة . فقبل ان اتخطى عتبة عالم الاختلاط عشت في عالم خيالي رسمته بذهني وتصورت باني ساحظى بعلاقة او صداقة مع فتاة كما هي امنية معظم الفتيان في عمري . لكن , في اليوم الاول لدخولي للكلية ورؤيتي للمجتمع المختلط من طلبة وطالبات احسست برهبة كبيرة وخوف شديد ربما أتت من كوني لم اتعامل مع الجنس الاخر من قبل سوى تعاملي مع اخواتي وبعض قريباتي , وهي خبرة لا يعول عليها كثيرا . وما هي الا أيام قليلة من حياتي الجديدة حتى احسست بان هناك شيء ما ليس على ما يرام في تكويني العام , اذا اني لا اعرف كيف اكلم فتاة , ولا اعرف عن ماذا اتحدث معها اذا حدث ذلك . ليس هذا فقط , بل انا حتى لا املك الجرأة على ان اقدم نفسي الى بنت والتكلم معها مباشرة , واذا حدث ذلك فان وجهي يحمر وارتبك واتلعثم حتى اكاد افقد توازني . كانت الطالبة بالنسبة لي عالم غامض لا اعرف عنه شيئا , وقد اصبحت اراها جبل عالي لا املك القدرة على تسلقه , او جدار كبير يصعب علي اختراقه . ومما عزز عندي هذه القناعة ان بعض الطلبة المقدامين والمتهورين حاولوا بسرعة اقتحام هذا العالم والتقرب من بعض الفتيات لكنهم جوبهوا بصد شديد , وحتى مهين بحيث صاروا موضع حديث وتندر الأخرين . لذلك حاولت ان أنأى بنفسي عن هذا العالم , وبقيت بعيدا في نطاق من تعرفت عليهم من الطلبة . ولحسن الحظ كان معي طالب من نفس مدرستي لذلك كنت اقضي كل الوقت معه متحاشيا ان اخوض غمار تجربة اجهل ماذا ستكون نتائجها .

كان عمري حين دخلت الكلية سبعة عشر عاما , ويعني هذا باني كنت في اواخر مرحلة المراهقة التي لم اعشها كما ينبغي نتيجة لحياة العزل بين الجنسين السائدة في مجتمعنا . لم تكن قد نبتت لي لحية او شوارب بعد , لكن كانت في وجهي شعيرات هنا وهناك كنت احرص على حلاقتها لأني كنت اكره منظرها البائس , خصوصا واني كنت سامع بان كثرة الحلاقة تنبت شعر اللحية بسرعة . لا ادري لماذا كنت اريد للحيتي بان تنمو بسرعة مع انها ستحلق في كل الاحوال , لكن الامر كما يبدوا كان محاولة لاظهار الرجولة وتجاوز مظاهر مرحلة الصبا والفتوة . داومت المحاضرات الاولى بالكلية فاذا بي الاحظ بان الطالبات يتقصدن في عزل انفسهن والأبتعاد بقدر ما هو ممكن عن الطلاب . واثناء المحاضرة فان الطالبات كن يجلسن متكتلات على احد الجوانب مما يضطر الطلاب بان يتكتلوا على الجهة الاخرى حتى يصبح الصف لمن يشاهده مقسوم من الوسط لقسمين نصفه طالبات فقط والنصف الاخر طلاب فقط . اما في خط التماس فان من يمعن النظر فيه يرى بان اي طالبة موجودة به تجلس وقد أدارت ظهرها على الطالب الجالس الى جنبها وكان بينهما خصام او زعل ولا تريد ان تواجهه وجها لوجه . اما في المختبر حيث طبيعة العمل وحرية الحركة تجعل ظروف التماس متاحة بشكل اكبر وتوفر امكانية التحدث الى بعض بسهولة , لكن مع ذلك فان الكثير من الطالبات ظللن يعزلن انفسهن حتى بهذا المكان وكانهن مصرات على الابتعاد مهما كان الوضع . الطالبات الوحيدات اللواتي كن مختلفات ورحن يتحدثن مع الطلبة بسهولة وحرية وأندمجن معهم منذ اليوم الاول هن الطالبات المسيحيات , لذلك فان اول الطالبات اللواتي تعرفت عليهن بالكلية كن مسيحيات ثم استمرت علاقتي وطيدة بهن في كل سنواتي بالكلية . ظننت بان هذا الحال هو فقط مقتصر على الايام الاولى بسبب الخجل وانه سيتغير مع الوقت , لكن 90% من تصرفات الطالبات ظل على هذا الحال ولم يتغير ابدا . كان هذا الحال يعبر بوضوح وبسخرية عن الحالة المرضية التي يعاني منها المجتمع ومدى العقد النفسية التي تزرعها الاحوال الاجتماعية في نفوس الاجيال الجديدة التي تضخ الى معترك الحياة . كما ان الحالة اشعرتني باني لست الوحيد الذي كنت اعاني من رهبة الاختلاط , فان الطالبات انفسهن على ما يبدوا كن مصابات بنفس الداء , وربما بدرجة اشد .

كان معنا طالبات بمنتهى الجمال والروعة والرقة , وكان اي طالب بيننا يتمنى ان يكون معهن زمالات او صداقات طلابية بريئة , لكن الكثير من هؤلاء كن صدودات ومنغلقات على انفسهن . كان هناك طالبات يرون اي طالب يحاول التحدث اليهن , خصوصا اذا كان من شعبة اخرى بأنه ليس سوى ذئب يريد افتراسهن مما يتطلب مجابهته بقوة وشراسة . وبعضهن الاخريات يتصورن بان سمعة اي طالبة ستتدهور اذا ما تحدثت الى طالب , وان مستقبلها ربما سيضيع اذا ما سمحت لنفسها بان تجلس معه بالنادي او تتمشى معه باروقة الكلية . لذلك فان معظم طالبات السنة الاولى كن يهرعن الى غرفة الطالبات خلال اي فرصة او فراغ مبتعدات بقدر ما هو ممكن عن عالم الطلبة . بل ان الكثيرات منهن ظللن على هذا الحال حتى بالسنوات اللاحقة , حتى أستطيع ان اقول بان هناك طالبات داومن بالكلية لمدة اربع سنوات وتخرجن من دون ان يتحدثن الى طالب الا فيما ندر . لقد كان حقا امرا مؤسفا ان يكن مثل هؤلاء الفتيات على ذلك الحال المحزن , ولابد وانهن قد ندمن عليه بشدة بعد تخرجهن . انا لا انكر بانه كان هناك معنا طالبات اجتماعيات جدا وكن يندمجن مع الطلاب ويجلسن معهم بالنادي ويرافقوهم الى الحفلات الجامعية ويحضرن مع الطلبة كل النشاطات الرياضية والاجتماعية والسفرات الجامعية . لكن هؤلاء كن قلة , وحتى كن محط تقولات واحاديث النوع الاول من الطالبات المعقدات .

وفي ظل مثل هذه الظروف والاحوال اقول بصدق بان حالتي الاجتماعية بالسنتين الاولتين بالكلية ظلت ذكورية بحتة باستثناء زمالة بعض الطالبات المسيحيات وعلى نطاق ليس واسع . لذلك لم اشعر بأي فرق بين حياتي في المدرسة وحياتي بالكلية من ناحية الاختلاط . الفرق الوحيد انني كنت ارى الفتيات فقط بالشارع , لكني اصبحت بالكلية اراهن بنفس الصف الذي ادرس فيه , ولكن بالحالتين لم يكن هناك غير الرؤية فقط . الا ان الحال تغير معي وتحسن الى حد ما بالسنوات اللاحقة وانفكت العقد بعض الشيء فصرت استطيع الالتقاء والتحدث مع الطالبات من دون ان اشعر بخجل او صعوبة او حرج . وفي السنة الرابعة صار عندي زميلات مثلما ما عندي من زملاء . ومن نتائج هذا اني استطعت بالأخر ان ارتبط بصديقتي ورفيقة عمري زوجتي الحبيبة , مع انها كانت من قسم أخر ليس قسمي . وحين اتذكر اليوم سنواتي بالكلية كم أتأسف على ايام هي اجمل ايام العمر لكنها تبددت رغما عنا دون ان نستمتع بها بما يكفي . وهذه بعض صوري بالسنة الاولى من الكلية .










وسام الشالجي
15 حزيران (يونيو) 2015

الانطلاقة ...

منذ وقت طويل وأنا أفكر بإنشاء موقع خاص بي , فلسنين عديدة تشتت نتاجاتي في العديد من المواقع حتى ضاعت في دهاليزها وتبددت في أروقتها ولم...