الأربعاء، 25 أكتوبر 2017

خواطر بالأسود والابيض - متى دخل التلفزيون الى بيتنا في البصرة

كان البث التلفزيوني قد بدأ في بغداد وانتشر منذ العام 1956 , وقد اقتنت اغلب البيوت اجهزة لاستقبال البث التلفزيوني الذي كان يبدأ بالساعة السادسة مساءا وينتهي بالساعة الحادية عشرة او الثانية عشرة حسب نوع السهرة التي يقدمها . لم يكن البث يصل الى ابعد من مدينة بغداد وضواحيها , اما المحافظات (الالوية في حينها) فكانت لا تعرف شيء اسمه تلفزيون وتعتمد فقط على اجهزة الراديو لسماع الاخبار والاغاني والبرامج الفنية . كنا نعيش بالبصرة في بداية الستينات وكنا نسافر الى بغداد لنقضي العطلة الصيفية كل عام مع الأهل هناك , وفي تلك العطل كنا نستمتع بمشاهدة التلفزيون الذي لم نكن نشاهده بالبصرة , وكم كنت أغار من وجود التلفزيون عندهم وعدم وجوده عندنا بالبصرة . في عام 1963 تم افتتاح محطتان للبث التلفزيوني قرب البصرة , واحدة في مدينة عبادان الايرانية القريبة وواحدة في مدينة الكويت التي تبعد حوالي 173 كم عن البصرة . كان بث محطة تلفزيون عبادان يصل الى البصرة بوضوح لقرب المدينة التي لم تكن تبعد اكثر من 65 كم , اما بث محطة الكويت فلم يكن يصل واضحا الا بأيام الشرجي حين يكون الجو صحوا والرياح جنوبية شرقية . اشترى لنا والدي في نفس ذلك العام جهاز تلفزيون قياس 23 انج من شركة كتانة بالعشار وقامت الشركة البائعة بنصب هوائي (أريل) في سطح دارنا يتكون من شبكتين , واحدة كبيرة وعريضة موجهة نحو مدينة عبادان والثاني وهو الاعلى طويل ورفيع ينتهي من نهايته الخلفية بشبكة ملحقة عمودية متصلة به من المركز وموجه نحو مدينة الكويت , وزودتنا بمفتاح يحول الاستقبال من اريل الكويت الى اريل عبادان وبالعكس  . 



 منذ ان امتلكنا التلفزيون في بيتنا بالبصرة ابتدأت معنا تجربة من المعاناة المريرة اذ كان بث عبادان الذي نستلمه واضحا يبث باللغة الفارسية التي لم نكن نعرفها وبالتالي لم يكن يعجبنا مشاهدتها , بينما بث تلفزيون الكويت الذي كان بالعربية ونرغب بمشاهدته لم نكن نستلمه الا في أيام قليلة حسب حالة الجو وغالبا ما يكون غير واضحا . كنت اصعد الى سطح الدار كل ليلة واقوم بأعادة توجيه الهوائي بلفه يمينا او يسارا بينما تراقب اختي الأستلام من جهة التلفزيون لكي تبلغني بالتوقف عن اللف حين نصل الى استقبال مرضي بعض الشيء . المشكلة الاخرى كانت في كون الهوائي غير ثابت وكان يتغير اتجاهه كل يوم حسب الريح التي تغير توجيهه مما يجعل اعادة التوجيه حالة مطلوبة يوميا مع كل عملية فتح للتفلزيون . ومع ذلك كانت تلك الاوقات التي نشاهد بها التلفزيون من ابدع الاوقات بالنيبة لنا , وكم كنا نفرح حين يكون استلام تلفزيون الكويت واضحا فنسعد بمشاهدة برامج تلك القناة البديعة . ومن خلال مشاهدة تلفزيون الكويت تكونت عندنا بالبيت ثقافة فنية كويتية حيث اصبحنا نعرف اسماء الممثلين واسماء المطربين الكويتيين ونعرف مناسبات تلك الدولة ونطلع على فعالياتها ونشاطاتها , ولازلت اذكر لحد اليوم بعض البرامج مثل برنامج (فكر وامرح) . كان امير دولة الكويت في حينها المرحوم عبد الله السالم الصباح , ومن ذكرياتي ايضا اغنية وطنية للمطرب عبد اللطيف الكويتي غنى بها لهذا الامير . كما كنا نشاهد حفلات الفنانين العرب الذين يزورون دولة الكويت وانا اذكر جيدا اغنية عبد الحليم حافظ  (يا هلي يا هلي) التي غناها في الكويت . كان تلفزيون الكويت يبدا بالبث بالساعة السادسة مساءا لغاية منتصف الليل عدا ايام الجمعة حيث يبدا بالبث بالسعة الرابعة عصرا يليه الأفتتاح فلم عربي . كان البث اليومي يسبقه ساعة بث تجريبي يظهر فيها شعار تلفزيون دولة الكويت على انغام مقطوعة (تحية) الموسيقية , وكنا نداوم على فتح التلفزيون حتى بهذه الساعة لذلك انطبعت بذاكرتي تلك المقطوعة بشكل ثابت لا يمحى ابدا .


استمر البث التلفزيوني المتقطع الذي يصلنا من الكويت لغاية اوئل عام 1966 حين افتتحت الكويت محطة تقوية على الحدود العراقية الكويتية قرب معبر صفوان موجهة خصيصا للعراق . ومنذ ذلك الوقت اصبح استقبال محطة تلفزيون الكويت قويا ومنتظما لا يتاثر بحالة الجو . كان هذا الفعل مقصودا ارادت الحكومة الكويتية من خلاله  بث ثقافتها في نفوس اهل البصرة وكسب جماهيىر تلك المنطقة الى جانبها وهذا عمل ذكي ومدروس ينم عن معرفة عن مدى اهمية هذه الالة الأعلامية الخطيرة . اما قناة عبادان فنحن لم نكن نعيرها اي اهتمام لعدم فهمنا اللغة التي كان يبث بها , ولم تكلف الحكومة الايرانية نفسها في استغلال مثل هذه المحطة في الدعاية لنفسها عن طريق تخصيص بعض البرامج لتبث باللغة العربية .
حقا كانت ايام جميلة وبديعة امتزجت باحاسيس الطفولة الجميلة وذكريات الماضي الحلوة التي لا تمحى من الذهن ابدا .

رابط مقطوعة تحية الكويتية



وسام الشالجي
25 اكتوبر (تشرين اول) 2017



الأحد، 8 أكتوبر 2017

هل ستضيف صيحات التقدم التقني والعلمي سببا جديدا لانخفاض عدد السكان بدول الغرب ؟

في العقود الاخيرة برزت للوجود ظاهرة انخفاض اعداد السكان في دول الغرب الاوربية والامريكية حتى سجلت مستويات خطيرة باتت تنذر بسير شعوب هذه الدول نحو الانقراض . ولأجل ان تبقى اي أمة مستمرة وغير مهددة من ناحية عدد السكان يجب ان تكون نسبة الخصوبة في الأنجاب فيها لا تقل عن نسبة 2.11 ، وتبقى تعتبر مقبولة ولا تؤشر قدر كبيرا من التخوف اذا ظلت حوالي هذه النسبة ولم تنخفض عن نسبة 2.0 . وحين تهبط هذه النسبة الى ما دون 1.9 فأن شعب تلك الامة يصبح معرض للتناقص باستمرار , واذا ما وصلت نسبة الخصوبة في الانجاب الى مقدار 1.3 او أقل فان الشعب يصبح مهددا بالانقراض خلال مدة تتراوح بين 80 الى 100 عام . بدأت نسبة التزايد السكاني في دول الغرب بالانخفاض عن المستوى الطبيعي منذ اواسط القرن الماضي . في البداية كانت معدلات الانخفاض لا تؤشر خطرا كبيرا ، وكان يجري التعويض عن انخفاض اعداد السكان من خلال قيام دول الغرب بقبول اعدادا من المهاجرين بمعدل سنوي بحيث يبقى عدد سكان كل دولة بقدر ثابت تقريبا . الا ان نسب التزايد وصلت الى معدلات خطيرة منذ بداية القرن الحالي , فقد وصلت النسبة عام 2007 في فرنسا الى مقدار 1.8 , وفي انكلترة الى 1.6 وفي المانيا واليونان الى نسبة 1.3 وفي ايطاليا الى نسبة 1.2 وفي اسبانيا الى 1.1 , وقد بلغ المعدل العام لنسبة التكاثر في عموم القارة الاوربية الى معدل 1.38 . ان هذه النسبة تعني ان شعوب القارة الاوربية الاصلية ستنقرض وتختفي من الوجود خلال مدة لا تزيد عن مئة عام , او بكلمة اخرى فأن القرن الثاني والعشرون سيطل على العالم وقد حدث فيه تغير ديموغرافي هائل ستتغير فيه بنية الكثير من دول الغرب وتصبح شعوبها مختلفة تماما عن ما هي عليه اليوم او في اوائل القرن الحالي . وعلى العكس من هذا الحال هو الوضع في شعوب الشرق التي ظلت مستويات الخصوبة بها عالية بشكل مفرط بحيث كان عدد سكانها يتزايد بشكل منفلت كما هو الحال بالهند وبعض الدول العربية والافريقية . فعلى سبيل امثال تبلغ نسبة الخصوبة في بعض بلدان الشرق الاوسط المسلمة نسبة 8.2 كما هو الحال في مصر والعراق والسودان واليمن , لذلك نجد اعداد السكان بهذه البلدان يزداد بشكل سريع حتى انه يتضاعف كل 25 سنة تقريبا .

ويعود الانخفاض في عدد السكان الى عزوف الناس عن الزواج والذي يرجع بالاساس الى القوانين الصارمة التي شرعتها تلك الدول لحماية المرأة والاطفال من مخاطر ومتاعب انفراط عقد الاسرة والذي كان قبلها يهدد مستقبل الاولاد ويؤدي الى ضياعهم نتيجة للانحراف والخروج عن مسار النمو الصحيح بسبب غياب التربية الاسرية السوية وفقدان الامكانية المادية لمعيشتهم . لقد كان لتلك القوانين والأعباء الجمة التي صار الزوج يتحملها في الانفاق على زوجته السابقة واطفاله بعد الانفصال دافع كبير لان يعزف الرجل عن الارتباط بأمرأة عن طريق الزواج واستبدال الامر باقامة علاقات حميمة خارج اطار الزواج . ونتيجة لهذا الوضع الجديد فأن تلك الدول راحت تمد أثر قوانين حماية الاسرة لتشمل بمفعولها حتى العلاقات غير الزوجية واصبح الرجل يحمل مسؤولية الأنفاق على اولاده الذين يأتون للحياة حتى وان كانوا قد أتوا من علاقة غير زوجية . صار هذا الحال عامل اضافي جعل الناس يحاولون كل ما بوسعهم لكي لا ينجبوا وبالتالي أخذ يؤثر على نسب الخصوبة ويقلل من نسب التكاثر بالمجتمع حتى بلغت تلك النسب المتدنية الخطيرة . وكتعويض عن الحب المفتقد والحياة الاجتماعية الغائبة عن الحياة راح الناس في دول الغرب يلجئون بدوافع كبيرة الى بدائل اخرى اهمها تربية الحيوانات , وعلى الأخص الكلاب والقطط . ولان مثل تلك الحيوانات لا تنطق ولا تستطيع الدفاع عن نفسها ولا تتمكن من ضمان وحماية حقوقها بالحياة نرى ان دول الغرب وبتاثير من جمعيات الرفق بالحيوان قد شرعت قوانين وانظمة تحمي تلك الحيوانات من الاخطار التي يمكن ان تحدق بها في حالة عزوف الشخص عن تربيتها والاعتناء بها وتركها في ظل ظروف قاهرة لم تعتاد عليها . ليس هذا فقط بل ان الحال اصبح أشبه بحالات التبني حيث اصبح للحيوان اسم يرتبط باسم اسرة الشخص الذي يرغب بتربيته وحتى يمكن ان يرث صاحبه اذا ما غاب اي وريث رسمي لذلك الشخص . وقد أدت عملية تبني الحيوانات والامعان في تربيتها والاعتناء بها الى جعلها كأنها افرادا من الاسرة يشابه وضعها تماما موقع الابن او الابنة وبالتالي دفع بشكل اكبر الى عزوف الناس عن عملية الانجاب . غير ان الحاجة الى الحبيب او الحبيبة لسد متطلبات الجسد ظلت موجودة ولم يقلل من وجودها الاتجاه الى تبني الحيوانات كبديل للذرية . لذلك نرى الناس بدول الغرب أستمروا في تكوين العلاقات الحميمة بين الجنسين لكن مع الحرص بشكل كبير بان لا يكون الانجاب ثمرة لهذه العلاقات من خلال استخدام كافة وسائل منع الحمل المتاحة . اما في دول الشرق فان الحال هو مختلفا تماما فلا وجود في هذه الدول لقوانين صارمة تثقل كاهل الزوج في حالة انفصاله عن الاسرة مما جعل معدلات الزواج محافظة على طبيعتها ونسب الخصوبة محافظة على معدلاتها المرتفعة .

وفي السنوات الاخيرة ونتيجة للتقدم التقني والعلمي راحت بعض الشركات تحاول صنع روبوتات بشرية تشابه بهيئتها هيئة الانسان العادي بنسب متقدمة وصلت الى قرابة الـ 95% . لقد وصلت هذ الروبوتات الى درجة عالية من التقدم والتصرف المشابه للانسان , فهي اصبحت تتكلم وتتحاور من خلال الذكاء الصناعي المزروع بعقلها الداخلي . المهم في هذا ان تلك الروبوتات لم تصنع لخدمة الانسان في الصناعة او الزراعة او لقضاء احتياجات المنزل فقط , بل انها اتجهت في دوافع صنعها ايضا الى جعلها بديل عن الحبيب او الحبيبة التي يحتاجها الانسان لأرضاء حاجات نفسه الجسدية . فقد اصبح من الممكن في عالم اليوم ان يذهب الرجل الى محلات خاصة ليشاهد بنفسه عشرات النماذج من الروبوتات المصنوعة على شكل فتيات ومن ثم يختار النموذج الذي يعجبه ويقتنيه . هذه الروبوتة لها مظهر خارجي وملمس يشابه بفنية عالية ملمس الفتاة الطبيعية , ولها شعر وفم ولسان واسنان تماما مثل أي انسانة عادية . كما انها تستطيع التكلم والتحاور مع صاحبها بالضبط كالمرأة الحية . والاهم من هذا كله ان الرجل اصبح يستطيع ان يجعل من هذه الروبوتة حبيبة تشاركه في فراشه ويستطيع ممارسة الجنس معها وكأنها زوجة طبيعية تماما . لا يقتصر الحال على صنع روبوتة بشكل أمرأة بل امتد الامر ليتم صنع روبوت بشكل رجل ايضا يستطيع ان يقوم بنفس الدور الذي يقوم به الرجل بالعلاقة الحميمية . ترى هل سيؤدي هذا التطور الى خلق عوامل اضافية تدفع بالرجال والنساء في دول الغرب الى الاستغناء عن الجنس الاخر في ارضاء حاجات الجسد الضرورية . الشعوب الوحيدة التي لا يمكن ان تتاثر بهذه التطورات هي شعوب الشرق وذلك لأعتبارات دينية اولا ولأعتبارات اجتماعية ثانيا لأن الاقتران بشريك من الجنس الاخر سهل ومتاح في مثل تلك الدول ولا وجود لقوانين صارمة تحمل الزوجة اثقال كبيرة في حالة انفراط عقود الزواج . لذلك ليس من المتوقع ان تؤدي هذه التطورات التقنية الى حصول اي تغير بنسب الزواج والاقتران في مثل هذه الدول ولا ان تؤثر على نسب الخصوبة بالمجتمع .

السؤال المهم والخطير بهذا الامر هو: هل سيكون التقدم بهذا المضمار مسببا جديدا الى انخفاض نسبة الخصوبة بالمجتمعات الغربية بشكل اكبر مما سيجعل من وتيرة التناقص بعدد السكان فيها شديدة وسريعة ؟ وهل يمكننا ان نتوقع اختفاء شعوب دول الغرب من الوجود وانقراضها خلال خمسين عاما بدلا من مئة عام ؟




 
وسام الشالجي
13 أيلول (سبتمبر) 2017

همسات عابرة - الكهولة



الكهولة هي الانحدار بالعمر وتناقص القدرة والضعف المتواصل والمستدام . يقول البعض انها تبدأ في نهاية الأربعينات من العمر , لكن الكثيرون لا يعترفون بانهم وصلوها الا بعد تخطي الستين . ومن حسن الحظ أن ان الانحدار نحو الكهولة يختلف بدرجة كبيرة من شخص لآخر ، فمن الناس من يبدو عليهم الهرم قبل الأوان بوقت طويل ، ومنهم من يحتفظ بنضارة الشباب الى مرحلة متأخرة من العمر . لكن , ما ان ندخل هذه المرحلة حتى يصبح كل شيء في حياتنا سقيما لأن للكهولة مكاره وقبائح ومساويء لا يحتملها الا من دعت له أمه يوم مولده بدعوة عظيمة مستجابة . ان من المضحك ان نقول كهولة ولا نقول شيخوخة وكأننا نجامل أنفسنا ونفرحها حتى لا نجعلها تبتأس مما هي فيه ومما اصبحت عليه . للكهولة اللعينة او بكلمات ادق للشيخوخة القبيحة مفارقات عديدة اهمها ان كل مافينا يصبح يسير عكس ما نريده ونتمناه . فكل ما كان جميلا وبديعا ويفيض حيوية فينا ياخذ بالأبحار بعيدا ليحط رحاله في أرض مقفرة ويابسة لا حياة فيها . وكل ما وددناه ان يبيض فينا نجده يسود وكل ما احببنا ان يسود فينا نراه يبيض , حتى لتكاد صورتنا تبدو وكأنها صورة سالبة (جامة) لما كنا عليه .


الوجه لا تسال عنه وما يحل به عند الكهولة , فأكثر ما تعلن الكهولة عن وجودها فيه هو هذا الجزء من الجسم وكأنها تقصده من دون كل باقي الاعضاء . فأول ما يغيب عن الوجه هو الصفاء لترتسم بدله الخطوط وتغزو كيانه الشقوق التي تزداد عمقا يوما بعد يوم . لا يتوقف الحال عند هذا , فكل ما في الوجه يتدلى الى الاسفل وكل ما بالجبين يتقوس الى الاعلى وكأن الوجه قد صار طوبة راح الزمن يمطها فلا يتركها الا وقد صارت كأنها علوجة . الاجزاء الجميلة بالوجه تغور وتنزوي خجلة كالعينين والشفاه , والاجزاء المكروهة كالأنف والاذنين تشمر عن نفسها مظهرة وجودها بشموخ . الشعر الذي نريده اسودا وقويا وغزيرا في فروة الرأس يبيض وتزول حيويته ويخف هناك , بينما يقوى وينشط ويقوى حيث لا نريده فيمد اذرعه الى خارج الاذنين والأنف معلنا عن وجوده بأباء وأصرار .  الاسنان تتساقط مما يجعل الوجه منكمشاً الى الداخل , والنفس يصير كريها بسبب الجسور والشوارع التي تفتتح بالفم . النظر يضعف فتصبح النظارة ضرورية حتى ينتهي الأمر بأن تصبح جزءا لا يتجزأ من الوجه , والسمع يضعف حتى تصير راحة اليد جزءأ مكملا لصيوان الاذن . ينتهي الحال بان المرء يصبح يتحاشى النظر الى وجهه بالمرأة حتى لا تزول صورته الجميلة عن باله .    



اما في الجسد فليس الحال بأفضل مما حل بالوجه , فبدلا من الهامة المنتصبة تصبح قامتنا عوجاء بسبب الانحناء في الظهر , وبدلا من النعومة الجميلة تحل الخشونة المكروهة , وبدلا من الحيوية يسود الضمور . الطول يقصر لأن العظام تفقد محتوياتها من الكالسيوم وتصبح هشة اكثر قابلية للكسر . الصحة تزول معالمها ويصبح الجسم أكثر تعرضاً للأمراض , والآلام تسود مواضعها ويصبح الانسان بالوعة للادوية والمسكنات . والاسوأ من هذا كله هو ان كل ما أحببناه ان يلين بالجسم نجده يشتد وكل ما اردناه ان يشتد به نراه يلين .

 
عند الكهولة يتغير كل شيء بأنحدار شديد , فالذكاء يزول والغباء يقوى والنسيان يسود والكأبة تعم وسرعة الأستيعاب تقل . التشاؤم يكثر وألنظرة المشرقة للحياة تختفي والتفاؤل بالقادم يغيب . الحيوية تضمحل والغفوة والنعاس تداهم بكل وقت من غير ميعاد . خيبة الامل تقوى والأحباط يسيطر والشعور بالفشل يطغى والانقباض النفسي يهيمن . اليوم يصبح خاويا فارغا والشعور بالوحدة يملأ الأحساس . الامل بالمستقبل يتلاشى والندم على الفرص الضائعة التي مرت يشغل التفكير . الشعور بالمتعة يختفي والرغبة بالصحبة والأتصال بالناس تضعف والحاجة للمساعدة تقوى . الكرم يقوى عند من كان كريما والبخل يشتد عند من كان بخيلا . حب الاطفال يقوى ويتجسد بالتعلق الشديد بالاحفاد , او عكس ذلك تماما اذ يمكن ان يصاحب الكهولة كره شديد للاطفال وعدم تحملهم .  

 
الخوف من المجهول يهيمن على الافق والخشية من الموت تملأ الأذهان والتفكير بالحياة الأخرى يسيطر على المخ والاكثار من زيارة القبور تغلب على الافعال . الأتجاه للتدين يغلب على التصرفات والأيمان بما كان يستخف به سابقا يغلب على الاحساس . تذكر الخطايا الكبرى التي مرت بالحياة ومحاولة التكفير عنها بهذا الفعل او ذاك يطغى على التصرفات والافعال . وربما العكس من هذا تماما , فالألحاد يمكن ان يقوى بالنفس والاستخفاف بالأفكار الدينية يغلب على الاحاسيس والشعور بضالة الفكر الديني يهيمن على العقل والأحساس بسخافة الطقوس الدينية يغلب على الفكر .

 
كل ما مر قابلا للأحتمال لكن الاخطر من هذا كله ان كل ما حدث بالطفولة المبكرة قد يمر ثانية بالكهولة اذا طالت مدتها حتى تصل الى ارذل العمر . حجلة المسير قد تعود الحاجة لها عند الكبر لأن الضعف قد يستفحل حتى يكاد المرء يترنح ويسقط ارضا من مجرد بعرورة ان وجدت بطريقه , وربما يصل الامر الى الحبو وعدم القدرة على المشي نهائيا . عدم وجود الأسنان والقدرة على المضغ من الأكيد انه سيحصل ثانية عن الكبر , والاسوأ من هذا كله ان الحفاظات قد تعود الحاجة اليها ايضا بالكبر . كل هذا يحدث عند الكهولة حتى يكاد الزمان يقهقه على المرء ويقول له بصوت عال في كل لحظة يعيشها "انتظر وسترى ماذا سافعل بك وكيف ساجعلك تكره الاستمرار بهذه الحياة بقدر ما كنت تحب البقاء فيها" .


وسام الشالجي
1 اكتوبر (تشرين اول) 2017

الانطلاقة ...

منذ وقت طويل وأنا أفكر بإنشاء موقع خاص بي , فلسنين عديدة تشتت نتاجاتي في العديد من المواقع حتى ضاعت في دهاليزها وتبددت في أروقتها ولم...