الأحد، 27 يناير 2013

الحياة .. وخديعتها الكبرى

يشب كل انسان في هذه الحياة بالطريقة نفسها , وتتفتح اوصاله مقبلة على الحياة بالدرجة ذاتها ويمضي فيها بالاستعداد نفسه باتجاه خوضها والتفاعل مع مفاجئاتها . ومهما كان الطريق الذي يسلكه الانسان في هذه الحياة مختلفا الا ان نتائجه في كثير من الاحيان تكون متشابهة الا فيما ندر .

هناك انسان تتلائم الظروف من حوله لتدفعه نحو الزواج وتكوين اسرة . وسواء ان اسرع او تأخر بعض الشيء لن يمر وقت طويل حتى يستجيب هذا الانسان للندائات الي تصرخ باذنه والضغوط التي تتسلط عليه فيدخل القفص الاسري راغبا او مرغما , لهذا السبب او ذاك . ثم لا يلبث هذا الانسان حتى يجد نفسه وقد تحمل مسؤولية اسرة يجب ان يتكفل بأعبائها واطفال عليه ان يربيهم ويعلمهم ويؤهلهم لتحمل اعباء الحياة بنفسهم ليكونوا قادرين على المضي بها بشكل مستقل . فيشد الحزام ويكرس الجهود ويكد بعرق تحت الشمس ويسهر الليالي ليمضي بالمهمة الى نهايتها ناسيا كل شيء اخر حتى نفسه . وما ان يحس هذا الانسان بانه قد ادى مهمته كما ينبغي ورعى باخلاص الامانة التي علقت برقبته ووصل اخيرا الى غايته وانه قد حان الوقت ليلتفت الى نفسه ليحقق لها ما تريد ويقدم لها ما تشتهي ويكافئها بما تحب حتى يكتشف بان الامور لم تعد أبدا كما كانت . فربيع العمر قد ولى وخريفه قد أتى , وهاهو قد عتب أو على وشك ان يعتب مرحلة الكهولة . والمال قد ضاع في تربية العيال والصحة لم تعد سهلة المنال والممنوعات اصبحت كثيرة ويزداد عددها باستمرار . وفوق هذا كله فان كل شيء اختلف عن ما كان بالماضي , فالسكر لم يعد حلوا كما كان يتذوقه , والجميل في الحياة لم يعد جميلا كما عرفه وما كان ممكنا بالسابق لم يعد متاحا كما كان يألفه . وفي الأخر يكتشف هذا الانسان بان عمره قد سرق منه وان أجمل ايامه قد اختطفت منه وانه خدع خديعة كبرى في مضيه بالحياة بالطريقة التي عاشها .

وفي مشهد ثاني ترى انسان أخر يبدأ البداية نفسها لكنه يظل ينتظر يوما بعد يوم مجيء العيال . وبعد طول انتظار يدب في النفس اليأس من هذا الحال ويترسخ الادراك بان هناك امرا ما يجعل هذا المراد صعب المنال . وبعد استماع لهذا وذاك والنظر بنصيحة فلان وعلان يأخذ هذا الانسان بالطواف على الحكماء ويسعى طارقا ابواب العلماء , ولا يتوانى حتى من زيارة فتاحي الأفوال املا بان يحظى في الختام بولي للعهد يديم تواصل سلسلة الاسماء . وبعد صرف الكثير من الأموال والسفر الى العديد من البلدان سعيا وراء شفاء للعاهة وأزالة للمانع وكسر للمحال حتى يكتشف بانه ليس هناك من دواء لهذا الداء ولا من علاج يغير هذا الحال . فتملآ النفس الحسرة ويطغى عليها الاكتئاب ويميل الانسان الى الانطواء هاجرا الحياة وتاركا مباهجها ومبتعدا عن ملذاتها ويعيش ايامه لا يفعل شيئا غير ندب حظه الذي اصابه لان الحياة لم تعطه ما اعطت لغيره . وتمضي الآيام حزينة وكئيبة ومملة طاوية سنين العمر بين اجنحتها , وفي الآخر يكتشف هذا الانسان بان حياته قد ضاعت في ركضه وراء سراب وسعيه نحو أمل زائف وانتظار لتحقق حلم كاذب , وان الكثير من المال قد صرف في علاج علة لم يكن يرجى شفائها وانه حرم ظلما من السعادة التي كان يتمناها وانه خدع خديعة كبرى في مضيه بالحياة بالطريقة التي عاشها.

وفي ركن أخر تجد انسانا لم يتزوج لسبب ما , اما لانه لم يوفق في هذا الاتجاه أو لانه أثر ان لا يفعل ذلك عمدا وأن ينتظر . وقد يحل هذا الحال أما لسوء حظ هذا الانسان أو بسبب قلة في عقله وضعف في نباهته بما أثر على خياراته , او لعلة نفسية أثرت على قراراته . وكثيرا ما يظن هذا الانسان بانه احسن حالا من قرينه الذي تزوج بكل الاشياء , فهو متخم بالحرية التي يتمناها المتزوج , وجيوبه ممتلئة بالمال الذي ينفقه على غيره المتزوج , وهو مرتاح البال ومطمئن الخاطر اللذان يفتقدهما أي متزوج . وكتعبير عن هذه التميز يسرف هذا الانسان بالتمتع باللذائذ والانغماس بالشهوات والانغمار في العبث حتى تفقد كل هذه الاشياء طعمها فتغدوا في فمه عديمة المذاق . وكلما فقدت شهوة ما طعمها في حواس ذلك الانسان حتى تجده قد أخذ يبحث عن شهوة اخرى أمضى قوة وأعمق تأثيرا فتأخذ الصحة بالتدهور ويفقد الشكل رونقه وتدب الشيخوخة بالجسد قبل اوانه . وما هي الا برهة حتى يتدمر جميع الحال وتتحطم بواطن النفس وتتغلغل الامراض وتتفاقم العلل فلايجد هذا الانسان من يعتني به او يطبب جراحه او حتى من يسأل عنه . وفي الآخر يكتشف هذا الانسان خطأ خياراته وسوء تقديره ويرى بان حياته قد ذهبت هباءا منثورا وانه سيغادرها وكأنه لم يكن موجودا فيها ويدرك بانه خدع خديعة كبرى في مضيه بالحياة بالطريقة التي عاشها  .

وفي زاوية بعيدة لا تلفت الانظار تجد انسانا قد قرر ان يمضي بهذه الحياة بطريقة أخرى وان يختط لنفسه طريقا مختلفا . فمنذ صغره , شغلت هذا الانسان امور لا تشغل بقية الناس ورأى بانه يهتم باشياء لا يهتم بها بقية البشر وشعر بانه يريد ان يحقق مالم يحققه غيره من الناس فقرر ان يضع لنفسه اهداف كبيرة وان يكرس كل حياته من اجل تجسيدها وتحقيقها . لم يكن هذا الانسان غير طبيعيا , فقد تزوج كما فعل غيره وانجب كما عمل أقرانه وادى مسؤولياته كأي انسان يشبهه , لكن ذلك لم يبعده ابدا عن طريقه الذي اختطه ولم يحرفه مطلقا عن مساره الذي يوصله لغاياته . ولم ينسى هذا الانسان ايضا حقوق نفسه ولم يتأخر في تلبية حاجاتها ورغباتها , غير ان السعادة التي كان يجد نفسه مغمورا بها نتيجة لمضيه بطريقة واقترابه من تحقيق اهدافه كانت أكبر مكافأة يقدمها لنفسه وهي تفوق اي رغبة اخرى تريدها . وبعد قطع المسيرة بمثابرة وجد والوصول الى الاهداف الموضوعة بنجاح وأتقان يكتشف هذا الانسان بان حياته التي عاشها كان لها معنى كبير وان متعته بالانجاز الذي حققه بعد كل الجهد المبدع الخلاق الذي بذله تفوق كل وصف وتطغى عل كل متعة او شهوة . وفي الاخر يكتشف هذا الانسان بانه هو الذي سرق من الحياة اوقات تفوق ايامه التي قضاها فيها لان اسمه تخلد بها على مدى العصور والازمان , وانه هو الذي خدع الحياة خديعة كبرى في مضيه فيها بالطريقة التي عاشها لانه سخرها كلها لكي تخدم اغراضه وجعلها كمطية يمتطيها وصولا لتحقيق اهدافه
 .

وسام الشالجي      

   

الأربعاء، 9 يناير 2013

تاريخ العملة العراقية منذ تأسيس الدولة العراقية حتى يومنا هذا - (4)

4 - الحلقة الرابعة – عملات العهد الجمهوري الاول (1958-1963)

في 14 تموز عام 1958 تم اسقاط النظام الملكي في العراق , وقتل الملك فيصل الثاني وجميع افراد العائلة المالكة في العراق بالاضافة الى نوري السعيد الذي كان في حينها رئيس وزراء الاتحاد الهاشمي بين الاردن والعراق . وقد اعلن في نفس اليوم قيام النظام الجمهوري في العراق تحت اسم (الجمهورية العراقية) . وبعد تغير النظام بمدة تم اختيار العلم والشعار التاليين كرموز للدولة الجديدة.





 استمر تداول العملة الملكية بعد سقوط النظام الملكي لبعض الوقت , الا ان من الطبيعي بان يقوم النظام الجديد في العراق بالتحرك لتغيير الكثير من الرموز في الدولة التي كانت تشير بشكل او باخر الى النظام الملكي السابق مثل علم الدولة وشعارها وعملاتها وطوابعها وغيرها , وقد استخدم الشعار الجمهوري الجديد كرمز يدل على سيادة الدولة في العملات الجديدة بدلا من صورة الملك التي كانت تستخدم في الاصدارات السابقة . وفي 6 حزيران من عام 1959 صدر القانون رقم (92) لسنة 1959 تحت اسم (قانون عملة الجمهورية العراقية) حيث اناط بالبنك المركزي العراقي مهمة اصدار عملة جديدة للدولة وسحب واتلاف الأوراق النقدية والمسكوكات القديمة التي صدرت في عهد النظام الملكي السابق والتي تقرر ايقاف تداولها بعد صدور العملة الجديدة . وفي 8 تموز عام 1959 صدرت العملة الجديدة (الطبعة التاسعة) وهي بنوعين عملات ورقية ومسكوكات معدنية تحمل صورة الشعار الجمهوري الجديد للجمهورية العراقية والذي وضع في مكان صورة الملك في الاصدارات السابقة .

بالنسبة للمسكوكات المعدنية فقد حصل بها بعض التغييرات التي جعلتها تختلف كثيرا عن الاصدارات السابقة وبالذات عن الاصدار الاخير الذي ظهر في عهد الملك فيصل الثاني . فقد الغيت المسكوكة النقدية من فئة 2 فلس , كما الغيت المسكوكة من فئة الاربعة فلوس ((العانة) واستبدلت بمسكوكة جديدة من فئة خمسة فلوس . كما الغيت المسكوكة النقدية من فئة 20 فلس (القران) واستبدلت بمسكوكة جديدة من فئة 25 فلس . ومن الطريف الذي يذكر في هذا المجال انه في احدى المظاهرات الجماهيرية التي حصلت بعد اصدار العملة الجديدة ارتفعت الاهازيج بالهتاف بالشعار التالي (عاش الزعيم الزيد العانة فلس) , تعبيرا عن مظاهر التأـييد لاجراءات الحكومة في اصدار العملة الجديدة . وبالاضافة الى ما سبق فقد تعير شكل المسكوكة النقدية من فئة 1 فلس اذ اصبحت بشكل معشر ذو حافات مستوية بدلا من الشكل المدور القديم . وبالنسبة للتصميم فقد وضع الشعار الجمهوري على وجه المسكوكة , اما في الظهر فقد وضعت عبارة (الجمهورية العراقية) في الاعلى بينما وضعت سعفتين مقوستين ومتقاطعتين في الاسفل , في حين وضع في الوسط دائرة صغيرة فيها فئة المسكوكة وتحتها سنة الاصدار بالتقويمين الهجري والميلادي والتي كانت (1379 – 1959) . جميع المسكوكات النقدية كانت من النيكل باستثناء مسكوكة الفلس فقد كانت مصنوعة من البرونز .

اما فيما يخص العملات الورقية الجديدة فهي لم تختلف كثيرا عن اخر اصدار حصل في عهد الملك فيصل الثاني من ناحية فئاتها او الوانها وتصميماتها حيث كانت تتكون من فئات ربع دينار , نصف دينار , دينار واحد , خمسة دنانير , وعشرة دنانير . وقد وضع الشعار الجمهوري الجديد في مكان صورة الملك فيصل الثاني في الاصدار السابق , كما احدث تغيير في ظهر الورقة النقدية من فئة دينار واحد حيث وضعت صورة القيثارة السومرية بدل تمثال الملك فيصل الاول في الاصدار السابق . وقد تم سك المسكوكات المعدنية وطبع العملات الورقية الجديدة في لندن - بريطانيا كما كان الحال بالنسبة للاصدارات السابقة .

بعد صدور العملة الجديدة اعتبرت جميع العملات الملكية للطبعات السابقة عملات غير قانونية وغير مسموح تداولها بعد تاريخ 6 كانون الثاني 1961 , ثم مدد هذا التاريخ لغاية 31 اذار 1961  لاتاحة المزيد من الوقت لاستبدال العملات الملكية بالعملات الجديدة . وبالرغم من الوقت الطويل نسبيا الذي اتيح لاستبدال العملات الملكية الا ان الكثير من الناس فاتتهم فرصة استبدال عملاتهم , خصوصا كبار السن الذين لم يكونوا واعيين لما كان يجري حولهم . وهناك الكثير من الروايات التي تروى عن اناس توفيوا ووجدت عندهم خزائن ملئى بالعملات الملكية القديمة التي كانت قد فقدت قيمتها بسبب عدم استبدالها بالعملة الجديدة .

تم تحديد قيمة الدينار العراقي في العهد الجمهوري الاول وقت اصداره ليساوي ثلاثة دولارات امريكية وثلث , وقد حافظ على قيمته طيلة ذلك العهد . وفي الوقت الحاضر لا تعتبر عملات العهد الجمهوري الاول من العملات النادرة جدا باستثناء الورقة النقدية من فئة (نصف دينار) اذ هي نادرة الى حد ما . اما سعر هذا الاصدار في المزادات العالمية فيبلغ للمجموعة الكاملة (السيت) الذي هو بحالة ممتازة بجميع فئاته حوالي مبلغ 300 دولار امريكي , يزيد او يقل حسب حالة المجموعة ومكان وتاريخ المزاد .

مالذي يعيق تطبيق الاقتصاد الحر في العراق

بقلم:  وسام الشالجي

منذ عام 2003 والهدف المعلن لجميع الحكومات التي تعاقبت على الحكم في العراق هو تغيير مسار عجلة الاقتصاد من الاقتصاد المركزي الموجه الى الاقتصاد الحر . ان اي متتبع لدوران عجلة الاقتصاد من حينها يلاحظ بان مثل هذا التحول لم يحدث قط , بل بالعكس فان الاقتصاد المركزي وفي كثير من حلقاته ترسخ اكثر من السابق . وللوقوف على المعوقات التي تحول دون تطبيق ذلك لابد اولا من اخذ فكرة موجزة لكلا النوعين من الاقتصاد . النظام الاقتصادي الحر (اقتصاد السوق) معروف منذ القدم وهو يعني بان تتخلى الدولة عن ممارسة اي نشاط ربحي مهما كان نوعه لصالح القطاع الخاص سواء ان كان مؤسسات او افراد , وان تكتفي فقط بادارة بعض النشاطات الاساسية في الدولة مثل الدفاع والامن وتقديم انواع محددة من الخدمات . وتأتي موارد الدولة في هذا النظام من فرض الضرائب ثم تقوم بانفاقها على نشاطاتها , وهي لذلك لا تملك الا عدد محدود من العاملين . وهذا النظام معتمد حاليا في معظم دول العالم خصوصا الدول الغربية . اما الاقتصاد المركزي (الأقتصاد الاشتراكي) فيعني بأن تمتلك الدولة جميع وسائل الانتاج وان تصب جميع الموارد في خزينة الدولة , كما يعني بان يكون جميع العاملين في الدولة موظفين يعملون لديها . طبق هذا النوع من الاقتصاد لاول مرة في الدول الاشتراكية ثم انتقل تطبيقه الى كثير من دول العالم الثالث ومن بينها العراق . ولكل من النظام الحر والنظام الاشتراكي ميزات ايجابية وسلبية يعتمد تقييمها في سلم الافضلية على الفكر السياسي والطبيعة الاجتماعية للاشخاص . فالمعروف عن النظام الحر بانه نظام تنافسي يعتمد على زيادة معدلات الانتاج ورفع مستوياته نوعيا بقدر ما هو ممكن لتحقيق اعلى مستوى من الارباح . وفي القديم جرى تحقيق هذه الغاية بأسلوب استغلالي قهري يتضمن امتصاص جهود وقدرات العاملين الى اقصى درجة ممكنة من اجل تحقيق اعلى وتيرة في الانتاج كميا ونوعيا مقابل ادنى حد من الاجور والامتيازات . وقد ادى تطبيق هذا النظام الى ظهور طبقة صغيرة فاحشة الثراء تملك وسائل الانتاج , مقابل شريحة معدمة واسعة من الطبقة العاملة لا تملك شيئا وتعيش دون مستوى الفقر . ونتيجة لهذا الحال ظهرت للوجود فكرة النظام الاشتراكي كصيغة جاءت للرد على القهر والاستغلال الذي كان يتعرض له العاملين , فقد نقل هذا النظام ملكية وسائل الانتاج من ملكية خاصة الى ملكية عامة كما سن قوانين جديدة تضمن حقوق العاملين ومستقبلهم . الا ان تطبيق هذا النظام اظهر حقائق لم تكن معروفة من قبل , او على الاقل لم يحسب من وضعوه حسابها . ان اول ما افرزه التطبيق الفعلي للنظام الاشتراكي هو انخفاض معدلات الانتاجية والذي يرجع سببه الى وجود الاجور كأستحقاق ثابت لا مساس عليه سواء ان عمل الانسان بوتيرة عالية ام لم يعمل . الامر الثاني هو قتله للحافز الطبيعي الموجود داخل الانسان للابتكار والابداع بسبب تساوي الاجور والامتيازات بين الجميع مما جعل مستوى ورقي المنتوج يتراجع باستمرار مع مضي تطبيق هذا النظام حتى باتت منتجاته قبيحة ومتدنية في كل شيء اذا ما قورنت بمنتجات الاقتصاد الحر . حسن النظام الاشتراكي المستوى المعاشي للفئات العاملة كما ضمن لهم حقوق معينة الا انه لم ينقلهم ابدا الى الرفاهية التي كان يعدهم بها . وبالمقابل صادر هذا النظام ثروات الطبقة الغنية وساواهم بالطبقات المعدمة حتى اصبح احسن وصف له بانه (النظام الذي يوزع الفقر بعدالة على الجميع) .         

ان من الطبيعي ان يتطلع اي اقتصاد الى ايجاد اسواق تستوعب منتجاته , وبالفعل فمنذ بدأ تطبيق النظام الاشتراكي في اوائل القرن العشرين حدث بينه وبين النظام الحر صراع وجود مصيري للسيطرة على اسواق العالم . ولان منتجات النظام الاشتراكي كانت لا تقارن في عالم المنافسة الحرة في الكم والمستوى مع منتجات النظام الحر فقد انتقل هذا الصراع من شكله الفني الى صراع سياسي . لقد ادركت الانظمة الاشتراكية هذه الحقيقة وعرفت بانها لن تستطيع ان تكسب الاسواق عن طريق المنافسة لذلك اتجهت الى كسبها عن طريق السيطرة السياسية . ولتحقيق ذلك قامت الانظمة الاشتراكية بدعم حركات التحرر الوطني التي ظهرت في اربعينيات القرن الماضي في دول العالم الثالث على امل السيطرة على اسواق تلك الدول بعد وصول تلك الحركات الى الحكم فيها . وبالفعل تمكنت من ايجاد الكثير من الدول التي سارت في فلك الانظمة الاشتراكية واصبحت اسواقها حكرا على منتجاتها لمدة طويلة . ومن جهتها لم ترغب تلك الحركات بعد وصولها للحكم بان تتخلى عنه من خلال تداول السلطة بشكل ديمقراطي لانها اعتبرته استحقاقا ثابتا لها فتمسكت به بكل قوة متاحة مما جعل حكم معظم تلك الحركات شموليا . وقد أدركت تلك الحركات ايضا بأن النظام الحر يشكل خطرا عليها لعدة اسباب اهمها قدرته على خلق الثروة لدى المؤسسات والافراد , ولانها تعلم من تجربتها بأن المال هو قوة يمكن ان تستخدم ضدها نجد ان معظمها تبنت النظام الاشتراكي ليس لايمانها به بالضرورة , بل لانه الوحيد الذي يبقي الثروة محصورة بيد الدولة مما يسهل السيطرة على المجتمع .

ظل هذا الحال قائما لعدة عقود اخذ فيها النظام الحر يصحح نفسه خلالها ويتجاوز سلبياته كما حدث في دول الاتحاد الاوربي . فقد قامت الحكومات بسن قوانين عمل تضمن للافراد العاملين حقوق تقاعدية والتأمين الصحي وتحدد ساعات العمل , وتسمح لهم بانشاء نقابات تدافع عن حقوقهم امام المحاكم , كما قدمت للعاطلين منح مالية تضمن لهم الحد الادنى من المعيشة اللائقة طالما ظلوا بدون عمل . وقد تغير الحال بالنسبة لأرباب العمل ايضا وذهب عهد القهر والاستغلال واخذ هؤلاء يقومون بتحسين ظروف العمل ورعاية العاملين واستقطاب المبدعين والمتميزين من خلال الحوافز والمغريات التي يقدموها لهم . دفعت هذه التغيرات تلك الدول بقوة الى الامام وساهمت في تطوير المجتمع وازدهاره من كل النواحي واشاعت فيه روح الرفاهية والتقدم . وبالمقابل كان النظام الاقتصادي الاشتراكي يتراجع في كل شيء ابتداء من تدهور معدلات الانتاجية وتدني مواصفاتها وصولا الى انخفاض مستويات المعيشة وانتشار الفقر والتأخر وانعدام الرفاهية في المجتمع بكل صورها . وقد اصبحت معظم المؤسسات التي تدار مركزيا مشاريع خاسرة مما دفع بالدولة الى فرض قوانين صارمة لزيادة الانتاج وتحسين مستوياته فتحولت الدولة بذلك الى وسيلة القهر التي جاء هذا النظام الاقتصادي بالاساس لتجاوزها . استمر هذا التراجع حتى واجهت الدول الاشتراكية السقوط الحتمي في اوائل تسعينات القرن الماضي . اما دول العالم الثالث التي سارت في فلك تلك الدول فهي ايضا اما واجهت نفس المصير الذي حصل للدول الاشتراكية , او قررت من نفسها التحول نحو الاقتصاد الحر , باستثناء بعض الدول التي لا زالت الحركات الحاكمة فيها تقبض على السلطة بقوة مثل كوريا الشمالية وكوبا والتي تشهد مجتمعاتها تأخرا كبيرا في كل شيء .   

تم تطبيق الأقتصاد المركزي لاول مرة في العراق عام 1964 حين قامت الحكومة بتأميم البنوك والمؤسسات الصناعية والتجارية الكبيرة وصادرت جميع ممتلكاتها واخضعتها الى الادارة المباشرة للدولة . كان العراق يختلف عن الدول الاشتراكية في كونه بلد يمتلك موارد نفطية كبيرة تمثل العمود المركزي الذي يستند عليه اقتصاد الدولة , وكان يمكن للعراق ان يكون دولة مزدهرة ومرفهة لولا الاضطراب السياسي والسياسات الاقتصادية الخاطئة التي اتبعتها الحكومات التي تعاقبت في العراق . تم التوجه نحو النظام الاشتراكي بذريعة حماية الطبقة العاملة واصلاح الاقتصاد , لكن الرغبة الحقيقية للحكومة بالسيطرة على كل شيء في البلد كانت في الواقع هي السبب الحقيقي وراء ذلك التوجه . تحولت معظم الشركات التي تم تأميمها الى مؤسسات خاسرة , وكان العجز المالي الناتج من خسارة تلك المؤسسات يغطى من خلال الموارد النفطية . ظلت السياسة العامة للدولة والتوجيه المركزي تدفع نحو انشاء المزيد من المؤسسات الحكومية , وظل جسم الدولة ينتفخ ويتضخم حتى وصل الى قمة الترهل في اواسط الثمانينات حين اقدمت الدولة على ما يسمى بالثورة الادارية والتي حاولت فيها ترشيق هيكلية الدولة برفع الاغطية والغاء بعض المؤسسات والاستغناء عن العمالة الفائضة والبطالة المقنعة من خلال حملة التفييض . كما اتبعت الدولة في حينها نظاما جديدا سمي بالنظام المختلط يهدف الى ايجاد قطاع خاص مسيطر عليه من قبل الدولة استند على تحويل بعض المؤسسات الى شركات مساهمة تمتلك فيها الدولة جزء من رأس المال والباقي يباع الى الافراد بشكل اسهم . لم يكن المضي بهذا الاجراء سليما ومخلصا لان المؤسسات التي تم تحويلها الى شركات مساهمة لم تكن اصلا مؤسسات تعاني من الخسارة بل بالعكس كانت مؤسسات مربحة , كما استحوذ على القسم الاعظم من اسهمها فئة من الاشخاص فاصبحوا بذلك هم المستفيدين الرئيسيين من هذا الاجراء بسبب ما اخذوا يجنوه من ارباح . لم تستطع هذه الاجراءات حل مشاكل الاقتصاد العراقي المتدهور وتحول النظام الاقتصادي بعد هذا التغيير الى نظام هجين اخذ السيء من كلا النظامين الاقتصادين دون ان يحل مشاكل البلد . وقد ظهرت اعراض اتباع هذا التخبط بشكل جلي في التسعينات بعد فرض الحصار الاقتصادي حيث تدهور الاقتصاد كليا وشاع التضخم بشكل هائل وتضائل دخل الفرد الى درجة كان واضحا منها بان البلد سائر الى الهاوية . كانت الدولة تلقي كل تبعات فشلها على عاتق الحصار , وكان المواطنون ينتظرون رفعه بلهفة دون ان يدرك احد بان ذلك لو حدث في حينها لانهار البلد بشكل اسوأ من وجود الحصار نفسه لأن الديون المترتبة على البلد كانت ستدفع الى الاستحواذ على اي عائد مالي يجنيه العراق من اي نشاط اقتصادي . الشيء الوحيد الذي انقذ البلد في حينها من الكارثة هو تطبيق (برنامج النفط مقابل الغذاء والدواء) الذي حقق للعراق عائد سلعي وخدمي مضمون مما حرك من جديد عجلة الاقتصاد في البلد .

وبعد عام 2003 تعاقبت عدة حكومات على حكم العراق وارثة تركة اقتصادية ثقيلة واملة بان تستطيع اصلاح الوضع في بلد كل شيء فيه مدمر . وكان من الطبيعي بان تكون تصورات كل تلك الحكومات تتمحور حول أعتماد الاقتصاد الحر بعد ان لاحظت الرقي والتحضر الذي وصلت اليه الدول التي تتبنى هذا الاقتصاد . وبالرغم من ان هذا كان هو التوجه المعلن الا ان ذلك لم يحدث ابدا وبقى كل شيء على حاله . كان التضخم قبل عام 2003 يعود بالدرجة الاساس الى طبع العملة بشكل غير مغطى بسبب توقف العائدات النفطية . وبالرغم من كل الطبع المنفلت والغير مسؤول للعملة اثناء العهد السابق لم يزد حجم المتداول النقدي عن خمسة ترليونات دينار تقريبا كما بينت ارقام العملة المستبدلة بعد تغييرها . واليوم وبعد الغاء معظم الديون وتحقق موارد تبلغ مئات المليارات من الدولارات لم يحصل اي تحسن للأقتصاد العراقي واستمر التضخم بسبب الاستمرار في اصدار العملة المحلية حتى وصل حجم المتداول النقدي الى مئات الترليونات من الدنانير , لذلك لم يطرأ تحسن كبير على قيمة الدينار العراقي وظلت قيمته منخفضة نسبيا . ويعود سبب استمرار اصدار العملة الى قلة موارد الدولة بالدينار مما ظل يدفعها الى المزيد من الطبع لتسديد الرواتب والاجور . ومع حصول انتعاش اقتصادي لمستوى الفرد جراء الزيادة الحاصلة في الاجور الا ان التضخم ظل يمتص معظم تلك الزيادة مما يجعل تلك المكاسب مهددة بالزوال سريعا . ويمكن حصر اسباب التضخم الحالي بما يلي :

1- التضخم الهائل في حجم العمالة التي تعمل لدى الدولة ما بين عسكريين ومدنيين .
2- تعطش المواطنين السريع لتحسين حالتهم المعاشية بسبب طول فترة المعاناة التي مرت بهم مما ادى الى الضغط على الحكومات بقوة وباستمرار لرفع الرواتب والاجور .
3- الانخفاض الشديد في موارد الدولة الداخلية التي تأتي من الضرائب والكمارك وغيرها. 
4- استشراء الفساد في جسم الدولة , وانتشار الرشوة والعمولات في جميع النشاطات . 
5- توقف معظم مؤسسات القطاع الخاص عن العمل وهجرة رؤوس الاموال الى الخارج .
6- انعدام الاستثمار الاجنبي , وغياب الشركات الاجنبية عن تنفيذ العقود في العراق .
7- ضعف الاداء وتدني الخبرة والمعرفة , وهجرة معظم الكفاءات الى الخارج .

ان اي متتبع للوضع الاقتصادي في البلد حاليا يمكن ان يستدل بسهولة بان هناك امرا ما على خطأ , وان الوضع سائر الى التدهور ما لم تتخذ الاجراءات المناسبة لايقاف ذلك . وبالرغم من ان الرغبة بالتحول نحو الاقتصاد الحر كانت موجودة باستمرار لكن لم تستطع اية حكومة بعد عام 2003 ان تسلك مثل هذا الاتجاه للاسباب التالية .

1- ان التحول من الاقتصاد المركزي الى الاقتصاد الحر يصاحبه عادة فترة انتقالية تتواصل بها معاناة المواطنين , وربما حتى تزداد خصوصا في بداية هذا التحول .
2- ان عيش المواطنين لعشرات السنين في ظل نظام مركزي يوفر لهم الامتيازات بغض النظر عن مستوى وحجم الاداء لن يجعلهم يتقبلون بسهولة تحول الدولة الى اعتماد نظام اقتصادي يعتمد على المنافسة والابداع لذلك لا يواجه مثل هذا التوجه اي شعبية .
3- انحسار مجال وفرص العمل لدى اي جهة غير الدولة بسبب تدهور الوضع الامني الذي يمنع مؤسسات القطاع الخاص من العمل .
4- خشية الدولة من بيع اي مؤسسة الى القطاع الخاص بسبب ما قد يرافق ذلك من احتمال تسريح لعدد كبير من الكوادر العاملة في مثل هذه المؤسسات .
5- ضعف قدرة وامكانية القطاع الخاص لشراء وتشغيل مؤسسات الدولة التي يتم بيعها , وتخوف هذا القطاع من شراء المؤسسات الحكومية بسبب المشاكل التي يمكن ان يواجهها عند اعادة النظر في الكوادر العاملة فيها .
6- صعوبة بيع الكثير من مؤسسات الدولة الخاسرة الى القطاع الخاص لقدمها او لان منتجاتها غير قادرة على المنافسة لكونها اساسا انشأت لاغراض ليست استثمارية .
7- عزوف الشركات العالمية عن العمل والاستثمار في العراق لشتى الاسباب .
8- تدني المعرفة وانعدام الخبرة بسبب هبوط مستوى التعليم والتأهيل .

ان مثل هذه الظروف البالغة التعقيد تجعل من العسير التحول نحو الاقتصاد الحر دون تضحيات , وان اي حكومة تحاول ذلك يجب ان تتمتع بجرأة كبيرة لكي تقوم به . وقد يقول قائل مالداعي لهذا التحول طالما ان كل شيء سائر حاليا بشكل او باخر . ان هذا ممكن طالما ظلت عوائد النفط الخام تتدفق على الدولة بمعدلات كبيرة لكي تستخدم في دفع الأجور والرواتب مع تحقق فائض صغير يستخدم لدعم بعض النشاطات . ان مثل هذا الحال لن يحقق للبلد اي تنمية او تقدم بل بالعكس سيؤدي الى تراجع مستمر في كل شيء خصوصا في مستوى الخدمات المقدمة للمواطنين , اضافة الى هدر حق الاجيال القادمة في الثروة النفطية . كما ان احتمال حصول المزيد من الأنخفاض في اسعار النفط , وهو امر اصبح مرجح للحدوث , سيجعل الدولة مستقبلا عاجزة حتى عن سداد الرواتب , وهذا سيحصل بالتأكيد عام 2010 اذا ما استمرت الاوضاع على ما هي عليه . ولكي لا يحدث ذلك ولا يحصل انهيار اقتصادي فأن الحال يتطلب وضع خطة للتحول التدريجي نحو الاقتصاد الحر يمكن تلخيصها بما يلي :

1- معالجة الاوضاع الامنية المتردية بفعالية قوية وتحسينها بكل الوسائل المتاحة .
2- سن القوانين التي تضمن للافراد العاملين لدى القطاع الخاص حقوق وضمانات كالرواتب التقاعدية والضمان الاجتماعي والتأمين الصحي وغيرها .
3- تأسيس النقابات وسن القوانين المناسبة لها لكي تستطيع الدفاع عن منتسبيها .
4- تطوير النظام المصرفي , وايجاد انظمة للبرامج التقاعدية الخاصة تضمنها الدولة .
5- تأسيس مكاتب التشغيل وتقديم منح مالية للاشخاص العاطلين عن العمل .
6- التحويل التدريجي لمؤسسات الدولة الى مؤسسات خاصة , وعدم بيع المؤسسات الى القطاع الخاص مع العاملين فيها , بل نقل هؤلاء الى مؤسسات اخرى قبل بيعها .
7- تقديم كل التسهيلات الممكنة التي تتيح للافراد والمؤسسات الخاصة من اقامة المشاريع الصغيرة والكبيرة في جميع القطاعات .
8- تشجيع العاملين في الدولة على التوجه نحو اقامة مشاريعهم الخاصة من خلال منح كل شخص راغب بترك العمل في الدولة قروض وتسهيلات تمكنه من القيام بذلك .
9- منع ازدواجية العمل , وفصل كل موظف يثبت وجود نشاط ربحي خاص لديه .
10-  وضع نظام ضريبي عادل على جميع الفعاليات بما يحقق للدولة موارد مالية داخلية .
11- تشجيع قيام جمعيات خاصة لبناء المساكن تضمنها الدولة من خلال انظمة مناسبة .
12- اقامة دور حكومية وخاصة لرعاية المسنين وشمولها ببرامج الرعاية الاجتماعية .
13- تطبيق القوانين على الجميع بشكل صارم والتوسع في اسلوب فرض الغرامات المالية على جميع انواع المخالفات كطريقة لتعليم الاشخاص مبدأ احترام القانون .
14- محاربة الفساد والرشوة والابتزاز والكسب الغير مشروع بين موظفي الدولة بقوة وقطع العلاقة تماما بين الموظف والمواطن وتأسيس اجهزة رقابية فعالة لهذا الغرض.
15- حرمان الشركات التي تقدم عمولات لموظفي الدولة من اي فرصة عمل مستقبلية وانشاء قائمة سوداء بتلك الشركات .
16- معالجة جميع نواحي الخلل في القطاع التعليمي وتشجيع التوجه نحو التعليم الخاص بكافة مراحله ووضع ضوابط صارمة في معادلة الشهادات العلمية .

ان من الأكيد بان لا تلاقي مثل هذه الاجراءات شعبية عند تطبيقها وقد حتى يعم التذمر منها , غير ان الضرورة تتطلبها عملا بالمثل القائل (امشي ورا اللي يبكيك ولا تمشي ورا اللي يضحكك) . وبخلاف ذلك سيواجه الاقتصاد العراقي في ظل الاوضاع الراهنة نكسة لا يمكن لاحد تصور نتائجها مستقبلا . ولكن بعد مضي فترة من تطبيق هذه الاجراءات وترسخها ستظهر اثارها بشكل جلي على كل نواحي الحياة وسيعم الرخاء والازدهار على جميع طبقات المجتمع وافراده .

هذا المقال نشر بجريدة الزمان العراقية بتاريخ 22-1-2010

الانطلاقة ...

منذ وقت طويل وأنا أفكر بإنشاء موقع خاص بي , فلسنين عديدة تشتت نتاجاتي في العديد من المواقع حتى ضاعت في دهاليزها وتبددت في أروقتها ولم...