الثلاثاء، 15 يوليو 2014

القصة الكاملة لمقتل الباشا نوري السعيد

وسام الشالجي – منقول بتصرف




لم يكن في ليلة 13 على 14 تموز 1958 في دار الباشا نوري السعيد الكائنة في كرادة مريم سواه وبعض الحرس وسائقه الذي بات في الدار ليصحب الباشا في الصباح الباكر الى المطار لكي يتوجه الى لندن بصحبة الملك فيصل الثاني , والخبازة فهيمة التي كانت تأتي عند الفجر كل يوم لتشعل التنور وتعمل الخبز الطازج الذي يحبه الباشا عند الفطور ، وقد ظلت وفية في عمل هذا لولي نعمتها الى اخر يوم في حياته . وفي فجر يوم 14 تموز كانت قد أحست عند مجيئها بوجود تحركات عسكرية مريبة وغير عادية تحوم حول بيت الباشا ، أذ رأت جنود مدججين بالسلاح وسيارات عسكرية . دخلت الدار خلسة دون أن ينتبه اليها أحد ، وأخبرت السائق بوجود قوات وتحركات عسكرية للجيش بالقرب من الدار . قام السائق بايقاظ الباشا نوري السعيد الذي كان قد اصبح في التاسعة والسبعين من عمره وقام باخباره بالامر ففتح الراديو على الفور للاطلاع على ما يجري فعرف من خلال ما سمعه بان هناك انقلاب قد حصل من قبل مجموعة من الضباط في الجيش . استنتج نوري السعيد على الفور بانه حتما من المطلوبين وان القوات القريبة من البيت قد جاءت لتعتقله . فكر الباشا في طريقة للهرب وادرك بان من المستحيل عليه الخروج من باب الدار لوجود الجنود المتربصين به في المنطقة . وفي ارتباك وعجلة من أمره ، ارتدى معطف النوم (الروب) ، كما دس في جيوب البيجاما التي يرتديها مسدسين وبعض المال وهرع مسرعا الى الحديقة الخلفية المطلة على نهر دجلة . كان في الحديقة مسناية تطل على النهر مباشرة , وهناك وجد نوري السعيد الصياد عبود بقاربه وهو يصطاد السمك بالقرب من المسناية فنادى عليه , فما كان من هذا الصياد الوفي والذي كان الباشا يرسل له ولأصحابه الأطعمة والمساعدات في كل يوم تقريبا غير ان يستجيب للنداء ويركب الباشا في زورقه . كانت فكرة الباشا هي في محاولة الوصول الى وزارة الدفاع لكي يقوم من هناك وبالتعاون مع رفيق عارف رئيس اركان الجيش بقيادة العمليات للقضاء على الانقلاب . وما ان بدأ الزورق بالمسير حتى مرت طائرة فوق النهر فما كان من الصياد عبود رغم ارتباكه غير ان يطلب من نوري السعيد بأن يلملم جثته الضخمة ويرقد في قاع القارب ، ثم أسدل عليه شباك الصيد لاخفائه . وفي تلك الاثناء جرى احتلال بيت الباشا بالكامل من قبل وصفي طاهر المرافق السابق للباشا مع فصيل من الجنود ، وسالت دماء الببغاء الأليفة التي يربيها والكلب المدلل على سلم باب المنزل.  ومع تعقد الاحداث وتطورها عرف نوري السعيد بان من المستحيل عليه الوصول الى وزارة الدفاع بهذا الزورق فطلب من عبود ان ياخذه الى دار الدكتور صالح البصام المجاورة لمنزله . وفي تلك اثناء اعلنت اذاعة بغداد بعد ان اخبر وصفي طاهر عبد السلام عارف الموجود فيها بهرب الباشا نوري السعيد عن جائزة مقدارها عشرة آلاف دينار لمن يقبض عليه حيا او ميتا . سمع نوري السعيد بهذا الخبر من الراديو في دار البصام وشعر بان الخناق قد اصبح يضيق عليه . كان صالح البصام يراقب الاوضاع من الحديقة والنوافذ وحين رأى القوات التي اخذت تتدفق على المنطقة شعر بانهم لابد قادمون لتفتيش داره , عندها قرر اخراج نوري السعيد من بيته وارساله الى مكان اخر بعيد عن تلك المنطقة .  وبعد التباحث مع نوري قرر إرساله إلى دار ابن عمه عميد البصام في الكاظمية . قام صالح البصام بألباس نوري السعيد عباءة ليتخفى فيها واجلسه في المقعد الخلفي من سيارته بين امرأتين وطلب من السائق اخذهم الى دار ابن عمه في الكاظمية . ودع البصام الباشا وتمنى له النجاة , وهنا قال له نوري بانه لن يسلم نفسه للانقلابيين ابدا وانه سينتحر اذا ضاق عليه الخناق وشعر بانهم سيقبضون عليه .



بعد ذهاب المجموعة بدقائق وصلت وحدة من الجيش لتفتيش بيت الدكتور صالح البصام . فتشو الدار شبرا شبرا , حتى انهم كسروا رخام غرفة الإستقبال بحثا عن ممر سري بين بيته و بيت نوري السعيد , ثم بدأوا في استجوابه فأنكر رؤيته لنوري السعيد او معرفته بمكانه . لكن بستانيا يعمل عنده “إيراني الجنسية” كلّم بستاني آخر ايراني ايضا باللغة الفارسية قائلا له "لو سألوك هل رأيت نوري السعيد فأخبرهم بأنه لم يكن هنا وانك لم تراه ابدا وانك قدمت حديثا إلى العراق وحتى لو رأيته فلن تعرفه" . كان بالقرب منهما جندي كردي يعرف اللغة الفارسية فسمع هذا الحديث فأبلغ الضابط المسؤول عنه بما سمعه فاقتادوا البستاني ليستجوبوه . وفي هذه الأثناء سمع الدكتور البصام الضباط وهم يقررون تفتيش جميع بيوت آل البصام لإحتمالية تواجد نوري السعيد في أحدها , فلم يعرف كيف يبلغ نوري السعيد الذي صار في منزل ابن عمه في الكاظمية , و لم يجد لهذا من سبيل إلا أن يطلب من أخته أن تذهب من فورها إلى الكاظمية مشيا على الأقدام حتى تبلغهم الخبر .


بقي نوري السعيد في تلك الليلة في دار عميد البصام ، وكان مرهقا ومحموما والعرق يتصبب من جبينه ولم ينم في تلك الليلة ابدا , وكان تواقا لمعرفة مصير الملك فيصل والامير عبد الاله وكان بيده راديو صغير لمتابعة الأخبار . مشت اخت صالح البصام من قبل غروب الشمس وظلت تمشي متخفية طيلة الليل بالرغم من منع التجول ولم تصل دار عميد البصام في الكاظمية إلا عند الفجر . وبعد وصولها أبلغتهم بما جرى فقرر نوري السعيد أن ينتقل إلى منزل  الحاج محمود الأستربادي الموجود في الكاظمية ايضا . ترك نوري السعيد دار عميد البصام ملتفا بعباءة سوداء وفوطة نسائية بين سيدتين متحجبتين واتجه معهما وباقي افراد العائلة الي الطريق المؤدية الي حضرة الكاظمين ، وعند مرورهم بدار الاستربادي وقف نوري امام الباب الخلفية بينما سار الاخرون في طريقهم للقيام بصلاة الفج في الحضرة الكاظمية . طرق نوري السعيد الباب ففتحت له السيدة الوقورة ام عبد الامير زوجة الحاج محمود الاسترابادي التي كانت بمثابة اخت لزوجة نوري السعيد . رحبت المرأة بضيفها وحمدت الله على سلامته وادخلته للدار واكرمت وفادته ولم يكن في المنزل معها سوى ولدها مظفر والخادمة ، اذ كان الرجال ايضا قد ذهبوا الى الحضرة كعادتهم في كل فجر لاداء الصلاة . دخل نوري البيت وشعر بالاطمئنان واستراح قليلا ثم تابع الاستماع الى الانباء التي يذيعها راديو بغداد , لكن الاخبار ظلت تخفي مصرع الملك والمجزرة التي حصلت في قصر الرحاب التي اودت بحياة افراد الاسرة المالكة وما حصل للامير عبد الإله وسحله بالشوارع . كان أمل الباشا الوحيد في تلك الاثناء هو في حصول تدخل خارجي , سواء من قبل الاردن لكونها عضوة في الاتحاد الهاشمي , او من قبل دول حلف بغداد لوجود اتفاقية دفاع مشترك بينها . وحين أطل نهار جديد ولم يحصل هذا واحتمال ان يكون الملك فيصل والامير عبد الاله قد قتلا شعر بان الامر قد انتهى وان لا امل له في هذا ابدا وظل يردد "سووها الانكليز , سواها ابو ناجي" . 

بعد الاقتناع بان لا جديد يمكن ان يحصل اخذ نوري السعيد يفكر بالهرب خارج العراق كما فعل في عام 1941 .  بدأ بالتشاور مع زوجة محمود الاسترابادي  في ايجاد طريقة لانقاذه من المصير الذي اصبح يحيط به . اقترحت السيدة ام عبد الامير علي نوري ان تصحبه متخفيا مع خادمتها بالسيارة عند رفع منع التجول في الصباح ، اذ يمكن بعد ذلك ايصاله الي مكان أمين في البتاوين هو بيت السيد هاشم جعفر زوج ابنة السيد محمود الاستربادي من زوجته السابقة . وهاشم جعفر هو شقيق ضياء جعفر النائب والوزير في عهد نوري السعيد ــ فالنسب الموجود بينهم يحتم الثقة باهل البيت , كما ان من المؤكد ان تستبعد السلطات القائمة ذهاب نوري السعيد الي قلب بغداد ثانية بعد ان اتجه الي الكاظمية التي هي اقرب لمن يفكر بعبور الحدود ومغادرة البلاد الي الخارج . عندما سمع نوري هذا الاقتراح رحب به الفكرة اذ كان يعلم ايضا بان صديقه الشيخ محمد العريبي يسكن في البتاوين ، فربما يمكنه الوصول اليه متخفيا مشيا علي الاقدام فيندمج مع رجال عشيرة ألبو محمد  ويذهب معهم الي الحدود للوصول الي ايران التي هي عضوة في حلف بغداد , ومن هناك العمل على انقاذ ما يمكن انقاذه , خصوصا اذا كان الملك فيصل الثاني لا زال حيا لان الاخبار الصادرة من اذاعة العراق ظلت لحد تلك اللحظة تخفي مقتل فيصل الثاني أثر الهجوم على قصر الرحاب خوفا من اثارة بعض فئات الشعب التي كانت تحمل للعاهل الشاب المحبة والولاء مما ابقى بعض الامل عند نوري في امكان انقاذ الحكم الهاشمي في العراق . وعند رجوع الحاج محمود الاستربادي وانجاله من الصلاة اخبرتهم ام عبد الامير با حدث والنية المعقودة ووجوب كتمان الامر بصورة قاطعة حتي لا تتعرض العائلة باسرها لمكروه ، فذهب كل منهم رأسا الي حجرته ولم يطلع حتى الخدم علي شخصية نوري ووجوده داخل الدار.  ولما انتهت فترة منع التجول تهيأ الجميع لمغادرة الباشا , وكانوا قد اخبروه بالمصير الذي أل اليه الملك فيصل الثاني والامير عبد الاله وبقية افراد الاسرة المالكة فحزن حزنا شديدا . تقرر ان يجلس نوري السعيد متخفيا مرة اخرى بزي امرأة بين السيدة ام عبد الامير وخادمتها في سيارة اهل البيت ليتجهوا بعدها الى دار السيد هاشم جعفر في البتاوين . كان نوري السعيد قد طلب من أم عبد الامير ان لا تأخذه الى بيت السيد هاشم جعفر بل ان تأخذه الى دار الشيخ محمد العريبي التي كانت تقع في محلة البتاوين ايضا , لكن أم عبد الأمير لم تكن تعرف مكانها . وقد كان الشيخ محمد العريبي أحد كبار شيوخ ألبو محمد بالعمارة وتقع أراضيه الزراعية بجوار الحدود العراقية الايرانية ومنها يمكن لنوري السعيد عندما يصل الي هناك أن يعبر الحدود الي ايران , وفي ايران يمكنه البحث مع بقية الأعضاء في ميثاق بغداد عن ما يمكن فعله لانقاذ الموقف في العراق . خرج نوري السعيد من دار محمود الاسترابادي في يوم 15 تموز قبل الظهر بقليل متخفيا مرة اخرى بعباءة نسائية وبسيارة العائلة يقودها عبد الرسول أحد أولاده . ولما كانت السيدة أم عبد الأمير الاستربادي لا تعرف موقع بيت الشيخ محمد العريبي فقد ارتأت اخذ نوري السعيد الي بيت السيد هاشم جعفر اولا وان تبقيه هناك الي ان تهتدي الي معرفة موقع بيت العريبي . كان هذا هو القرار القاتل الذي اودى بحياة الباشا نوري السعيد وبحياتها ايضا لانها لم تحسن تقدير الموقف ولا ظروف وطبيعة الاسرة في تلك الدار وتلك المنطقة . وعند وصولهم طرقت السيدة ام عبد الامير الباب بتحفظ ففتحت ابنه زوجها الباب واسرت اليها بصوت خافت بما يفيد بان نوري السعيد هارب من الشرطة ويستأذن في الدخول فادخلتهم وقادته رأسا الي حجرة الاستقبال . ذهبت المرأة واخبرت زوجها بالقادم فامتعض السيد هاشم وعائلته من وجود نوري السعيد في دارهم وامتنعوا عن استقبال الضيف , ولكن صاحبة الدار ظلت تلح وتصر على استقباله . قررت أم عبد الأمير الاستربادي أن تترك الباشا هناك وتخرج وحدها للتفتيش عن مسكن شيخ العريبي شيخ عشيرة ألبو محمد ثم ترجع لتأخذه الى هناك وأوصت أم البيت أن تعد لضيفها الشاي لحين عودتها لكن الأقدار شاءت غير ذلك .  فبعد مدة وجيزة احس نوري فجأة بان باب الدار قد فتحت ثم اقفلت بسرعة وان هناك من غادر او دخل الى البيت فانتابته الهواجس وسأل صاحبة الدار عن من دخل او خرج من الدار مسرعا الان . تلعثمت ام عمر ثم اجابت بتردد ظاهر : لا احد , لا احد , ربما اراد ابني عمر الذهاب وشراء شيء من السوق وخرج من البيت . ارتعد نوري عند سماع كلامها فقرر مغادرة البيت فورا , حتى قبل خروج أم عبد الأمير الاستربادي للبحث عن موقع بيت العريبي واسرع رأسا الي باب المدخل . كان من خرج من المنزل هو عمر ابن السيد هاشم جعفر واخته للذهاب الى بقال قريب وابلاغ السلطات عن طريق الهاتف بوجود نوري السعيد بدارهم . ولا يستبعد ابدا بان يكون السيد هاشم جعفر نفسه وراء هذا الامر وانه هو الذي دفعهم للخروج وابلاغ السلطات , خصوصا وان الاذاعة كانت تحث الناس في تلك الساعات المحرجة على البحث عن نوري السعيد وتلويحها لهم بالمكافأة الثمينة لمن يرشد الي مكانه , ومن الطبيعي ان تميل النفوس الضعيفة الى انتهازمثل هذه الفرص حتي لو لم تكن في حاجة للمال  . وبالفعل قام عمر بالابلاغ فبعثت السلطات فورا الى المنطقة شاحنة تحمل عددا من رجال الجيش , وحيث انه كان من الصعب الاهتداء الي نوري السعيد شخصيا بين الجموع خصوصا اذا كان متنكرأ فقد ارسل عبد الكريم قاسم وصفي طاهر المرافق السابق لنوري باشا علي راس المجموعة العسكرية حتي يتعرف عليه ولا يلتبس الامر عليهم .


خرج نوري السعيد من دار السيد هاشم جعفر مسرعا بعد ان عدل حاله وارتدى العباءة , وعند خروجه من الدار وفي ظل حالة الارتباك التي كان فيها عثرت قدمه بسلم عتبة الباب المرتفعة فوقع وسقطت عن رأسه العباءة النسائية فشاهده الناس الموجودين والمارين في الطريق وصاح الاطفال "هذا رجال يلبس لبس نسوان" , لكنه قام واخذ يسير مسرعا وتبعته ام عبد الامير والخادمة . وفي هذه الأثناء وصلت سيارة عسكرية تقل مجموعة من الضباط والجنود على رأسهم وصفي طاهر مرافق نوري السعيد السابق . شاهد نوري السعيد باشا تلك السيارة وهي تدخل الشارع الذي كان يسير فيه فأعتقد بانها قادمة حتما نحوه لاعتقاله . وعندما اقتربت منه السيارة العسكرية وشعر بأن لا خلاص له من هذا المأزق الذي وقع فيه طلب من المرأتين تركه فهربت الخادمة لكن ام عبد الامير ابت ان تتخلى عنه وظلت معه . اخرج الباشا أحد مسدسيه اللذين كانا معه وأطلق رصاصة على نفسه فسقط ارضا . ترجل وصفي طاهر من العجلة  وتقدم نحو الجثة التي سقطت على الارض , وكان الباشا قد مات او في رمقه الاخير . لم يكتف وصفي طاهر بموت الرجل فأطلق سيل من الرصاص من رشاشته عليه , بينما كانت أم عبد الامير تصيح فيه بصوتها الجهوري وهي تبكي: هذا باشتنا يا وصفي ، هذا ابوك وابو الكل انقذوه . كان صوتها قد اصبح خشنا بسبب بكائها يشبه صوت الرجال فظن وصفي بانها رجل متنكر في ثياب امرأة فأطلق عليها ايضا الرصاص وقضي عليها رأسا , فكانت هذه هي نهاية هذه المرأة الوفية التي لم تتخلى عن الرجل الذي استنجد بها الى اخر لحظة في حياتها .



ظل وصفي طاهر يدعي بفخر في الصحف والاذاعات فيما بعد بانه الرجل الذي قضى على نوري السعيد لكن الناس كانوا قد شاهدوا ما حصل وظلوا يصفونه باستهزاء (قاتل السبع الميت) . أخذ وصفي طاهر جثة نوري السعيد الى وزارة الدفاع لكي يراها عبد الكريم قاسم لانه لم يكن يطمئن بان حركته ستنجح مالم يتم القضاء على هذا الرجل . وبعد الاطلاع عليها أمر عبد الكريم قاسم بدفنها . وبالفعل اخذت الجثة في لية 15 على 16 تموز ودفنت في مقبرة باب المعظم القريبة من السجن بالمركزي المواجهة لدائرة الطب العدلي . كان من بين من قاموا بالدفن شخص ابلغ الناس بمكان دفن جثة نوري السعيد فجاءت بعض العناصر الحاقدة في صباح اليوم التالي ونبشت القبر واستخرجت الجثة وربطتها بالحبال وقامت بسحلها في مختلف شوارع بغداد . وصلت الجثة الى منطقة الوزيرية بجوار السفارة المصرية حيث كانت الجماهير تتظاهر هناك رافعة صور جمال عبد الناصر فخرج السفير امين هويدي يحييهم مبتهجا بما يجري وشامتا بجثة الباشا الذي مرت من امامه .  وفي العصر وصلت الجثة المسحولة الى بداية شارع غازي (الكفاح) وقد اصبحت بحال لا يستطيع اي انسان سوي من النظر اليها . وكان هناك عدد من سيارات الشرطة وبعض الدبابات تحوم حول تلك الاحياء للسيطرة علي الامن نظرا للهياج العام والهستيريا السادية التي انتشرت بين جموع الناس في تلك الايام في كافة اطراف العاصمة. اراد قائد تلك القوة العسكرية ان يظهر بطولته فأمر سائق الدبابة التي يركبها بان يسحقها بسرفة دبابته بشراسة , ولما تردد الرجل في التنفيذ هدده بالمسدس فرضخ للامر . قامت الدبابة بسق الجثة عدة مرت حتى اصبحت كتلة من اللحم المفروم . وبعد هذا السحق تقدم احد الرجال من الجثة وصب عليها البنزين  وجرى اشعالها , وبعد ان تفتت وخمدت النار فيها جمع احد المارين ما تبقي من اشلاء بالية في كيس وحملها الي الكاظمية حيث تم دفنها في جانب من مقبرة السيد حسين السيد يونس حسبما ذكره عبد الهدي الجلبي فيما بعد حينما التقي بهذا الرجل الاصيل .قبض الواشي عمر ابن هشام جعفر صاحب البلاغ عن مكان نوري السعيد باشا على مبلغ الجائزة المقررة وهي عشرة آلاف دينار مكفأة علي فعلته الشنيعة وسافر بثمنها الي بريطانيا للدراسة . ولو قارنا بين موقف هذا النذل بمواقف بقية الاشخاص الذين شاهدوا الباشا وساعدوه لعرفنا الفرق بين نفسيات البشر , ولا يستبعد بان تكون نهايته نهاية مأساوية كما كانت نهايات ابطال تموز عقابا من الباري عز وجل على ما فعله . رحم الله نوري السعيد , الرجل الذي خدم العراق الى اخر يوم في حياته .

الاثنين، 14 يوليو 2014

المصادفات القدرية وراء نجاح حركة 14 تموز 1958 في العراق

 بقلم
وسام الشالجي

اطلعت على مقال الاستاذ (سيف الدين الدوري) الموسوم "عبدالستار السبع قاتل العائلة المالكة" المنشور في جريدة الزمان – العدد 3346 , فوجدته بحق مقالا توثيقيا رائعا . وبعد اطلاعي على التفاصيل التي رواها الاستاذ الدوري عن ما حدث في يوم 14 تموز , والتي اضافت بعض المعلومات المهمة الى الكثير الذي احمله عن ذلك الحدث جاءت من قراءاتي السابقة , وجدت نفسي ارفع قلمي لاكتب عن امر شغلني طويلا هو المصادفات القدرية التي ادى تراكبها مع بعضها الى حدوث ما حدث في ذلك اليوم , والتي كانت بحق حدا فاصلا في تاريخ العراق المعاصر . لن يكون مقالي هذا مقالا تقييميا , لانه قد سبقني في هذا الشأن المئات او ربما الالاف من الكتاب الذين كانوا مع او ضد ذلك الحدث مما سيجعلني لا اضيف شيئا على ما جاءوا به . كما اني لن أتي بشيء جديد لم يتطرق اليه احد قبلي عن وقائع ذلك اليوم , بل ساتحدث فقط عن مجموعة من الصدف والاقدار العجيبة التي كان لها دور حاسم في حصول احداث ذلك اليوم التموزي الساخن , والتي تستحق لان يتوقف عندها المرء وينظر اليها بكثير من التأمل والتحليل .

اذا تناولنا بالحديث اولا شخصية قائدي الحركة الزعيم الركن عبد الكريم قاسم – امر اللواء التاسع عشر والعقيد الركن عبد السلام محمد عارف امر الفوج الثالث – اللواء العشرين لاستغربنا كيف جمعت الصداقة ولسنوات عديدة هذين الرجلين المتناقضين في كل شيء . فلو اخذنا مثلا الاصول العائلية لكلا الرجلين لوجدناها مختلفة تماما , فعبد الكريم قاسم من منطقة الصويرة ومن عائلة فقيرة ومن اصول غير عشائرية في حين كان عبد السلام عارف من اصول ترجع الى المنطقة الغربية ومن اصول عشائرية بحتة ومن عائلة ليست فقيرة . اما في الميول الدينية فهما مختلفان ايضا فعبد الكريم قاسم رجل علماني , بل هو اقرب الى عدم الايمان اذ لم يعرف عنه قط ان تكلم بالدين او تصرف تصرفا دينيا لا اثناء زعامته للعراق ولا قبلها . اما عبد السلام عارف فانه من عائلة متدينة وقد كان الكثير من افعاله وتصرفاته تنطلق من اصول تفكيره الديني . وحتى في طبيعة شخصيتهما فقد كانا مختلفان كليا , فعبد الكريم قاسم كان ذو طبع هاديء وشخصية انطوائية في حين كان عبد السلام عارف متهور وعنيف وذو شخصية غير متزنة . وكان الرجلان قد التقيا لاول مرة في اواخر الثلاثينات حين كان عبد السلام عارف تلميذا ضمن الدورة السابعة عشر في الكلية العسكرية وكان عبد الكريم قاسم امرا للفصيل الذي فيه عبد السلام عارف . وكانت الدورة 17 هذه من اكثر دورات الكلية العسكرية تأثيرا على تاريخ العراق الحديث , ولو اطلع اي متتبع على اسماء منتسبي تلك الدورة لوجد العشرات فيهم ممن كان له تأثير بشكل او باخر على الاحداث التي مرت بالعراق في اوقات لاحقة . كان انقلاب بكر صدقي العسكري لا زال في حينها قريبا من الوقائع , وقد جعل هذا الانقلاب فكرة القيام بحركة تراود الكثير من الضباط ومن بينهم الملازم عبد الكريم قاسم . وبعد تنسيبه كمعلم وأمر فصيل في الكلية العسكرية اخذ عبد الكريم قاسم يبث بقوة في نفوس تلاميذه فكرة القيام بحركة على الحكم الملكي للخلاص من سيطرة الانكليز والاستعمار , ومن بين من استقطبهم بهذه الفكرة التلميذ عبد السلام عارف . استمرت العلاقة بين الرجلين , وفي اواسط الخمسينات وبعد قيام حركة الضباط الاحرار قام عبد الكريم قاسم بضم عبد السلام عارف الى هذه الحركة رغم اعتراض معظم ضباطها عليه لمعرفتهم بشخصيته الغير متزنة . خلاصة القول ان التقاء هاتين الشخصيتين المتناقضتين واتفاقهما على القيام بحركة 14 تموز كان من الصدف القدرية التي ساهمت في تحديد ما سيحدث في 14 تموز عام 1958 وما تلاها من احداث . لم يكن من السهل المزج بين شخصيتي عبد الكريم قاسم وعبد السلام عارف , لكن ما جمعهما كان فقط فكرة واحدة ومصلحة مشتركة هي الوصول الى السلطة , وقد كان كلا الرجلان قد وجد في الاخر ضالته . فعبد الكريم قاسم اراد الاستفادة من اندفاع عبد السلام عارف وشجاعته المتهورة لتنفيذ الحركة فعليا , في حين لم يكن امام عبد السلام عارف من سبيل غير الاستفادة من رتبة عبد الكريم قاسم الرفيعة وترأسه لحركة الضباط الاحرار للتخطيط للحركة وتهيئة سبل نجاحها . كما ان كلا الرجلين كانا يعيان الاختلاف في شخصيتيهما , ويبدوا ان كل منهما كان يبيت في قرارة نفسه للتخلص من الاخر بعد استتباب الامور ونجاح الحركة , وهذا ما اثبتته الوقائع فعلا وبسرعة . وقد كان عبد الكريم قاسم الاسرع والاوفر حظا في التخلص من عبد السلام عارف في البداية , لكن هذا الاخير كانت له الجولة الاخيرة والحاسمة في هذا المضمار .  

الامر الثاني الذي يجلب الانتباه والاهتمام بشدة هو التحول الذي طرأ على شخصية الامير عبد الاله في السنة الاخيرة من حياته . لقد مر هذا الرجل بتجربة حركة 1941 بعد انقلاب العقداء الاربعة عليه بالتعاون مع رشيد عالي الكيلاني , وقد اظهر في حينها عزيمة كبيرة واصرار ونوع من الحيلة والدهاء مكنته من استعادة السلطة واعدام المتأمرين عليه . الا ان تصرفاته وردود افعاله تجاه المحاولة الانقلابية ضده وضد العائلة المالكة في 14 تموز تدعوا الى الاستغراب اذا ما قورنت بتصرفاته مع حركة 1941 . لقد اثبتت الوقائع بانه قد جرى تبليغ عبد الاله لاكثر من مرة ومن اكثر من مصدر على وجود بوادر لحركة انقلابية في الجيش الا انه لم يعر الموضوع ابدا ما يستحقه من اهمية . كما ان من الامور المؤكدة جدا هو ان تبليغا بوجود حركة انقلابية ستحصل في صباح اليوم التالي قد ورد مساء يوم 13 تموز الى عبد الاله بورقة مكتوبة مرسلة من بهجت العطية مدير الامن العام سلمت اليه حين كان هو وبقية الاسرة المالكة يشاهدون فلما سينمائيا في قصر الزهور الذي يبعد عدة مئات من الامتار عن قصر الرحاب . ومع ذلك لم يتخذ عبد الاله اي اجراء يذكر , بل حتى لم يكلف نفسه بالتأكد من صحة الخبر من عدمه . يبدوا من الوقائع بان هناك عوامل نفسية واسباب معينة تكمن وراء لامبالاة عبد الاله امام مثل هذا الخبر الخطير . بالنسبة للعوامل النفسية فربما ان عبد الاله قد اصبح يؤمن شيئا فشيئا بان لا مستقبل سياسي له في العراق بسبب الاقدام الوشيك للملك فيصل الثاني على الزواج من الاميرة فاضلة مما سيأذن بتنحيته عن ولاية العهد بعد ولادة اي ابن لفيصل الثاني . قد يكون تنامي مثل هذا الشعور في فكر عبد الاله هو الذي جعله محبطا ولا يمانع في قرارة نفسه من حصول اي عمل يؤدي الى تنحية العائلة المالكة وانهاء الحكم الملكي في العراق منطلقا من مبدأ "اذا مت ظمأنا فلا نزل القطر" , ومنتظرا لان يحدث في العراق ما حصل في مصر عام 1952 . لم يكن عبد الاله يعتقد ابدا بان ما سيحصل يمكن ان يؤدي الى فقدانه لحياته , ولو كان هذا الامر محتملا لما قابل جميع التحذيرات التي وردته بذلك البرود الغير معهود منه . الامر الثاني والذي هو في علم الغيب , هو ربما ان هناك من طمأن عبد الاله الى احد امرين , اولهما التأكيد له بعدم وجود اي احتمال لحصول محاولة انقلابية بتاتا , وما يرجح مثل هذه النظرية هو موقف رفيق عارف رئيس اركان الجيش حين حذره الملك حسين من وجود نية للقيام بحركة انقلابية في بغداد , حيث قال للملك في وقتها بان الجيش في العراق مخلص للملك وعليه هو ان ينتبه الى عرشه . الامر الثاني هو احتمال ورود تأكيدات لعبد الاله من جهة ما بان تنحية العائلة المالكة وتسفيرها اذا ما وقعت اي محاولة انقلابية سيحصل وفق سيناريو مشابه لما حصل في مصر . ان هذا الاحتمال ليس ببعيد اذ ان الكثير من الدلائل تشير الى علم القوى الدولية الكبرى بحركة 14 تموز , بل ان وقوف قوة ما وراء تلك الحركة هو من الامور المرجحة جدا لاسباب عديدة لا مجال في الغور في تفاصيلها هنا . لذا فان من الاكيد بان امرا ما قد جعل عبد الاله يعود غير مكترثا الى قصر الرحاب في مساء 13 تموز بعد ذلك التحذير ويؤوي الى فراشه مطمئنا وكان شيئا لن يحدث . ان الكثير من الكلمات التي رددها عبد الاله في صباح اليوم التالي بعد اعلان الحركة تؤكد مثل هذا الامر , اذ ظل يصيح (اذا لا يريدونا فنحن مستعدين لترك الحكم ومستعدين للسفر) , مما يعني بانه كان يتوقع مثل هذا الحدث ومتهيأ لما سيفعله تجاهه . كما ان اصداره الاوامر الى العقيد طه البامرني امر سرية الحرس الملكي بعدم المقاومة والاستسلام يرجح ايضا مثل هذا الاحتمال . لقد كان تعداد سرية الحرس الملكي حوال 200 جندي مجهزين بكل ما يحتاجونه للدفاع عن قصر الرحاب الملكي , في حين لم تكن القوة المهاجمة تزيد عن 40 شخص لا يملكون سوى البنادق الرشاشة الخفيفة (غدارات) مع كمية قليلة من العتاد استطاع عبد السلام عارف تهيأتها بشق الانفس قبل وصول اللواء العشرين الى بغداد . وبعد اعلان الحركة وحصول الهجوم على قصر الرحاب قام العقيد طه البامرني امر سرية الحرس الملكي بنقل صورة الموقف الى عبد الاله منتظرا منه الاوامر , الا ان عبد الاله طلب منه عدم المقاومة والتفاوض مع المهاجمين على الاستسلام . ان جميع المعطيات العسكرية كانت تشير الى امكانية سرية الحرس الملكي من دحر المهاجمين بسهولة , لكن ميل عبد الاله الى الاستسلام وبقوة يدعوا الى التساؤل والاستغراب , وقد كان فعلا من المصادفات القدرية التي حددت معالم ما سيحدث ذلك اليوم .

الامر الثالث والذي هو من المصادفات القدرية ايضا هو شخصية العقيد طه البامرني امر سرية الحرس الملكي . لقد كان هذا الرجل ذو شخصية مهزوزة ولا يصلح مطلقا لتولي منصب يتوقف عليه مستقبل وتاريخ العراق برمته . لقد اكد تسلسل الاحداث في فجر يوم 14 تموز على وقوع العقيد طه البامرني بارتباك شديد بعد بدأ الهجوم على قصر الرحاب . فبعد قيامه باستطلاع وتقدير الموقف كان يفترض به وتأدية لواجبه المكلف به ان ينقل صورة واقعية الى الامير عبد الاله يبين فيها بانه قادر على معالجة الوضع ودحر المهاجمين بسهولة والقضاء عليهم . لكن يبدوا بانه نقل صورة مغايرة عن الواقع الى عبد الاله , كما ان ظهور علامات الارتباك الشديد عليه قد جعل عبد الاله يتصور بان الامر ميئوسا منه ومنتهيا مما جعله يطلب منه ان لا يقاوم ويتفاوض مع المهاجمين على الاستسلام . لقد قرأت في اكثر من مصدر بان العقيد طه البامرني كان يخاطب المهاجمين وعلى رأسهم النقيب عبد الستار العبوسي والنقيب مصطفى عبد الله بكلمة (سيدي) اثناء تفاوضه معهم , مما يؤشر بصدق على مدى ضعف هذا الرجل واهتزاز شخصيته . لقد جعل هذا الحال معنويات المهاجمين ترتفع بقوة , بل اخذوا يصرخون وينهرون ويأمرون العائلة المالكة وبكلمات بذيئة بالخروج الى الساحة الامامية للقصر مما ادى الى حصول ما حصل . انا لا استغرب ما جاء في مقال السيد الدوري حين قال بان هذا الرجل انقلب بزاوية 180 درجة , واصبح بعد اشهرا قليلة امرا لاحدى كتائب المقاومة الشعبية . ان هذا مؤشر اخر على مدى تذبذب شخصية هذا الضابط وانتهازية مواقفه . ان ما يدعوا الى التساؤل هو هل ان تنسيب العقيد طه البامرني الى تولي هذا المنصب الحساس كان بتخطيط من قبل جهة ما كانت عالمة بكل شيء ومنتظرة لما سيحصل , ام انه كان ايضا من المصادفات القدرية الكثيرة لذلك اليوم .
 
 والمصادفة الاخرى التي حددت ما جرى في يوم 14 تموز هو موضوع القوة التي جائت من مدرسة المشاة في معسكر الوشاش لنجدة المهاجمين . ان مجيء النقيب عبد الستار العبوسي وبصحبة عدد من الضباط والجنود وانضمامهم الى المهاجمين هو ايضا من الامور العجيبة والمصادفات الغريبة . كان المهاجمين على وشك ان ينفذ عتادهم لولا تدخل القدر ومجي هذه القوة لنصرتهم ومعهم مدفع هاون استخدموه بالرمي على القصر . لم تكن مدرسة المشاة تبعد عن قصر الرحاب الا عدة مئات من الامتار , وبعد سماع ضباط وجنود دورة المشاة الموجودين في المدرسة لاصوات اطلاق النار الاتية من قصر الرحاب , وكذلك نداءات عبد السلام عارف من الاذاعة التي يدعوا فيها الى نصرة الثائرين قرر النقيب عبد الستار العبوسي الانضمام الى الحركة ومساندة القوة المهاجمة . لقد ساهم هذا الحدث بتعزيز قوة المهاجمين ورفع معنوياتهم وبالمقابل في زيادة تخاذل سرية الحرس الملكي واستسلامها . ادرك فورا النقيب عبد الستار العبوسي حين اقدم على خطوته هذه بانه تجاوز خط الرجعة وانه اما قاتل او مقتول , وكان ما جرى لقادة حركة 1941 يتراقص امام عينه , لذلك وجد نفسه مدفوعا وبلا وعي الى اطلاق النار على على ظهور افراد العائلة المالكة رجالا ونساءا بعد استسلامهم ومركزا بالذات على ظهر عبد الاله . كان اقدام هذا الضابط على فتح نيران بندقيته هو الذي اجج الموقف برمته , وهو الذي دفع بقية افراد القوة المهاجمة الى اطلاق النار عليهم ايضا وحصول المجزرة , وبذلك تم حسم هذه المعركة بسرعة وانهاء الحكم الملكي في العراق .

واخيرا اريد ان اتطرق الى المصادفة الحاسمة والتي هي الاكبر في نظري والتي ادت الى نجاح الحركة وانتصارها . اتجه عبد السلام عارف وبصحبته قوة صغيرة فجر يوم 14 تموز حيث سيطر على الاذاعة واذاع منها البيان الاول للحركة . لم يكن يخطر بذهن عبد السلام عارف بان دار الاذاعة لم يكن اكثر من استدويو تسجيلي , وان بث موجات الراديو يجري في الواقع من محطة البث اللاسلكي الموجودة في منطقة ابو غريب . كان في تلك المحطة في حينها موظف خفر واحد , وحين سمع بيان الحركة المذاع بصوت عبد السلام عارف كان يمكن له ان يقطع البث اللاسلكي بضغطة زر واحدة الا انه لم يفعل ذلك . لم يكن هذا الموظف من الثائرين . كما لم يكن له اي علاقة بما جرى نهائيا , لكن القدر لعب لعبته وجعلته يقرر بلحظة واحدة قرارا كان له اثر حاسم على تاريخ العراق كله فيما بعد . كان يمكن للحركة ان تفشل بكل سهولة لو قام هذا الموظف بالفعل بقطع البث اللاسلكي . كان للنداءات الحاسمة التي اطلقها عبد السلام عارف من الاذاعة بعد ان وردت اليه انباء نفاذ العتاد من القوة المهاجمة لقصر الرحاب ووجهها الى الجيش والمواطنين الدور الحاسم في تعزيز قوة المهاجمين وبالتالي نجاح الحركة , خصوصا ما ورد في الفقرة السابقة عن انضمام جنود مدرسة المشاة الى الثوار . ولنا ان نتصور كيف كان يمكن لتسلسل الاحداث في ذلك اليوم ان يمضي لو تم بالفعل قطع البث الاذاعي عن الثائرين بعد دقائق من سيطرتهم على الاذاعة

ان المصادفات التي ذكرتها اعلاه هي من المصادفات القدرية العجيبة , ومع ان الكثير من الاحداث التي تجري في حياتنا تحتوي بين طياتها ايضا على مصادفات كثيرة ومتنوعة , الا ان ما كان لمصادفات حركة 14 تموز من دور حاسم في وضع حد فاصل بين مرحلتين مختلفتين من تاريخ العراق المعاصر هو الذي اعطاها هذه الاهمية والتميز .  

هذا المقال منشور لي سابقا في جريدة الزمان العراقية

ماذا حققت حركة 14 تموز 1958 للعراق

بقلم
وسام الشاجي

بمناسبة حلول الذكرى السادسة والخمسين لحركة 14 تموز 1958 بالعراق (او ثورة 14 تموز  كما يصر البعض على تسميتها) من حق اي متتبع لحوادث التاريخ ان يتسائل عن المكاسب التي حققتها تلك الحركة بصفتها حركة تغيير تاريخية كبرى مرت بالبلد . كما ان من حق المتتبع ان يتسائل ايضا عن السلبيات , او الأثار الضارة التي تركتها تلك الحركة على اوضاع البلد لمرحلة ما بعد ذلك التاريخ . وسنحاول في هذا المقال ان نستعرض الاثار السلبية الواضحة للعيان التي حققتها تلك الحركة , او على الاقل جعلتها جزء من واقع العراق ومسلماته في مرحلة ما بعد ذلك التاريخ .

1-    انهاء الحالة الديمقراطية في البلاد : كان النظام الملكي نظام حكم ملكي دستوري يكون فيه الملك مجرد سلطة رمزية تمثل سيادة البلاد , ولا يترأس من الناحية الفعلية غير منصب القائد العام للقوات المسلحة . اما الحاكم الفعلي للبلاد فهو رئيس الوزراء الذي يختاره الملك من بين رؤساء الكتل الرئيسية في البرلمان ومن ثم يصادق على تعيينه البرلمان عن طريق التصويت ومنح الثقة . واعضاء البرلمان هم نواب يختارهم الشعب بصورة مباشرة عن طريق الاقتراع الشخصي السري . غير ان اهم ثغرة في هذا الوضع كانت منح الملك صلاحية اقالة رئيس الوزراء وحل البرلمان والدعوة الى انتخابات جديدة في اي وقت يرى فيه ان المصلحة العامة او الضرورة تستدعي ذلك . لقد كان هذا هو المدخل الذي جعل اعداء ذلك النظام يتهمونه فيه بان الديمقراطية التي كان ينتهجها لم تكن ديمقراطية حقيقية . من ناحية اخرى فان طبيعة الاوضاع في العراق في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الاولى من انتشار للفقر والجهل وتفشي الأمية جعلت الفئات التي يمكن ان تصل للبرلمان , وبالتالي هي التي تحكم , محصورة بالطبقات العليا من المجتمع والاثرياء ورؤساء العشائر من الاقطاعيين والملاك . كانت هذه هي شائبة اخرى أتهم فيها الحكم الملكي بانه كان نظام يمثل الاغنياء ويعمل لصالح الاغنياء متشبها بانظمة الحكم الغربية التي كان الحكم فيها محصورا بطبقة النبلاء . ان من يتهمون النظام الملكي بهذا ينسون بان الدولة العراقية تأسست عام 1921 ونفوسها لا يتجاوز 3 ملايين نسمة , وان نسبة المتعلمين والمثقفين فيها لم يتجاوزوا 2.5% , وان نسبة الفقر فيه حسب القياسات العالمية تصل الى 95% . لذا فان من الطبيعي ان يكون اعتماد النظام في بناء دولة حديثة ورصينة بالضرورة محصورا بشرائح صغيرة من المجتمع . ولو قورن حال الدولة العراقية بين ليلة تسلم الملك فيصل الاول قيادتها وبين ليلة 14 تموز 1958 لكانت المقارنة كمن يقارن السماء بالارض . ولم تتح للنظام الملكي بعد تكون طبقات جديدة شابة من المتعلمين والمثقفين الفرصة في ان يستقطبهم ويزجهم في مؤسسات الحكم لان الأحزاب والحركات السياسية التي تأسست في عقدي الثلاثينات والاربعينات والتي عادت ذلك النظام سارعت الى استقطاب تلك الشرائح بسبب طروحاتها التي داعبت فيها مشاعر هؤلاء الشباب . وبدلا في ان تساهم هذه الدماء الجديدة في بناء البلد جرى زجهم في ممارسات حركية عدائية ضد نظام الحكم مما جعل الكثير منهم يكون مصيره السجن او الهرب من البلاد . ومع ذلك فان الديمقراطية في العهد الملكي , ومهما كانت سلبياتها فانها كانت تؤشر وجود حالة صحية مقبولة في مجتمع خرج للتو الى العالم بعد احتلال اجنبي دام لثمانية قرون . ولو انتقلنا بالمقارنة الى الوضع الذي أل أليه البلد بعد حركة 14 تموز 1958 لوجدنا بانه اصبح حكما فرديا ديكتاتوريا تنحصر معظم الصلاحيات فيه بيد شخص واحد هو رئيس الوزراء , اضافة الى صلاحيات محدودة انيطت بأشخاص موالين له . وقد الغيت كل المؤسسات البرلمانية , وألغي منصب رئيس البلاد وانيط هذا الموقع بمجلس سيادة لا حول له ولا قوة ولم يعرف عنه ممارسة اي سلطة او صلاحية طيلة فترة وجوده . كما ان القيادة العامة للقوات المسلحة ووزارة الدفاع أنيطت هي الاخرى بذات الشخص الذي يحكم البلاد . كما فقد القضاء استقلاليته واصبحت الكثير من صلاحياته محصورة ايضا بشخص رئيس الوزراء . ان خير دليل على عدم القبول بهذا النظام , او على الاقل طبيعة الحكم التي انتهجها هو سرعة اندلاع محاولات الانقلاب عليه . فبعد اقل من تسعة شهور حصلت محاولة انقلابية كبيرة عصفت بالبلاد بشدة اعقبتها موجات تصفية شنيعة من خلال اصدار احكام الاعدام السريعة والتصفيات الجسدية للمعارضين . وبصورة عامة يمكن القول بان الديمقراطية التي كانت سائدة في العهد الملكي , حتى وان كانت ديمقراطية عرجاء , فانها انتهت تماما وصفيت ودفنت الى الابد بعد حركة 14 تموز 1958 . وبعد ذلك التاريخ وحتى يومنا هذا لم يعرف في العراق أي وجود لديمقراطية حقيقية يجري فيها اختيار سلس لمن يحكم البلاد كما كان الحال في النظام الملكي .
2-    اجازة القتل الغير مشروع : رافقت وقائع حركة 14 تموز عام 1958 حصول عمليات قتل جماعية ومنفردة في وضح النهار وامام الملأ من غير مسوغ شرعي ولا قرار من جهة شرعية . كانت اكبر هذه الحوادث عملية اعدام العائلة المالكة برمتها في الساحة الامامية لقصر الرحاب الملكي مع بعض حاشيتها من خدم وحراس . كما جرت بعدها حوادث قتل متفرقة هنا وهناك مات جرائها بعض رموز النظام الملكي وموظفيه حتى من غير سبب مبرر . والخطير في هذا الامر ان القتلة لم يحاسبوا ولا حتى احالتهم الى مؤسسات قضائية للتحقيق في اسباب ما فعلوه . ليس هذا فقط بل ان قاتل العائلة المالكة الرئيس (النقيب) عبد الستار العبوسي قد جرى مكافأته بمنحه رتبة اضافية , كما تم تعيينه لاحقا ملحقا عسكريا فى موسكو , وبعد 8 شباط عام 1963  عين قائدا للقوة البحرية . كانت اعمال القتل الغير مشروعة هذه وعدم المحاسبة عليها هي اول أذن رسمي يصدر من السلطات العراقية بجواز القتل اذا كانت هناك مبررات يمكن اعتبارها وطنية تدعوا الى ذلك . ووفق نفس هذا التصور اعتبر الكثير من الناس عمليات القتل التي جرت خلال حركة 14 تموز , وفي كل الحركات الانقلابية التي جرت بعدها هي عمليات قتل تبررها الشرعية الثورية . وفي ظل مثل هذا الاذن المصرح به من قبل سلطات رسمية ونفس التصور الذي شاع بين الناس جرى لاحقا في العراق قتل مئات الالوف من العراقين في حالات وظروف مشابهة , وهناك اعداد هائلة من المفقودين الذين لا يعرف مصيرهم بالرغم من مرور عشرات السنين على اختفائهم . والاسوأ من هذا كله هي عمليات التمثيل بالجثث , فقد جرى سحل الامير عبد الاله رحمه الله في الشوارع وتعليق جثته وتقطيع اجزاء جسمه من قبل جمهور غوغائي في حالة لايمكن وصفها بغير اعمال حيوانية , بل تأنف حتى الحيوانات من عملها . ونفس الامر جرى للمرحوم نوري السعيد وابنه صباح رحمهما الله , بل ان نوري السعيد قد جرى نبش قبره بعد ان دفن فيه في صباح اليوم الثالث للثورة واستخرجت الجثة وسحلت في الشوارع لساعات طويلة ثم احرقت بما لا يمكن تبريره وفق اي شرعية ثورية مزعومة . ادت هذه الحوادث الى شيوع عمليات السحل حتى للأحياء في الاشهر اللاحقة لحركة 14 تموز بما يمكن اعتباره مرحلة سوداء من تاريخ العراق .
3-    تحويل العراق من دولة منتجة الى دولة مستوردة للغذاء . كان العراق قبل حركة 14 تموز 1958 بلد مصدر لكل المنتجات الزراعية بما في ذلك كافة انواع الحبوب وبالذات الحنطة والشعير والرز . وبعد تلك الحركة وتطبيق قانون الاصلاح الزراعي الذي شرعته الدولة بدأت مؤشرات الانتاج تهبط باضطراد حتى تحول العراق في خاتمة المطاف الى دولة مستوردة لكل المنتجات الزراعية . يعزي البعض هذا التحول الى وجود الاقطاع قبل تلك الحركة الذي كان يقسر الفلاحين على العمل باساليبه الظالمة لزيادة الانتاج دون مراعاة لقدراتهم وصحتهم . ان هذا التبرير هو في الواقع اقبح من السبب نفسه لانه يدلل على ان العراقيين هم اناس كسالى لا يعملون الا بالقوة . في الواقع ان العلة لا تكمن في هذا ابدا بل بقانون الاصلاح الزراعي نفسه لانه سحب الاراضي الشاسعة التي كانت من ملكيات الاقطاعيين ووزعها بشكل قطع صغيرة على الفلاحين . لقد وجد معظم الفلاحين الذين تملكوا الارض بان اراضيهم صغيرة ولا يجدي زرعها لانه لن يحقق لهم فوائد كبيرة , لذلك فان معظمهم باعوها او تركوها وهاجروا الى المدن حيث ان ابسط المهن هناك تحقق لهم ارباح تفوق زراعة تلك الاراضي الصغيرة . لقد دمر قانون الاصلاح الزراعي في العراق الزراعة في هذا البلد وحول العراق الذي ظل بلد زراعي لألاف السنين الى بلد غير زراعي ومتصحر ومستورد لكل غذائه من الخارج .
4-     ايقاف الحركة التنموية الانفجارية . أسس العهد الملكي ما بين الاعوام 1951- 1958 مؤسسة (مجلس الاعمار) وخصص له في البداية 100% من العائدات النفطية , ثم خفضها في الثلاث سنوات الاخيرة الى 70% . وضمن هذه المدة وهذه التخصيصات نفذ مجلس الاعمار مشاريع تنموية هائلة قفزت بالبلاد قفزات كبيرة من بينها بناء السدود والجسور والمستشفيات والمصانع والمحطات الكهربائية والكليات والمدارس ومشاريع الاسكان وتعمير المدن وغيرها . كما وضع المجلس الخطط والدراسات لمئات المشاريع التي لم ترى النور بسبب الغاء المجلس بعد 14 تموز . وقد ظلت الكثير من المشاريع تنفذ باستمرار , ومنها مشاريع وضع الحجر الاساس لها في العهد الجمهوري الاول مثل مدينة الطب وجامعة بغداد والجسر المعلق وقناة الجيش وخط بغداد البصرة الحديدي . كما ان هناك مشاريع نفذت بعد مرور عشرات السنين على الغاء ذلك المجلس مثل طرق الخط السريع والجسر ذو الطابقين وبرج وساعة بغداد .  ولحد يومنا هذا فان اي مسؤول جديد يستلم مسؤولية التطوير والتعمير في البلد نجده يعود فورا الى سجلات وخطط ذلك المجلس لتنفيذ ما لم ينفذ منها لحد الأن . ومن الجدير بالذكر انه بعد حركة 14 تموز 1958 جرى الغاء مجلس الاعمار وفق مبرر مضحك , اذ اعتبرت كل مشاريعه المنفذة والتي خطط لها هي ليست غير مشاريع تخدم الاستعمار .
5-    فقدان استقلالية القضاء : كان القضاء في العهد الملكي مستقلا استقلالا تاما عن بقية السلطات في الدولة . وكانت المؤسسات القضائية مؤسسات محترمة لها هيبتها يديرها قضاة مختصون لا يتدخل في قراراتهم احد ولا حتى الملك نفسه الذي يعتبر أعلى سلطة في البلاد . وبعد حركة 14 تموز تشكلت لاول مرة المحاكم العسكرية التي أخذت تنظر في الشؤون المدنية , والتي كان يترأسها ضباط غير مختصين مؤهلهم الوحيد هو الولاء لزعيم الدولة . وحين نتابع احكام تلك المحاكم وطبيعة قرارتها وحتى ما جرى في جلساتها نجد بانها كانت محاكم غير مستقلة وان كل ما حصل فيها لم يكن غير محاكاة لمشاعر وسياسة رئيس الدولة , وحتى مزاجياته في بعض الاحيان . لقد ادى هذا التحول الخطير في القضاء الى شيوع مثل هذا النوع من المحاكم في العراق لعقود بعد تاريخ تلك الحركة . ومن هذه المحاكم على سبيل المثال محكمة الثورة سيئة الصيت التي تأسست بعد عام 1968 , والتي كانت قراراتها قطعية ونهائية وغير قابلة للنقض والتمييز ولا يحق لمن يحال اليها حتى حق الدفاع عن النفس . كل هذه الأوضاع السلبية المدمرة التي تفشت في القضاء العراق كان سببها الضربة القوية التي تعرض لها هذا القضاء بعد 14 تموز , مما جعل مصير الانسان وشؤون حياته اذا ما اتت بها الاقدار الى المحاكم ليست الا ضربة حظ في هذه الحياة .
6-    تشكيل المليشيات : تأسست في العراق بعد حركة 14 تموز مليشيا تحت تسمية (المقاومة الشعبية) والتي انضم اليها الشباب من كل الجنسين . كان افراد هذه المليشيا اشخاص مسلحين ويرتدون ملابس خاصة ومخولين بالمراقبة والتفتيش ونصب السيطرات وحتى الاعتقال , وكانت تتواجد في الشوارع والمناطق بذريعة حفظ الامن وحماية (الثورة) . وقد سجلت الكثير من الحوادث الشنيعة التي ارتكبها افراد هذه الميليشيات , خصوصا في عام 1959 الذي يعتبر عام فوضوي كبير مر بالعراق جرت خلاله حوادث قتل جماعية كبرى وسحل في الشوارع وتعليق على الاعمدة وغيرها . ان تشكيل هذه الميليشيات من قبل الدولة كان خروج عن المألوف والشائع في المجتمع العراقي في كون الجيش والشرطة هي المؤسسات المسلحة الوحيدة في الدولة التي يحق لها حفظ الامن والدفاع عن الدولة والنظام . وقد اعطى هذا الفعل المبرر القانوني لكثير من الميليشيات التي عرفها الناس فيما بعد في السنوات اللاحقة مثل تشكيلات كتائب الشباب وكتائب الدفاع المدني في الستينات اثناء العهد العارفي , وقوات الجيش الشعبي بعد عام 1970 , وما لا يحصى ويعد من الميليشيات المسلحة بعد عام 2003 . ولو لاحظنا الاثار السلبية التي تركتها هذه الميليشيات على المجتمع لوجدنا بان اضرارها كانت فادحة , كما انها لم تخدم مطلقا الغايات التي اسست من اجلها لانها كانت وستظل وحدات غير مدربة وغير منضبطة سرعان ما تفر وتشتت حين تحتدم المواقف وتشتد الصعوبات .
7-    تدمير النظام التعليمي : كان المؤسسات التعليمية في العراق مؤسسات ذات سمعة دولية كبيرة وتتمتع بمكانة مرموقة بين كل المؤسسات التعليمية في العالم المتقدم . وكانت شهادة الثانوية العراقية لوحدها تعتبر شهادة تؤهل من يحملها للتعيين بوظائف جيدة , كما كان من يحملها مؤهلا للقبول في اي كلية عالمية دون اختبار لانها كانت تعادل بشهادة الثانوية البريطانية . وبعد حركة 14 تموز 1958 مني القطاع التعليمي بالعراق بضربة قاتلة اسقطته من القمة الى الحضيض حين أمر زعيم البلاد باعتبار جميع طلبة العراق في العام الدراسي 1957 – 1958 ناجحين , وسمي ذلك العام بـ (عام الزحف) . لقد أضر هذا الفعل بسمعة العراق العلمية الرصينة مما جعل الجامعات العالمية ترفض قبول خريجي الدراسة الاعدادية من تلك السنة , وان تفرض بعدها اجراء اختبار على كل طالب يتقدم اليها من العراق . والمضحك ان عدد كبير من الطلاب طالبوا في العام اللاحق بإعادة ما سمي بالزحف , فكان الطلاب ينظمون تظاهرات ومسيرات يطلبون فيها بتنجيحهم من مرحلتهم الدراسية الى المرحلة اللاحقة على نفس الشاكلة,  وكان شعار تلك التظاهرات في حينها (يازعيم للأمام نريد الزحف مثل العام) .
8-    انهاء التعددية الحزبية : كانت الاوضاع السياسية في البلاد اثناء العهد الملكي تتمتع بالحرية في تأسيس الاحزاب وعقد التنظيمات طالما كانت تخدم الدولة العراقية وتنادي بالولاء والاخلاص لها . وكانت هناك قوانين رسمية مشرعة لهذا الغرض تتضمن تقدم الحزب او التنظيم بطلب لاجازته رسميا بعد ان يعرض اهدافه وبرنامجه ومصادر تمويله . وكانت الكثير من الاحزاب والتنظيمات السياسية مجازة ومفتوحة بناء على ذلك وتشارك بالحياة السياسية بالبلاد وترشح ممثليها للبرلمان . غير ان اعداء النظام الملكي كانوا يتهمونه بانه كان لا يجيز احزاب وحركات معينة مثل الحزب الشيوعي العراقي وحزب البعث العربي الاشتراكي وبعض التيارات القومية ويعتقل اعضائها ويحيلهم الى المحاكم . نعم لقد كان هذا صحيحا وفق للقوانين النافذة لان تلك الحركات السياسية كانت تعتبر حركات معادية وغير وطنية طالما انها تنادي باسقاط النظام بالقوة المسلحة وطالما ان أهدافها مأخوذة من حركات لا تمت للعراق بصلة وطالما كان تمويلها يأتي من الخارج . ومع ذلك فاننا نجد بان الحياة السياسية اصبحت لا تتمتع بالحرية الكاملة بعد حركة 14 تموز بل بالعكس فان معظم احزاب العهد الملكي منعت من العمل بالاضافة الى حزب البعث والتيار القومي . الحزب الوحيد الذي ظل يعمل بالعلن في الساحة هو الحزب الشيوعي العراقي . ولو قارنا الحرية السياسية قبل الحركة وبعدها لوجدنا بانه لا مجال ابدا للمقارنة .
9-    الترويج لعبادة الشخصية : بعد حركة 14 تموز بالعراق شاع لاول مرة مبدأ عبادة الشخصية وعم على جميع مرافق البلاد وطغى على كل مفرداتها . فالألقاب التي نسبت لزعيم البلاد تعددت حتى قاربت الخمسين لقب , والاشادة بعبقرية هذا الزعيم ووطنيته وحكمته وحنكته فاقت كل الحدود . فقد اصبحت صور الزعيم تملأ البلد وخطبه تذاع من الاذاعة كل يوم ضمن برنامج خاص عنوانه (اقوال الزعيم عمل وبناء) , ودور العرض السينمائي لا تبدأ قبل ان تبث شريطا عن نشاطاته ومنجزاته . اما الاغاني التي تهتف بحياته وحياة ثورته فقد انتشرت وهيمنت على كل وسائل الاعلام , ولم يبقى مطرب او شاعر او كاتب في البلد لم يتغنى بهذه الشخصية . وقد تجاوزت الاوصاف التي اطلقت عليه الكثير من المقاييس حتى وصلت الى وصفه بانه كان يفكر بالثورة على النظام الملكي منذ نعومة اظفاره , وان العناية الالهية ارسلته لانقاذ هذا الشعب وهذا البلد ويخلصه من الاستعمار وسيطرته . كان هذا الوضع يدلل على ان صاحب تلك الشخصية لم يكن انسانا متزنا بل كان مصاب بنوع من المعتوهية والغرور . ليس هذا فقط , بل ان هذه التوجهات فتحت الباب على مصراعيه لمن يسلك نفس هذا السلوك في المستقبل , حتى رأينا لاحقا رئيس النظام السابق يقتفي نفس الخطى ويتجاوز في اشاعة مبدأ عبادة الشخصية والترويج لها كل حد حتى وصلت الى مستوى التأليه , وكل هذا كان بسبب ما حدث بعد 13 تموز 1958 .

الانطلاقة ...

منذ وقت طويل وأنا أفكر بإنشاء موقع خاص بي , فلسنين عديدة تشتت نتاجاتي في العديد من المواقع حتى ضاعت في دهاليزها وتبددت في أروقتها ولم...