الخميس، 23 نوفمبر 2051

الانطلاقة ...

منذ وقت طويل وأنا أفكر بإنشاء موقع خاص بي , فلسنين عديدة تشتت نتاجاتي في العديد من المواقع حتى ضاعت في دهاليزها وتبددت في أروقتها ولم تجذب الاهتمام كما أشتهي. وبين كثرة النشاطات التي دأبت على القيام بها وتنوعها ما بين كتابة المقالة والقصة وإنجاز الدراسات والبحوث والعديد من الاهتمامات الأخرى, كان دائما ما يخطر على بالي بضرورة أن أجمعها في موقع واحد لكي يستفيد منها الأخرون اولا ولكي يشجعني تكثفها على المضي في إنتاج المزيد ثانيا. وبعد طول انتظار ها أنذا أبدأ خطوتي الأولى في إنشاء هذا الموقع الخاص بي, والذي اخترت له بالبداية تسمية (أيامي) لحبي الشديد لمقطوعة للموسيقار محمد عبد الوهاب التي تحمل نفس هذا الاسم والتي تأثرت بها وولعت بها منذ صغري .

أسأل الله تعالى بأن يوفقني بهذه الانطلاقة وأن يجلب الاهتمام إلى نشاطاتي المتنوعة, وأن يحقق غايتي في خدمة الآخرين دون أن أسأل من وراء ذلك أجرا أو فائدة, والله من وراء القصد .

 

وسام الشالجي

26 ايلول 2012

_____________________________________

 

سأكتب , لا يهم لمن

سأكتب هذه الأسطر  ...

فحسبي أن أبوح هنا 

لوجه البوح لا أكثر ....

حروف لا مبالية

أبعثرها على دفتر ...

بلا أمل بأن تبقى

بلا أمل بأن تنشر ...

 

نزار قباني

 




الأحد، 7 يونيو 2026

إيران, الفخ الذي نصب لأميركا ورئيسها ترامب

صعد الرئيس ترامب إلى الرئاسة الثانية بأميركا، وهو يحمل بجعبته آمالا كبيرة وعريضة بجعل أميركا أمة عظيمة من جديد، وطرح مشاريع طموحة من بينها: ضم جرينلاند لأميركا، جعل كندا الولاية الحادية والخمسين، إعادة قناة بنما لسيطرة أميركا، تغيير اسم خليج المكسيك إلى خليج أميركا، ترحيل اللاجئين غير الشرعيين، تقييد عمليات الهجرة واللجوء لأميركا، إنعاش الاقتصاد الأميركي بفرض رسوم على الواردات من الدول التي تستغل وتبتز أميركا، حل وتصفية جميع الحروب بالعالم وأولها وأهمها حرب أوكرانيا وروسيا. وبالفعل, شرع ترامب بخطوات واعدة وممتازة بهذه المسارات، خصوصا بالأوضاع الاقتصادية التي شهدت صراخ الكثير من دول العالم بسبب ما فرضه عليها من رسوم كمركية، وصار المواطن الأميركي يشهد بنفسه تقدم الأوضاع الاقتصادية وتحسن الأسعار. غير أن بعض المشاعر الآتية من الطبيعة الإنسانية المتمثلة بالحقد والغيرة ومشاعر الكره تجاه أي ناجح لم تتركه لحاله، فانصبت كلها بلا هوادة على هذا الرجل الذي يريد الخير لبلاده، وبدأت تخطط بالخفاء، وتحيك المؤامرات، وتنصب أمامه الأفخاخ لتوقع به شر وقيعة، وتجهز على كل آماله وطموحاته، وتقضي على كل ما يصبو إليه، وتجعل من رئاسته الثانية كابوسا على رأس أميركا. لم تجد هذه الأحقاد ما توقع ترامب به غير أن ترميه بمطب لا يخرج منه ابدا, ولم يكن هذا غير جره للسقوط بالمستنقع الإيراني، فغطس بهذا المستنقع إلى إذنيه، ولن يمر وقت طويل حتى يجد نفسه قد غرق تماما بوحل هذا المطب. واليوم نجد الرئيس قد نسي تماما مشاريعه وآماله وأصبح لا يتحدث عن غير الحرب مع إيران والمشاكل التي يعاني منها الإقتصاد الأميركي.
 

 ورغم قوة وجسامة الضربات الأميركية والإسرائيلية على إيران التي كان ترامب ومساعديه يعتقدون أنها ستقضي على هذا البلد بفترة وجيزة، إلا أن إيران أظهرت قوة غير متوقعة وقدرة على الصمود لا يمكن أن تكون هي وليدة إمكانات هذا البلد لوحده من دون تدخل قوى أخرى صارت كما يبدو تمسك بأيديها خيوط خفية تمكنها من لعب أدوار لا يستهان بها بهذه اللعبة. لا أريد أن أتوجه بالاتهام لدولة معينة؛ لأني ببساطة لا أملك أي دليل على هذا، لكن الأنظار تكاد لا تبتعد عن الصين وروسيا، بل وحتى دول أوربا التي لم يعجبها ترامب، ولا سياساته، ولم تخف بكل مناسبة من إظهار مشاعر العداء تجاهه. لقد كان واضحا من مواقف أوربا مع ترامب شخصيا، ومع أميركا كبلد حليف لا يتفق أبدا مع سياسات مشتركة ظلت تتبع على مدى أكثر من ثمانين عاما، فبخلت حتى بالوقوف المعنوي معه، وصارت تتشفى بتعثر خطاة بهذا المستنقع وتتمنى, بل تستعجل غرقه فيه. وفي أميركا نفسها، البلد الذي وجد نفسه فجأة في خضم حرب ربما أجبرته الظروف على خوضها نجد أن الشعب الأميركي خذل رئيسه، ولم يقف إلى جانبه، وصار يتذمر ويتشكى بشدة من ارتفاع الأسعار، وكأن تلك الحرب لا تعنيهم، ولسان حالهم يقول له: "اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ها هنا قاعدون". وحتى الحزب الديمقراطي، الحزب الذي يفترض بأنه مؤسسة وطنية تهمها مصلحة البلاد قبل أن تهمها المصالح الضيقة بفوز هذا المرشح أو ذاك صرنا نراه يشن هجومات عنيفة على الرئيس، ويتهمه بجر البلاد إلى كوارث وأزمات هي بغنى عنها، وكأن إيران لم تكن بيوم من الأيام عدو صريح لها. وفعلا وجد الرئيس الأميركي نفسه وحده بهذه الحرب وصار يتخبط ويتعثر ولا يعرف كيف يتصرف حيالها.

 

وإذا تحدثنا عن حرب أميركا على إيران لا بد أن نمر على إسرائيل بصفتها المحرض الأكبر لأميركا للانزلاق بهذه الحرب. لا أدري كيف استطاع رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو أن يجر الرئيس ترامب؛ ليورطه معه بهذه الحرب، خصوصا وأن هناك مبدأ أساسي لا يخفى على رجال الأعمال يقول: "لا تشارك أبدا بمشروع من خسر مرتين قبلها"، ورئيس الوزراء الإسرائيلي لم يخسر مرة واحدة بل خسر مرات عديدة. نتنياهو لم يستطع القضاء على حماس بحرب استمرت لعامين، ولم يتمكن من القضاء على حزب الله وهو يحاربه منذ عقود، ولا هو قضى على البرنامج النووي الإيراني رغم قصفه له مرات عديدة، ولا هو حقق ما يريده شعبه من أمن وطمأنينة بمشاريع السلام مما يجعل هذا الرحل فاشلا بكل شيء مضى فيه. كان يمكن بسهولة أن يحقق نتنياهو السلام لإسرائيل لو اتفق مع ياسر عرفات بمؤتمر كامب ديفيد بأواخر القرن العشرين، وخرج مشروع الدولتين إلى الوجود حقا وحقيقة، ولما سبب لنفسه، ولبلده كل هذه الخسائر والأزمات. لكن يبقى الغريب هو كيف إستطاع هذا الفاشل بان يجر رئيس ذكي وفطن مثل ترامب، وهو رجل أعمال قبل أن يكون سياسيا؛ ليوقعه على حين غرة بحرب لا مخرج منها. 

 

 وبعد الأوضاع التي وصلت إليها الأحوال مع إيران الآن لا بد من امتلاك الجرأة بالقول: بأنها قد تحولت إلى أزمة مستدامة، وموضع استنزاف وخسارة مستمرة لأميركا لا يمكن تجاهلها. ليس هذا فقط، بل سببت هذه الحرب الأذى حتى لحلفاء ترامب المخلصون بدول الخليج، وأوقعت فيهم خسائر فادحة ستترك آثارا جسيمة وموجعة عليهم كلما استمرت وقتا أطول. لذا، فقد أصبح الخروج من هذا المأزق هو أسلم الحلول، وفيه فائدة ومصلحة للجميع. الحل الوحيد الممكن الآن هو أن يدرك الرئيس الأمريكي الوضع الذي صار به، وأن يمتلك الشجاعة للخروج من هذه الحرب بأي طريقة, بنفس الطريقة التي سعى بها برئاسته الأولى لإنهاء الحرب في أفغانستان، وأن يترك شؤون الشرق الأوسط لدوله لكي يحلو مشاكلهم بأنفسهم، ويعرفون كيف يتعاملون مع إيران سواء عن طريق السلم أو الحرب. لا يهم إذا ادعت إيران بالانتصار بهذه الحرب، فهذا ليس غير موضوع إعلامي لا يقدم ولا يؤخر، وأميركا قد خبرت مثل هذه المواقف كثيرا من قبل. يجب أن يعود المبدأ "أميركا أولا" بأولويات الرئيس ترامب وإدارته والشعب الأميركي، وأن يسعى الرئيس فيما تبقى من رئاسته بتحقيق الأمن والرفاهية والسلام لمواطني بلده، ويترك بلدان العالم لتحل مشاكلها وأزماتها بنفسها فأميركا ليست وصيا على أحد، وهي ليست شرطي العالم، والمضي من الآن فصاعدا كما يقول المبدأ: "لندع مال قيصر لقيصر، ومال لله لله".

 

 

 

وسام الشالجي

2026-6-7 


الأربعاء، 3 يونيو 2026

من نحن

 أنا الدكتور وسام الشالجي - باحث وكاتب من العراق، حاصل على شهادة البكالوريوس والماجستير بالكيمياء, والدكتوراه بعلم البيئة. عملت بالقطاع النفطي العراقي لمدة تزيد عن الثلاثين عاما، وفي عام 2007 أحلت نفسي على التقاعد بناء على طلبي، وغادرت العراق واستقريت بالولايات المتحدة حيث عملت كأستاذ في كلية تكساس المركزية Central Texas College لعدة سنوات. وبعام 2021 تقاعدت من عملي هذا لكني بقيت أعمل كتدريسي بدوام جزئي. أنجزت بحياتي عددا كبيرا من البحوث والدراسات العلمية المنشورة في مختلف المجالات النفطية والبيئية، وقد حصلت عن بعض بحوثي ودراساتي على جوائز تقديرية دولية. مارست هواياتي بعد التقاعد فالفت العديد من الكتب العلمية والثقافية، ويوجد بمدونتي هذه نبذ عن هذه المؤلفات. لا زلت أعكف على تأليف بعض الكتب التاريخية والعلمية، وهناك عدد منها بطور التأليف وفي طريقها لأن تصبح كتبا منشورة.

 تم عمل "مدونة أيامي" لتصبح مفكرة ثقافية وتاريخية تهتم بإلقاء الضوء على الجوانب الخفية من بعض الأحداث والشخصيات التي صنعت التاريخ، بالإضافة إلى تسليط الضوء على الأحداث السياسية الراهنة عبر مقالات وتحليلات تستند إلى السرد المشوق والقراءة المتأنية للمصادر والروايات المختلفة, ويوجد بالمدونة أيضا مشاركات تبين بعض نشاطاتي وهواياتي. وبكل الأحوال نحن نسعى لتقديم محتوى يقترب من ذهن القارئ بلغة واضحة وأسلوب يجمع بين المعرفة والمتعة، مع التركيز على التفاصيل التي غالباً ما تبقى بعيدة عن المدونات التقليدية.

مرحباً بكم في مدونة أيامي ...
حيث تبدأ الحكاية من وراء الستار

 




 

الاثنين، 1 يونيو 2026

صدور كتاب جديد للدكتور وسام الشالجي عنوانه "عبد الستار العبوسي"

 صدر عن مكتبة النهضة العربية للنشر والتوزيع كتاب جديد من تأليف الدكتور وسام الشالجي يتناول قصة حياة الشخصية الخاضعة للجدل بتاريخ العراق الحديث هي شخصية النقيب - العقيد الركن لاحقا عبد الستار العبوسي الذي حسم الموقف لصالح قادة ثورة 14 تموز بالعراق، وكان العامل المباشر بنجاح تلك الثورة. مع أن الكثير من الأحداث الحاسمة بالتاريخ جرى التخطيط والإعداد لها وتنفيذها بعناية فائقة إلا أن نجاحها لم يتم إلا بعد حصول بعض المصادفات المفاجئة التي أتى القدر بها على حين غرة وكأنها كانت على موعد مع تلك الأحداث، ومن بين تلك الأحداث الحاسمة هي واقعة ثورة 14 تموز عام 1958 في العراق. ما كان أبدا لتلك الثورة أن تنجح لولا حصول مصادفة قدرية حاسمة أتت بشخصية عابرة وفريدة من نوعها لم يكن لها يد لا بالتخطيط لتلك الثورة، ولا بعملية تنفيذها لكنه صار بحق بطلها ورجل الحسم الذي صنع نجاحها. ذلك هو النقيب بساعتها عبد الستار العبوسي. والكتاب الذي صدر اليوم يعرض صفحات من قصة حياة هذه الشخصية المثيرة التي ارتبطت حياتها بشكل غريب بالأحداث السياسية التي مرت بالعراق قبل، وخلال، وحتى بعد وقوع ثورة 14 تموز عام 1958. ومن العجيب أن الأقدار وظروف معيشة هذه الشخصية توافقت, بل حتى تلاءمت لتجعل من مسيرة حياتها ليست غير انعكاس لسلسلة من الأحداث التاريخية التي لم تترك آثارها عليه فقط، بل امتدت تأثيراتها إلى حياة بلد وشعب كامل. ومما يسترعي الانتباه أيضا أن شخصية عبد الستار العبوسي وما حملته من صفات كانت بالواقع ثمرة مباشرة لما زرعه فيه والده سبع العبوسي، مما يعطي الانطباع عن مدى الدور الذي يمكن أن تلعبه التربية البيتية، وما يزرع بالعقول في خلق شخصية الإنسان العراقي وتحديد تصرفاته وتوجهاته بهذه الحياة. إن قراءة الأحداث التي عاشتها هذه الشخصية وتفاعلها مع الأحداث التي عاصرتها يمكن أن يعطي فكرة للقارئ الكريم عن نوعية الجيل الذي عاش بالعراق بالنصف الأول من القرن العشرين. يتناول الكتاب المراحل التي عاشها عبد الستار العبوسي منذ ولادته عام 1930 في محلة شهيرة من محالّ بغداد هي محلة باب الشيخ، والمنعطفات السياسية الخطيرة التي وقعت بالعراق بعدها، خصوصا حركة مايسٍ عام 1941، والفرهود الذي طال حي التوراة اليهودي في بغداد، ومحاولة العبوسي الأولى لاغتيال الوصي على العرش الأمير عبد الإله عام 1947، وصولا إلى واقعة قصر الرحاب التي جرت صبيحة يوم 14 تموز والمجزرة التي طالت العائلة المالكة بالعراق. ويتناول الكتاب أيضا الكوابيس والرؤيا التي عاشها عبد الستار العبوسي بعد تلك الواقعة، والتي نغصت عليه حياته بشدة إلى أن انتهت بانتحاره أوائل عام 1970. يتناول الكتاب ايضا بعض التفصيلات التي تطرق ربما لأول مرة عن واقعة الفرهود الذي جرى بمثل هذا اليوم, الأول من حزيران قبل خمسة وثمانين عاما (1941) حيث يروي كيف جرت هذه الحادثة وملابساتها وكيف انتهت بفظائع يندى لها الجبين. يتكون الكتاب من حوالي 200 صفحة، ويمكن الحصول عليه مباشرة من مكتبة النهضة العربية بمدخل شارع السعدون في بغداد، أو من خلال خدمة التوصيل البريدي لنفس المكتبة.

 



 

 

 

السبت، 30 مايو 2026

الفساد بالعراق, هل هو ظاهرة عابرة, أم مرض, أم وباء, أم داء متأصل؟

 منذ بدأ فرض الحصار الاقتصادي على العراق عام 1990 انتشرت حالة بالعراق فرضتها الظروف الاقتصادية السيئة ألا وهي تفشي ظاهرة الرشوة والابتزاز. ظن الناس بالبداية بأن هذه الحالة هي أمر طارئ فرضته الظروف الاقتصادية والتضخم وتدني قيمة العملة النقدية، وأنها ستزول حتما بمجرد انتهاء الحصار وعودة الأمور إلى طبيعتها. هذا ما اعتقده الناس بتلك الفترة, لكن الأمور على حقيقتها كانت مختلفة تماما بدليل بقاء الحال على ما هو عليه، بل حتى تفاقمه وتزايده وتطوره بعد العام 2003، ورفع الحصار الاقتصادي، وارتفاع قيمة العملة والتحسن الكبير الذي وقع بسلم الرواتب. ما حدث عام 1991 بحقيقة الأمر هو أن الدولة صارت تغض النظر بعض الشيء عن حالات الرشوة، خصوصا تلك المتعلقة بممارسات الموظفين اليومية مع المراجعين؛ لأنها كانت تعرف وتدرك مدى التدني الخطير الذي وقع بقيمة الرواتب التي تدفعها لهم، ومردوداتها المادية، وبالتالي، صارت لا تحاسب الموظف على ما يأخذه من المراجعين من رشاوٍ وإتاوات لقاء تمشية معاملاتهم. نعم، ما من شك بأن الأوضاع الاقتصادية بالتسعينيات كانت تبرر مثل هذه الممارسات، لكن من المستحيل تبرير استمرار هذه الظاهرة، وحتى تزايدها بالسنوات التي تلت سقوط النظام السابق وزوال مسبباتها الاقتصادية.

 

كانت هذه الممارسات الفاسدة بالتسعينيات لا تتجاوز قيام الموظفين العموميين بأخذ العطايا والرشاوي من المواطنين أصحاب المعاملات الحكومية لقاء تمشية معاملاتهم، لكن بعد العام 2003 تطورت وازدهرت الأحوال، وتحول الفساد من مجرد أخذ رشوة إلى مد اليد للمال العام بعمليات اختلاس أخذت تتطور وتكبر هي الأخرى حتى وصلت ببعض مراحلها إلى أرقام فلكية يصعب تصورها. كانت الدولة بالعهود التي سبقت العام 2003 لا تتساهل مطلقا مع أي حالة من حالات سرقة المال العام، فقد كانت تحلق رأس المسؤول وتعرضه بالتلفاز حتى لو كان المبلغ المسروق لا يتجاوز العشرة دنانير، علاوة على اعتبار هذا النوع من الجرائم من الجرائم المخلة بالشرف. لم يتوقف الأمر عند هذا الحال بل امتد إلى غير الموظفين حيث صار بعض المنتفعين يتقدمون إلى مناقصات المشاريع الحكومية، ويتوسطون للفوز بها، وحين ترسو عليهم يبدءون ولو ظاهريا ببعض الأعمال التي تصور شروعهم بالتنفيذ مما يسهل عليهم الحصول على سلف حكومية لإكمال العمل، لينتهي الأمر بفرار المقاول أو المتعهد لخارج العراق حاملا معه كل ما حصل عليه من أموال تاركا المشروع يترنح في مكانه، وهناك مئات إن لم يكن الآلاف من مثل هذه الحالات.

 

ولكي نحصر الموضوع بزاوية ضيقة سنعتبر كلمة "الفساد" في المجتمع العراقي بالوقت الراهن مرهونة بحالة امتداد اليد إلى المال العام، أما كل حالات الكسب غير المشروع الأخرى مهما اختلفت، فسننظر إليها كجرائم وتجاوزات عادية يوجد لها قوانين وتشريعات تعالجها وتقتص ممن يمارسها. الكثير من الكتاب والخبراء حاولوا تحليل ظاهرة الفساد لاكتشاف أسبابها ومعرفة دوافعها، فخلص البعض إلى أنها ليست غير وباء مستشرٍ ينتقل من فرد لآخر كما ينتقل المرض بالعدوى، بينما يعتقد البعض الآخر بأنه مرض معدي بدأ ضيقا لكنه تفشى وتحول مع الوقت إلى وباء قاتل يفتك بالمجتمع بلا هوادة. أما كاتب هذه السطور، فهو يرى بأن الفساد بالعراق هو داء متأصل يرجع إلى وجود أمراض اجتماعية خطيرة متفشية بالمجتمع العراقي ترجع منابعها إلى قلب الكيان الأسري. يبقى هذه الداء مزروع ومكبوت بالنفس، وما أن يجد منفذ لكي ينطلق من القمقم الذي يحبسه حتى ينطلق إلى العلن، ويكشر عن أنيابه، بالضبط كما جرى حين تساهلت الدولة عن حالات الرشوة البسيطة، وغضت النظر عن مرتكبيها. يبدأ هذا الداء بالتكون حين يغض الأب أو الأم الطرف عن أي تجاوز يقوم به الطفل في المراحل المبكرة من حياته حين يجدون بحوزته أشياء لا تعود إلى البيت، ويعتبرون عمله بالحصول عليها من أنواع الشطارة، فهنا يكونون قد وضعوا الحجر الأساس لأي تجاوز يقوم به هذا الطفل بالمستقبل. وهناك حالات يطلب فيها بعض الآباء من أبنائهم الخروج من البيت، وألا يعودوا إليه إلا ومعهم بعض الأموال أو الأشياء التي يمكن بيعها، فما المتوقع أن تصبح عليه الأحوال حين يكبر هؤلاء غير أن يصبحوا حرامية وسراقا. أما الكيان الأسري فبالتأكيد سيصبح بمثل هذه الحالات كله مريضا، ولن يتوقف الأمر عند الأبناء الذي وقع عليهم الضرر بصورة مباشرة، بل حتى الأبناء الذين نجوا من مثل هذه الضغوط لن يكونوا بمأمن من الداء الذي زرع بنفوس أمثالهم ممن يعيشون معهم وحواليهم، وحين يكبر هؤلاء، وينخرطون بوظيفة أو مصلحة لن يكونوا أمينين عليها حتما، وسيصبحون فاسدين بالضرورة.

 

الفساد بتعريفه الذي حددناه لا يقتصر على المسؤولين الكبار فقط بل هو ممتد حتى الى أصغر موظف بالدولة, حتى وإن كان قد تعين للتو بوظيفة حكومية. والفساد لا يقتصر على سرقة المال العام فقط، بل أن أي نوع من الاستحواذ على الممتلكات الحكومية مهما كانت بسيطة حتى ولو كانت قلم كتابة هو نوع من انواع الفساد. لو تم إلقاء نظرة عميقة إلى موجودات أي مؤسسة حكومية او مصنع بعد إنتهاء الشركة المتعاقدة من بنائها أو إنشائها، ثم جرى إلقاء نفس النظرة عليها بعد سنة أو أكثر وعملنا مقارنة بين الصورتين لتملكنا العجب وحتى الفزع من الفروقات التي حصلت بتلك الموجودات, لأن ما لا يقل عن نصفها أو أكثر سيكون قد سرق وإختفى. تحدث احد مدراء المستشفيات الحكومية الجديدة للكاتب وقال له بأنه باليوم الأول الذي تسلم به إدارة المستشفى من الشركة المنفذة ألقى نظرة من شباك غرفته على كادر المستشفى وهم يغادرونها بعد نهاية الدوام الرسمي فوجد بأن قاطبتهم يحملون بأيديهم أكياس سوداء لا يعرف ابدا ماذا بداخلها. إن هذا المثل هو تجسيد حي للفساد المزروع بالنفس العراقية, حتى يمكن أن يقال بأن كل عراقي يحمل بين اضلاعه مشروع فساد قابل للظهور بيوم من الأيام.

 

 

وسام الشالجي

31-5-2026