صعد الرئيس ترامب إلى الرئاسة الثانية بأميركا، وهو
يحمل بجعبته آمالا كبيرة وعريضة بجعل أميركا أمة عظيمة من جديد، وطرح مشاريع طموحة من
بينها: ضم جرينلاند لأميركا، جعل كندا الولاية الحادية والخمسين، إعادة قناة بنما لسيطرة
أميركا، تغيير اسم خليج المكسيك إلى خليج أميركا، ترحيل اللاجئين غير الشرعيين، تقييد
عمليات الهجرة واللجوء لأميركا، إنعاش الاقتصاد الأميركي بفرض رسوم على الواردات
من الدول التي تستغل وتبتز أميركا، حل وتصفية جميع الحروب بالعالم وأولها وأهمها
حرب أوكرانيا وروسيا. وبالفعل, شرع ترامب بخطوات واعدة وممتازة بهذه المسارات، خصوصا
بالأوضاع الاقتصادية التي شهدت صراخ الكثير من دول العالم بسبب ما فرضه عليها من
رسوم كمركية، وصار المواطن الأميركي يشهد بنفسه تقدم الأوضاع الاقتصادية وتحسن
الأسعار. غير أن بعض المشاعر الآتية من الطبيعة الإنسانية المتمثلة بالحقد والغيرة
ومشاعر الكره تجاه أي ناجح لم تتركه لحاله، فانصبت كلها بلا هوادة على هذا الرجل
الذي يريد الخير لبلاده، وبدأت تخطط بالخفاء، وتحيك المؤامرات، وتنصب أمامه
الأفخاخ لتوقع به شر وقيعة، وتجهز على كل آماله وطموحاته، وتقضي على كل ما يصبو
إليه، وتجعل من رئاسته الثانية كابوسا على رأس أميركا. لم تجد هذه الأحقاد ما توقع
ترامب به غير أن ترميه بمطب لا يخرج منه ابدا, ولم يكن هذا غير جره للسقوط بالمستنقع
الإيراني، فغطس بهذا المستنقع إلى إذنيه، ولن يمر وقت طويل حتى يجد نفسه قد غرق
تماما بوحل هذا المطب. واليوم نجد الرئيس قد نسي تماما مشاريعه وآماله وأصبح لا يتحدث عن غير الحرب مع إيران والمشاكل التي يعاني منها الإقتصاد الأميركي.
ورغم قوة وجسامة الضربات الأميركية
والإسرائيلية على إيران التي كان ترامب ومساعديه يعتقدون أنها ستقضي على هذا البلد
بفترة وجيزة، إلا أن إيران أظهرت قوة غير متوقعة وقدرة على الصمود لا يمكن أن تكون
هي وليدة إمكانات هذا البلد لوحده من دون تدخل قوى أخرى صارت كما يبدو تمسك
بأيديها خيوط خفية تمكنها من لعب أدوار لا يستهان بها بهذه اللعبة. لا أريد أن
أتوجه بالاتهام لدولة معينة؛ لأني ببساطة لا أملك أي دليل على هذا، لكن الأنظار
تكاد لا تبتعد عن الصين وروسيا، بل وحتى دول أوربا التي لم يعجبها ترامب، ولا
سياساته، ولم تخف بكل مناسبة من إظهار مشاعر العداء تجاهه. لقد كان واضحا من مواقف
أوربا مع ترامب شخصيا، ومع أميركا كبلد حليف لا يتفق أبدا مع سياسات مشتركة ظلت تتبع
على مدى أكثر من ثمانين عاما، فبخلت حتى بالوقوف المعنوي معه، وصارت تتشفى بتعثر
خطاة بهذا المستنقع وتتمنى, بل تستعجل غرقه فيه. وفي أميركا نفسها، البلد الذي وجد
نفسه فجأة في خضم حرب ربما أجبرته الظروف على خوضها نجد أن الشعب الأميركي خذل
رئيسه، ولم يقف إلى جانبه، وصار يتذمر ويتشكى بشدة من ارتفاع الأسعار، وكأن تلك
الحرب لا تعنيهم، ولسان حالهم يقول له: "اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ها هنا
قاعدون". وحتى الحزب الديمقراطي، الحزب الذي يفترض بأنه مؤسسة وطنية تهمها
مصلحة البلاد قبل أن تهمها المصالح الضيقة بفوز هذا المرشح أو ذاك صرنا نراه يشن
هجومات عنيفة على الرئيس، ويتهمه بجر البلاد إلى كوارث وأزمات هي بغنى عنها، وكأن
إيران لم تكن بيوم من الأيام عدو صريح لها. وفعلا وجد الرئيس الأميركي نفسه وحده
بهذه الحرب وصار يتخبط ويتعثر ولا يعرف كيف يتصرف حيالها.
وإذا تحدثنا عن حرب أميركا على إيران لا بد أن نمر على إسرائيل بصفتها المحرض الأكبر لأميركا للانزلاق بهذه
الحرب. لا أدري كيف استطاع رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو أن يجر الرئيس ترامب؛
ليورطه معه بهذه الحرب، خصوصا وأن هناك مبدأ أساسي لا يخفى على رجال الأعمال يقول: "لا تشارك أبدا بمشروع من خسر مرتين قبلها"، ورئيس الوزراء الإسرائيلي
لم يخسر مرة واحدة بل خسر مرات عديدة. نتنياهو لم يستطع القضاء على حماس بحرب
استمرت لعامين، ولم يتمكن من القضاء على حزب الله وهو يحاربه منذ عقود، ولا هو قضى
على البرنامج النووي الإيراني رغم قصفه له مرات عديدة، ولا هو حقق ما يريده شعبه
من أمن وطمأنينة بمشاريع السلام مما يجعل هذا الرحل فاشلا بكل شيء مضى فيه. كان
يمكن بسهولة أن يحقق نتنياهو السلام لإسرائيل لو اتفق مع ياسر عرفات بمؤتمر كامب
ديفيد بأواخر القرن العشرين، وخرج مشروع الدولتين إلى الوجود حقا وحقيقة، ولما سبب
لنفسه، ولبلده كل هذه الخسائر والأزمات. لكن يبقى الغريب هو كيف إستطاع هذا الفاشل
بان يجر رئيس ذكي وفطن مثل ترامب، وهو رجل أعمال قبل أن يكون سياسيا؛ ليوقعه على
حين غرة بحرب لا مخرج منها.
وبعد الأوضاع التي وصلت إليها الأحوال مع
إيران الآن لا بد من امتلاك الجرأة بالقول: بأنها قد تحولت إلى أزمة مستدامة،
وموضع استنزاف وخسارة مستمرة لأميركا لا يمكن تجاهلها. ليس هذا فقط، بل سببت هذه
الحرب الأذى حتى لحلفاء ترامب المخلصون بدول الخليج، وأوقعت فيهم خسائر فادحة
ستترك آثارا جسيمة وموجعة عليهم كلما استمرت وقتا أطول. لذا، فقد أصبح الخروج من
هذا المأزق هو أسلم الحلول، وفيه فائدة ومصلحة للجميع. الحل الوحيد الممكن الآن هو
أن يدرك الرئيس الأمريكي الوضع الذي صار به، وأن يمتلك الشجاعة للخروج من هذه
الحرب بأي طريقة, بنفس الطريقة التي سعى بها برئاسته الأولى لإنهاء الحرب في
أفغانستان، وأن يترك شؤون الشرق الأوسط لدوله لكي يحلو مشاكلهم بأنفسهم، ويعرفون
كيف يتعاملون مع إيران سواء عن طريق السلم أو الحرب. لا يهم إذا ادعت إيران
بالانتصار بهذه الحرب، فهذا ليس غير موضوع إعلامي لا يقدم ولا يؤخر، وأميركا قد
خبرت مثل هذه المواقف كثيرا من قبل. يجب أن يعود المبدأ "أميركا أولا"
بأولويات الرئيس ترامب وإدارته والشعب الأميركي، وأن يسعى الرئيس فيما تبقى من
رئاسته بتحقيق الأمن والرفاهية والسلام لمواطني بلده، ويترك بلدان العالم لتحل
مشاكلها وأزماتها بنفسها فأميركا ليست وصيا على أحد، وهي ليست شرطي العالم، والمضي
من الآن فصاعدا كما يقول المبدأ: "لندع مال قيصر لقيصر، ومال لله لله".
وسام الشالجي
2026-6-7