الخميس، 23 نوفمبر 2051

الانطلاقة ...

منذ وقت طويل وأنا أفكر بإنشاء موقع خاص بي , فلسنين عديدة تشتت نتاجاتي في العديد من المواقع حتى ضاعت في دهاليزها وتبددت في أروقتها ولم تجذب الاهتمام كما أشتهي. وبين كثرة النشاطات التي دأبت على القيام بها وتنوعها ما بين كتابة المقالة والقصة وإنجاز الدراسات والبحوث والعديد من الاهتمامات الأخرى, كان دائما ما يخطر على بالي بضرورة أن أجمعها في موقع واحد لكي يستفيد منها الأخرون اولا ولكي يشجعني تكثفها على المضي في إنتاج المزيد ثانيا. وبعد طول انتظار ها أنذا أبدأ خطوتي الأولى في إنشاء هذا الموقع الخاص بي, والذي اخترت له بالبداية تسمية (أيامي) لحبي الشديد لمقطوعة للموسيقار محمد عبد الوهاب التي تحمل نفس هذا الاسم والتي تأثرت بها وولعت بها منذ صغري .

أسأل الله تعالى بأن يوفقني بهذه الانطلاقة وأن يجلب الاهتمام إلى نشاطاتي المتنوعة, وأن يحقق غايتي في خدمة الآخرين دون أن أسأل من وراء ذلك أجرا أو فائدة, والله من وراء القصد .

 

وسام الشالجي

26 ايلول 2012

_____________________________________

 

سأكتب , لا يهم لمن

سأكتب هذه الأسطر  ...

فحسبي أن أبوح هنا 

لوجه البوح لا أكثر ....

حروف لا مبالية

أبعثرها على دفتر ...

بلا أمل بأن تبقى

بلا أمل بأن تنشر ...

 

نزار قباني

 




الجمعة، 29 مايو 2026

دعوات علي الزيدي بالخصخصة طريق واعد لابد من المضي به

 نادى مؤخرا رئيس الوزراء العراقي الجديد علي الزيدي بضرورة خصخصة قطاعات واسعة في العراق مثل الكهرباء والماء والتعليم، وغيرها. وما إن انطلقت هذه الدعوى حتى ارتفعت أصوات معارضة شديدة تجاه هذه النيات بذريعة عدم تمكن شرائح كبيرة من أفراد الشعب العراقي على دفع تكاليف مثل هذه الخدمات فيما لو أصبحت بإدارة القطاع الخاص. عرفت بعض التوجهات الاشتراكية بالعراق منذ وقت طويل يعود إلى عهد تأسيس الدولة العراقية الحديثة عام 1921، فعلى مدى عمر هذه الدولة كان التعليم مجانيا، والرعاية الصحية مجانية، وحتى أسعار بعض الخدمات مثل الكهرباء والماء كانت أقرب لأن تكون رمزية فيما لو قورنت بمثيلاتها بالدول الأخرى. شكلت كلفة هذه الخدمات ثقلا كبيرا على ميزانية الدولة، ولولا وجود العائدات النفطية لأفلست الدولة منذ وقت بعيد؛ لأن كل مصادر الدخل القومي الأخرى كانت قليلة تكاد لا تسد نفقات تشغيل دولة مثل العراق. ونتيجة للسير بهذا الخط الاقتصادي اعتاد أفراد الشعب العراقي على هذه الفوائد والتسهيلات، واعتبرها حقا من حقوقه التي يجب ألا يتنازل عنها في أي حال من الأحوال. واستمرارا بهذا النهج ظلت كلف هذه الخدمات العامة تأكل نسبا كبيرة من العائدات النفطية مما عطل في مراحل كثيرة عجلة التنمية والتطور، وبقي العراق دولة متأخرة، خصوصا إذا ما قورن بدول أخرى مجاورة قطعت أشواطا بعيدة في سلم التقدم والازدهار.

 

أثبتت الاشتراكية على مدى تاريخها بالعالم بأنها نظام اقتصادي فاشل، فعلى الرغم من أنها تضمن لقمة العيش والرعاية الصحية بحدها الأدنى لشرائح الشعب كافة، إلا أنها بنفس الوقت أداة فاعلة مسببة للتأخر والتراجع على المستوى الحضاري والإنساني والترفيهي لسبب بسيط هو أنها تحارب الملكية الخاصة مما يقتل عند الفرد الرغبة بالتطور والتميز. أعظم تعريف عملي للاشتراكية هي أنها النظام الاقتصادي الذي يوزع الفقر بعدالة على الجميع. وبالعراق كانت أغلب النظم الجمهورية التي حكمت الدولة بعد عام 1958 هي أنظمة اشتراكية، وقد تبنت هذا الخط؛ لأنها عرفت مبكرا بأن المال هو قوة هائلة لا يستهان بها يمكن أن يفعل أي شيء، وخوفا من أن تستخدم هذه القوة ضدها صارت لا تريد أن تتكون داخل الدولة قوى مالية يمكن أن تهدد مضاجعها. ومع أن العهد الجمهوري الأول بقيادة الزعيم عبد الكريم قاسم كان نظاما يساري التوجه، إلا أنه لم يطبق حقيقة أي مفردة اشتراكية بشكل مباشر على مدى سنوات ذلك النظام. عرف العراق الاشتراكية لأول مرة بوجهها الكالح عام 1964 حين أمم عبد السلام عارف مقتديا بمصر جميع شركات ومؤسسات القطاع الخاص. كانت تلك الشركات والمؤسسات كيانات ناجحة ومزدهرة تعزز الاقتصاد العراقي بشتى المجالات من بينها تصدير منتجاتها إلى الخارج مما كان يحقق مصادر دخل إضافية للعراق، إضافة إلى تشغيل شرائح واسعة من أفراد الشعب. وبعد تأميم تلك الشركات والمؤسسات وتحويلها إلى القطاع العام أصبحت شركات فاشلة وخاسرة، فأخذت الدولة تدعمها وتبقيها واقفة على أرجلها من عائدات النفط العراقي التي حققت قفزات مالية كبرى في أواسط السبعينيات، وما بعدها. ظل هذا الحال على ما هو عليه حتى عام 2003, فمع أن الدعوات قد انطلقت بعده لتصحيح المسار الاقتصادي وترك الاشتراكية إلا أن هذا لم يتحقق بسبب الرفض الجماهيري الواسع لأي محاولة جادة لتطبيقه, وظل الاقتصاد العراقي شبه مشلول بسبب تكبيله بالتزامات مالية ضخمة.

 

واليوم يطل علينا رئيس الوزراء الجديد، العقلية الاقتصادية المجربة والواعدة بإحياء الفكرة من جديد وينادي بإلغاء الغطاء العام، وخصخصة كل النشاطات الاقتصادية بالدولة. ألا يكفينا بأن قطاع الكهرباء مشلول منذ حوالي ربع قرن؟ ألا يكفينا أن المواطن لا يصل لبيته ماء نظيف وصالح للشرب والإستعمال؟ ألا يكفينا بأن أولادنا يذهبون لمدارس لا رحلات فيها ولا صفوف تحمي من برد أو حر؟ وبالمقابل، يبتز جيوبنا أصحاب المولدات الكهربائية الأهلية، ونشتري ما نشربه من ماء بدوارق وقناني بلاستيكية، ونسجل أولادنا بالمدارس الأهلية التي تضمن الرعاية والتربية الصحيحة، ونرسل أبناءنا وبناتنا الكبار ليدرسوا بالجامعات والكليات الأهلية. لماذا نفعل كل هذا ولا نشتكي؟ بينما نحتج وننفعل إذا ما قالت الدولة بأن هذا ما يجب أن يصبح عليه الحال. لماذا ندفع الأموال بإختيارنا وبطيب خاطر لأصحاب هذه النشاطات، بينما نغضب بشدة إذا ما صار هذا هو الحال الرسمي بالدولة؟ لا تقفوا بوجه دعوات رئيس الوزراء، بل ساندوه، وادعموه لكي يبني تجربته في خلق عراق جديد ويسير بمسار نجحت كل الدول التي اختطته طريقا لها. من المؤكد بانه لو تحققت الخصخصة فعلا كما يريد لها هذا الرجل أن تكون عليه فمن المتوقع بأنه خلال عشر سنوات قادمة سيقفز العراق خطا واسعة بعجلة التطور والتقدم والازدهار، وكل آت قريب، وإن غدا لناظره قريبا.

 

 

وسام الشالجي

29-5-2026

الثلاثاء، 26 مايو 2026

غلطة محمد شياع السوداني في خذلان الناخبين, هل يستفيد منها علي الزيدي؟

 حقق محمد شياع السوداني خلال فترة ولايته كرئيس وزراء للعراق شعبية كبيرة انعكست بشكل إيجابي على الكتلة التي شكلها لخوض الانتخابات، وهي كتلة الإعمار والتنمية. وتعود هذه الشعبية إلى نجاح حملات الإعمار التي شهدها العراق خلال ولاية السوداني، وكذلك استطاعته إلى حد ما في الوقوف بالضد من المتلاعبين بالمال العام. ومع أن السوداني لم يستطع حل مشكلة السلاح المنفلت، ولم يتمكن من حصر السلاح بيد الدولة إلا أن غالبية المواطنين يعرفون بدقة مدى حساسية هذه الملفات وخطورتها لذلك، فهي لم تترك آثارا سلبية كبيرة على شعبيته. خاض السوداني الانتخابات العامة التي جرت بالعراق في شهر تشرين الأول عام 2025 على رأس قائمة ائتلاف الإعمار والتنمية، وليس عبر حزب الدعوة الذي ينتمي إليه مباشرة، أو كتلة المالكي التي كان ينتمي إليها بالسابق، واستطاع أن يحقق فوزا كاسحا نتيجة لشعبيته متغلبا على كل القوائم المنافسة. وقد حصل السوداني على حوالي 46 مقعدا من أصل 329 مقعدا في مجلس النواب، متقدما على تحالفات وقوائم كثيرة مثل قائمة تقدم التي يرأسها الحلبوسي وغيرها. جعلت هذه النتيجة كتلة السوداني الكتلة الشيعية الأكبر من حيث عدد المقاعد بالبرلمان، ومنحته موقعا قويا في مفاوضات تشكيل الحكومة مرجحة استمراره برئاسة الوزراء لدورة ثانية، لكنها لم تمنحه الأغلبية التي تمكنه وحده من ذلك، فقد ظل يحتاج إلى تحالفات مع قوى شيعية وسنية وكردية أخرى تدعمه لتشكيل الحكومة الجديدة.

 

وبعد الإعلان عن فوز الإطار التنسيقي بأكبر عدد من المقاعد بالبرلمان، وصار من واجبه تشكيل الحكومة الجديدة بدأت المفاوضات بين الكتل السياسية المنضوية تحت ظل هذا التشكيل لاختيار الشخصية التي ستتولى تشكيل الوزارة من أجل الإعلان الرسمي عنها كشخصية مرشحة عن الإطار لهذا الغرض. كانت كل الأنظار متجهة نحو محمد شياع السوداني لكونها الشخصية الأكثر ترجيحا من غيره لتشكيل الحكومة؛ لأن كتلته هي الفائزة بأكبر عدد من الأصوات بين الكتل الشيعية أولا، ولأنه صار يملك أكبر عدد من المقاعد في البرلمان ثانيا، خصوصا وأن أول كتلة تليه بعدد المقاعد بالبرلمان هي كتلة ائتلاف دولة القانون بزعامة نوري المالكي التي حصلت على 29 مقعدا فقط. وفي مرحلة مبكرة من المفاوضات والمداولات التي جرت لاختيار الشخصية المرشحة لاحتلال منصب رئيس الوزراء، فأجيء السوداني كل ناخبيه وجميع مؤيديه بأنه قرر التنازل عن استحقاقه الانتخابي لمصلحة نوري المالكي، وإنه سيؤيد بقوة اختياره رئيس للوزراء لفترة جديدة ستكون الدورة الثالثة له بهذا المنصب. كان هذا الإعلان من قبل السوداني غريبا بشدة، وصعب الفهم، لأن الأسباب وراء هذا الإعلان تبقى غير مبررة أبدا. فلو كان السوداني يعتقد بأنه جزء من الكتلة التي يتزعمها المالكي، فلماذا من الأساس كون كتلة مستقلة له، وخاض الانتخابات تحت ظلها؟ وإذا كان السوداني قد تعرض لضغوط معينة، أو حتى إجبار، فلماذا لم يكتف بالانسحاب من المنافسة فقط، ويترك الساحة للمتنافسين حتى يفوز أحدهم بالمنصب بدل إعلانه عن التنازل عن حقه لصالح المالكي والوقوف خلفه بقوة وتأييد ترشيحه لمنصب رئيس الوزراء؟ ثم كيف يمكن للسوداني أن يبرر وقوفه خلف شخصية شهد ماضيها بهذا المنصب عن وقوع أخطاء جسيمة وإخفاقات كبرى جعلت كتلته لا تحقق نتائج كبيرة وحاسمة بالانتخابات؟ يبقى هذا الموقف الغريب صعب الفهم، ولا يمكن تبريره أبدا.

 

لا يمكن وصف ما فعله محمد شياع السوداني في التنازل عن استحقاقه الانتخابي بغير أنها عملية "خذلان" كبرى لناخبيه، وأنها كانت أيضا عملية خداع سياسي يبدو أن الغرض منها كسب الأصوات لتوجيهها لاحقا لمصلحة شخصية فقدت شعبيتها منذ وقت طويل وهي شخصية نوري المالكي. وبالإضافة لما تقدم، يمكن القول ايضا بأن السوداني انتحر سياسيا بهذا الفعل، فمن سينتخبه أو ينتخب كتلته مرة أخرى إذا ما خاض الانتخابات مرة ثانية بعد خذلانه لناخبيه. لذلك وجدنا بأن كل النواب الذين انضووا تحت جناح كتلته (كتلة الإعمار والتنمية) سارعوا بالانسحاب منها بعد أن شعروا بأن مستقبل هذه الكتلة ميت بكل الأحوال، وأن البقاء فيها سيقضي على مستقبلهم السياسي. كان يمكن للسوداني أن يضمن حتى دورة ثالثة بمنصب رئيس الوزراء لو تصرف بحكمة، وأظهر شيئا من الشجاعة والصرامة في الإصرار على نيل استحقاقه الانتخابي كما يجب أن يكون. وحتى الدول الأخرى ذات التأثير القوي بالمشهد السياسي العراق مثل الولايات المتحدة وإيران ما كان لها أن تستطيع أن تغير النتائج على الأرض بعد الفوز الساحق الذي حققه. لكن بعد الإعلان عن تنازله عن منصب رئيس الوزراء ووقوفه وراء نوري المالكي لاحتلال هذا المنصب سارعت الولايات المتحدة إلى الإعلان عن رفضها لهذا الترشيح والتهديد بفرض عقوبات سياسية واقتصادية إذا ما وصل المالكي مرة أخرى لهذا المنصب. فماذا كانت النتيجة بعد كل هذا العبث والأخطاء، لا المالكي صار رئيسا للوزراء كما أراد السوداني، ولا هو حظي بالمنصب حسب استحقاقه, لينطبق عليه المثل العراقي القائل: (لا حظت برجيلها، ولا خذت سيد علي).

 

والآن، وبعد نيل علي الزيدي لمنصب رئيس الوزراء، وهو شخصية واعدة لها باع طويل بعالم الاقتصاد الذي هو عصب السياسة بعالم اليوم ليس بوسعنا غير أن ننصحه بعدم الوقوع بخطأ محمد شياع السوداني القاتل. نعم، من المتوقع أن يواجه الزيدي حتما الكثير من الحواجز والمصدات التي سينصبها له زملاءه بالإطار التنسيقي قبل غيرهم لما عرف عنهم من حقد وحسد لكل ناجح يتولى المسؤولية، ويحقق المنجزات للبلد منذ تجربة حيدر العبادي حتى محمد شياع السوداني. كما ننصح الزيدي بأن يكون لنفسه كتلة برلمانية تقف خلفه لأن البقاء منفرد بمكان تتوالى عليه العواصف، ومحيط يعج بالمنافسين المفترسين فيه خطورة كبيرة عليه وعلى مستقبله السياسي، والأيام القادمة سترينا الكثير، وإن غدا لناظره قريبا.

 

 

وسام الشالجي

26-5-2026

الاثنين، 25 مايو 2026

القاسمية لماذا وجدت بالعراق؟ والصدامية لماذا لم توجد؟

 ظهرت بمنطقة الشرق الأوسط في النصف الثاني من القرن العشرين تيارات سياسية تنتسب في تسمياتها إلى قادة وحكام ظهروا بتلك المنطقة, مثل: الناصرية بالوطن العربي، والخمينية في إيران، وغيرها. ويمكن تعريف هذه التيارات بأنها تنظيمات سياسية أو فكرية تحمل اسم زعيم أو قائد أو مفكر لعب وجوده وطبيعة توجهاته السياسية وأعماله دورا محوريا في تأسيس هذه التنظيمات وإلهامها، فاختزلت تسمياتها وأفكارها باسمه. ويمكن أن تولد هذه التنظيمات بحياة الزعيم، أو بعد رحيله حسب قوة تأثيره وسعة جماهيريته, وهي تتصف بعدد من الصفات أهمها ماهية الخطاب السياسي أو الفكري الذي نادى بها الزعيم, خطبه أو كتبه أو قراراته وأعماله, وغيرها من الصفات. وغالبا ما يجمع فكر هذه التنظيمات بين مشروع أيديولوجي يهدف إلى مواصلة أعمال الزعيم وتطبيق نظرياته، وبين رمزية هذا الزعيم بوصفه قائدا جماهيريا ثار أو نادى بالتحرر لفئة معينة من الناس أو لشريحة اجتماعية ما، أو إلى نشر الفكر العقائدي السياسي أو الديني الذي حمله. فعلى سبيل المثال تبنت "الناصرية" (نسبة إلى الرئيس جمال عبد الناصر) في مصر مبادئ التحرر من الاستعمار، ومناهضة النفوذ الغربي وإسرائيل، والنهوض بالقومية العربية، والعمل على وحدة الأقطار العربية، وأخيرا، تطبيق الاشتراكية بالمجال الاقتصادي. وكمثال آخر, تبنت الحركة الخمينية (نسبة إلى الإمام روح الله الخميني) في إيران مبدأ ولاية الفقيه، ومعاداة "الاستكبار العالمي" ممثلا بالولايات المتحدة ودول أوربا الغربية، والمزج بين الهوية الدينية والهوية الثورية، وأخيرا، تصدير الثورة إلى خارج إيران من خلال خلق حركات شيعية بالخارج كما حصل في لبنان والعراق واليمن. توسعت بعض هذه الحركات وانتشرت إلى خارج بلدانها, وصارت أفكارها وطروحاتها أكثر رسوخا وعمقا مما جعلها تكبر وتصبح حركات لا يستهان بها وبعدد المنضويين تحت لوائها. وبكل الأحوال, تحمل مثل هذه الحركات السياسية ميزة خطيرة تكمن فيها بؤرة زوالها بآخر المطاف وهي ارتباطها العاطفي باسم الزعيم كقائد أو ثائر أو مفكر مما يجعلها قابلة للتفكك والتلاشي بعد وفاة القائد أو سقوط نظام حكمه أو مع مرور الوقت. وضمن نفس المنوال وجدت في بعض البلدان حركات سياسية مماثلة لكنها أقل انتشارا وتوسعا, ولم تتحول إلى مدرسة تنظيمية مستقرة بل سادت فقط على المستوى الشعبي والإعلامي, وليس كاسم تنظيم أيديولوجي راسخ, من بينها القاسمية بالعراق والساداتية في مصر والأردوغانية في تركيا.

 

ارتبط اسم الحركة القاسمية، أو "التيار القاسمي" بمرحلة حكم الزعيم عبد الكريم قاسم- قائد ثورة 14 تموز ورئيس الوزراء في العراق (1958 – 1963)، وبالناس والقوى الشعبية التي تعاطفت مع مشروعه، ثم بقيت وفية لذكراه. وتتصف الحركة القاسمية بأنها فئة وطنية عراقية قوية تنادي بمبدأ "العراق أولا"، مع شيء من الحذر تجاه المشاريع الوحدوية مما يجعلها على نقيض تام من الحركة الناصرية في مصر. ويميل فكر هذه الحركة وتوجهاتها إلى القيام بتشريع قوانين إصلاحية مثل قوانين الإصلاح الزراعي، وتحسين أوضاع الفقراء والطبقات الدنيا مما يجعلها تصنف ضمن الحركات اليسارية القريبة من فكر الحزب الشيوعي. وتتميز الحركة أيضا بالبقاء على استقلالية تامة من المحاور الإقليمية، واتخاذ موقف متحفظ تجاه الانخراط الكامل في المحاور العربية أو الغربية، والسعي لخلق قدر من التوازن ضمن المحيط العراقي. وبكل الأحوال، لم توجد قط للحركة القاسمية مدرسة فكرية، أو عقيدة وتنظير مكتوب، بل ظلت مقتصرة على الارتباط الفكري بحقبة الزعيم قاسم وتحويله إلى رمز وطني. أما القاسميون (وهم المنضوون تحت جناح الحركة القاسمية) فهم في الأغلب سياسيون ومثقفون, وبعض الفئات السياسية الصغيرة التي تتبنى تقييما إيجابيا لتجربة الزعيم عبد الكريم قاسم، وتستحضر رمزيته التي اشتهر بها كالنزاهة، وبساطة العيش، والقرب من الفقراء، ومعاداة الاستعمار. وهناك فئة مهمة غير منظمة تميل بقوة إلى الفكر القاسمي ويمكن تصنيفهم أيضا ضمن القاسميون، وهي الشرائح الفقيرة والمعدمة من العراقيين، خصوصا في بغداد والمحافظات الجنوبية. لم تتطوّر القاسمية بقدر كاف وتتحول إلى أيديولوجيا مكتملة لها كتب ومنظّرون, وتفرعات ممتدة في المنطقة كما حصل مع الناصرية أو الخمينية, بل ظلت محصورة فقط في استحضار مرحلة سياسية تعتبرها فرصة ذهبية, أو فرصة ضائعة في تاريخ العراق الجمهوري كان يمكن أن تتطور وتنمو لتصبح مشروعاً ناجحا ينظَر له كخيار للمستقبل. لذلك فقد بقي استخدام القاسمية كمصطلح إعلامي يرمز إلى الحقبة القاسمية أكثر من كونه تياراً عقائدياً منظماً له أيديولوجيا مكتملة على غرار الناصرية وغيرها. أما القاسميون فهم حصريا أنصار الزعيم عبد الكريم قاسم الذين يحملون إرثه السياسي والاجتماعي في العراق, ويمجدون صورته كقائد نزيه قريب من الشرائح المعدمة من الشعب.

 

وعلى غرار ما جاء أعلاه يستعمل بعض المؤرخين والمحللين السياسيين بالعراق مصطلحي الصدامية والصداميين للإشارة إلى مؤيدي الرئيس الأسبق صدام حسين (1979-2003)، لكن هذه التسميات لم تتحول قط إلى عنوان لتيار أيديولوجي وعقائدي كما هو الحال بالناصرية والناصريين، ولا حتى اسم رمزي تاريخي كالقاسمية والقاسميون، والسبب في ذلك هو ليس سببا لغويا بقدر ما هو سبب سياسي وتاريخي. يعود السبب بهذا إلى وجود أيديولوجيا سابقة جاهزة تتمثل في الفكر العقائدي لحزب البعث الذي كان يسود في عهد الرئيس صدام حسين. ففي حالة القاسمية على سبيل المثال، فإنها كانت، ولا تزال تمثل المشروع الكامل الذي حمله الزعيم، ولا توجد تحتها أي أيديولوجيا أخرى، على خلاف حالة صدام حسين الذي يوجد تحته إطار فكري جاهز هو حزب البعث. وحتى مع تسلط صدام حسين على فكر حزب البعث، فقد ظلت مصطلحات أخرى مثل "البعثية" "والبعثيين" هي التسميات الغالبة على مؤيدي ومعتنقي الفكر الصدامي، ولم تحل قط مصطلحات مثل الصدامية والصداميين كتسميات إعلامية لهم. وعدا عن هذا السبب، فإن الحقبة الصدامية حملت بين طياتها كوارث كبيرة على الشعب العراقي، وحروب عبثية لم يجن منها البلد غير الخراب والضحايا مما يجعل أي نوع من الانتساب لصدام حسين هو مثلبة سياسية، وليس صفة وطنية. لذلك نجد في الأوساط الإعلامية شيوع تسميات أخرى فيها انتقاص من هؤلاء، مثل "أزلام صدام" أو "فلول النظام الصدامي". وحتى لو أجرينا نوعا من المقارنة السريعة فإن القاسمي هو شخص عراقي وطني، نزيه، بسيط، قريب من الناس والشرائح المعدمة، يسعى لاستقلال العراق وتحرير ثرواته الوطنية. بينما نجد الصدامي على النقيض مما تقدم لا يمثل ضمن التداول العام غير معاني قهرية شرسة، مثل القمع، العنف، تسلط الأجهزة الأمنية، نشوب الحروب، شيوع الفاقة والفقر والرشوة، وغيرها، وهذا بحد ذاته يجعل من صفة صدامي شتيمة أكثر منها هوية سياسية قابلة لأن يعلنها شخصا على نفسه بفخر واعتزاز. لذلك نجد أن القاسمية موجودة بالعراق منذ وقت طويل، وستبقى وتستمر لفترة طويلة أخرى، بينما الصدامية زالت تقريبا مع زوال صدام حسين، والسقوط المدوي لنظامه, وستنتهي كليا مع استمرار الرغبة الشعبية القوية في محو كل آثارها من المجتمع.

 

 

 

وسام الشالجي

25 – 6 - 2026

الأحد، 24 مايو 2026

الدكتاتوريات بمعناها التقليدي، هل يمكن عودتها مرة أخرى؟

 مرت علينا بحياتنا أشكال عديدة ومظاهر مختلفة للقيادة تتباين في أنواعها وأوصافها الخارقة، الملك العظيم، الزعيم الثائر، القائد الفذ، البطل الملهم، الرئيس القائد، القائد الضرورة، الزعيم الأوحد، القائد المبدع، نصير الفقراء، القائد المؤسس، وغيرها من الصفات الكثيرة. على الأغلب، لم يكن ظهور القائد بصورته التقليدية المتسلطة بالأزمنة السابقة حالة مفاجئة أو أمرا طارئا، بل كان ظهور مثل هؤلاء القادة بأي دولة، أو وسط ما عادة ما يصاحبه مبكرا ظهور مستمر ومتواصل ترافقه هالة من الالقاب والتمجيد والتبجيل، وحتى القدسية إذا كان الوسط المعني دينيا أو عقائديا لتجعل من شخصية القائد المنتظر حالة واعدة تلوح ملامحها بالأفق، وحلا ضروريا للمشاكل والأزمات, مع بشائر بمستقبل زاهر حين يشغل هذا القائد موقع الصدارة. وفي حالات أخرى غير متهادنة، خصوصا بدول العالم الثالث فإن صعود القائد الجديد قد يكون مصحوبا بعملية عنفية كثورة أو انقلاب، أو إزاحة بطريقة ما لمن يشغل القيادة قبله غالبا ما تكون بعملية تصفية وإجهاز على الخصم. الأمر المهم في كل هذا هو أن هذا القائد يتحول على الأغلب بعد مدة من تبوأه موقع القيادة إلى قائد مستبد ودكتاتوري شديد البطش متبعا الطرق الميكافيلية في تصفية المنافسين والخصوم، والقضاء على كل من يهدد موقعه. السبب في هذا التحول هو قناعة القائد الجديد بأنه جاء ليبقى، مما يجعله غير مستعد لتقبل أي تغيير بالموقع وتدميره لكل الفرص التي تتيح صعود قادة جدد وشطب كل إمكانية لتداول السلطة بأي طريقة من الطرق. وفي جميع الأحوال يجب ألا نغفل دور المنافقين والانتهازيين في صنع القادة الدكتاتوريين, لأن مثل هؤلاء دأبوا على الدوام في أن يكونوا ضباع بشرية تستفيد من افتراس الضحية والبطش بها لكي تنعم بالآخر بشيء من الفتات مما يترك لها القائد مقابل شيء من التعظيم وتثبيت أركان حكمه بقدر المستطاع. سادت مثل هذه القيادات والزعامات في دول أوربا الغربية بالنصف الأول من القرن العشرين، ثم انتشرت عن طريق الثورات والانقلابات بمعظم دول العالم الثالث بمستهل النصف الثاني من ذلك القرن، لكنها بدأت تتلاشى مع حلول القرن الواحد والعشرين. من أبرز الأمثلة على مثل هؤلاء أدولف هتلر وموسوليني والجنرال فرانكو في أوربا الغربية, وجوزيف ستالين وماو تسي تونغ وبريجينيف في المعسكر الشرقي, وكيم أيل سونغ, وجمال عبد الناصر, وعبد الكريم قاسم, وفيدل كاسترو, وصدام حسين, ومعمر القذافي, وجعفر النميري, وعيدي أمين, وبوكاسا, وموغابي, وعمر البشير, وحافظ الأسد وابنه بشار, وغيرهم في دول العالم الثالث. لم يتبقى من القادة الدكتاتوريين بعالم اليوم إلا حالات قليلة لا تتجاوز عدد أصابع اليد, مثل فلاديمير بوتين في روسيا, وكيم جونغ أون في كوريا  الشمالية, وميغيل دياز كانيل في كوبا. إن أهم عامل في انحسار ظهور أشكال جديدة من القيادات التي عرفت بالماضي بعالم اليوم هو انتشار المبادئ الديمقراطية بمعظم دول العالم، وندرة وقوع الانقلابات والثورات بعد أن أصبحت تجابه بردود أفعال قوية مضادة وعقوبات اقتصادية موجعة، وعدم اعتراف دول العالم بأي نظام حكم جديد يحل بالقوة في أي دولة بالعالم. العامل الثاني المهم في انحسار القيادات الدكتاتورية هو تطور المجتمعات بحيث أصبح المنافقون والانتهازيون، وغيرهم من صانعي الدكتاتوريات منبوذين بالمجتمع، ويتعرضون لحروب لا هوادة فيها بمجرد أن يظهر صيتهم، وتعلو أصواتهم مما يجعل البيئة التي كانت صالحة بالماضي لنشوئهم وبروزهم غير موجودة، أو على الأقل ليست أرضا خصبة الآن كما كانت بالسابق. سبب آخر أسهم في انحسار الدكتاتوريات هو التطور العلمي، ووجود شبكة الإنترنت، وإنتشار مواقع التواصل الإجتماعي مما جعل بالإمكان إيصال الأصوات وسماع الصرخات عند وقوع أي نوع من الظلم والبطش، وفضح مجريات الأحداث بما يجعلها عارية أمام المجتمع الإنساني، ويسهل إدانتها والوقوف بالضد منها. الشيء الجديد أيضا هو أن المجتمع الدولي صار لا يتوانى عن فرض العقوبات ومحاصرة النظم الدكتاتورية وإصابتها بالعجز الاقتصادي والشلل لتسهيل وصولها إلى نهايتها، وتمكين الشعوب المقهورة من نيل حريتها مرة أخرى، ولنا بما جرى بسوريا مؤخرا خير مثال على هذا الحال. لذلك, وبظل هذه الاحوال تصبح فرص عودة الدكتاتوريات التي كانت سائدة بالماضي ضئيلة جدا بعالم اليوم. 

 

ومع تواري القيادات الدكتاتورية بصورتها التقليدية, وغيابها عن السلطة تحولت الدول إلى كيانات جديدة لا تشبه الكيانات التي كانت سائدة بالماضي، ووجد نوعا جديدا من الحكام يختلفون كليا عن حكام القرن العشرين. صارت الدول كأنها شركات استثمارية، وصار من يصعد للحكم فيها ليسوا غير مدراء يحملون بجعبتهم برامج عمل لتحسين الأحوال وتطوير الإمكانات والنهوض بالمجتمعات لما هو أفضل وأحسن. ليس هذا فقط، بل تم بقوة تفعيل النصف المعطل من المجتمع ليأخذ دوره بالحكم، وصار من المعتاد جدا صعود النساء إلى المواقع الأولى بالدول والمؤسسات الدولية، ولو ألقينا على سبيل المثال نظرة سريعة على مقاعد مجلس الأمن حاليا لوجدنا نصفها تقريبا مشغولة بنساء. ما من شك بأن هذا الحال يمثل قفزة من التطور لا مثيل لها، ويبشر بعصر إنساني جديد سيكون أفضل بكل الأحوال من العصر السابق الذي لم يتمخض عنه سوى الحروب والمنازعات والأزمات. وكعادة بعض البشر بكل الأزمان في رفض ما هو جديد، لا زال هناك من يحن للماضي، ويتمنى عودة النظم الدكتاتورية إلى سابق عهدها، ويُسمع من حين لآخر أصواتا نشاز تنتقد ما هو موجود الآن، وتصف حكام اليوم بالعجز والضعف، وتنادي بعودة مظاهر القوة والتسلط لإدارة أنظمة الحكم والدول بحجة أنها أصلح لقيادة سفينة البلاد، وأفضل من يحميها من الغرق. ليس هناك ما يقال لمثل هؤلاء غير أنهم على خطأ جسيم، وأنهم ليسوا غير صور جديدة من المنافقين والانتهازيين, فكم هناك من قيادات أغرقت السفن ولم تحمها من الغرق, ودمرت البلدان وقضت على الشعوب. لذلك، يجب عدم ترك أي مجال لعودة الدكتاتوريات مرة أخرى بعالم اليوم، ويجب ألا يسمح لأي لحاكم مطلقا مهما كان وضعه بالبقاء بكرسي الحكم لأكثر من دورة، أو دورتين كحد أقصى، فهناك من العقول والإمكانات ما يجب أن تأخذ فرصتها ودورها في سكب ما تحمله من ذكاء وفطنة وعلم في دورق التقدم، وتضع لبنتها في سلم البناء والتطور.

 

 

 

وسام الشالجي 

24 – 5 - 2026

 




الخميس، 21 مايو 2026

انشودة شعب العراق الحر ثار لأم كلثوم

 إنشودة رائعة لكوكب الشرق الفنانة أم كلثوم قدمت يوم 17 شباط عام 1963, أي بعد تسعة أيام من وقوع حركة 8 شباط بنفس العام, وهي من كلمات عبد الوهاب محمد وألحان رياض السنباطي. يتصور الكثير من الناس أن هذه الإنشودة قدمت بعد ثورة 14 تموز عام 1958 وهذا خطأ تاريخي جسيم, لأن الأغنية التي قدمت بذلك الوقت هي إنشودة (بغداد يا قلعة الأسود) وليس هذه الإنشودة

 


 

مونولوج "أرد أنصح مرتي أم قدوري" للمونولوجست المبدع حسين علي


 

الأغنية النادرة "قلبي يقول محبوبك هجرني" للفنان عباس جميل

  


 

 

خمس مصادفات وراء نجاح ثورة 14 تموز بالعراق