الخميس، 23 نوفمبر 2051

الانطلاقة ...

منذ وقت طويل وأنا أفكر بإنشاء موقع خاص بي , فلسنين عديدة تشتت نتاجاتي في العديد من المواقع حتى ضاعت في دهاليزها وتبددت في أروقتها ولم تجذب الاهتمام كما أشتهي. وبين كثرة النشاطات التي دأبت على القيام بها وتنوعها ما بين كتابة المقالة والقصة وإنجاز الدراسات والبحوث والعديد من الاهتمامات الأخرى, كان دائما ما يخطر على بالي بضرورة أن أجمعها في موقع واحد لكي يستفيد منها الأخرون اولا ولكي يشجعني تكثفها على المضي في إنتاج المزيد ثانيا. وبعد طول انتظار ها أنذا أبدأ خطوتي الأولى في إنشاء هذا الموقع الخاص بي, والذي اخترت له بالبداية تسمية (أيامي) لحبي الشديد لمقطوعة للموسيقار محمد عبد الوهاب التي تحمل نفس هذا الاسم والتي تأثرت بها وولعت بها منذ صغري .

أسأل الله تعالى بأن يوفقني بهذه الانطلاقة وأن يجلب الاهتمام إلى نشاطاتي المتنوعة, وأن يحقق غايتي في خدمة الآخرين دون أن أسأل من وراء ذلك أجرا أو فائدة, والله من وراء القصد .

 

وسام الشالجي

26 ايلول 2012

_____________________________________

 

سأكتب , لا يهم لمن

سأكتب هذه الأسطر  ...

فحسبي أن أبوح هنا 

لوجه البوح لا أكثر ....

حروف لا مبالية

أبعثرها على دفتر ...

بلا أمل بأن تبقى

بلا أمل بأن تنشر ...

 

نزار قباني

 




السبت، 30 مايو 2026

الفساد بالعراق, هل هو ظاهرة عابرة, أم مرض, أم وباء, أم داء متأصل؟

 منذ بدأ فرض الحصار الاقتصادي على العراق عام 1990 انتشرت حالة بالعراق فرضتها الظروف الاقتصادية السيئة ألا وهي تفشي ظاهرة الرشوة والابتزاز. ظن الناس بالبداية بأن هذه الحالة هي أمر طارئ فرضته الظروف الاقتصادية والتضخم وتدني قيمة العملة النقدية، وأنها ستزول حتما بمجرد انتهاء الحصار وعودة الأمور إلى طبيعتها. هذا ما اعتقده الناس بتلك الفترة, لكن الأمور على حقيقتها كانت مختلفة تماما بدليل بقاء الحال على ما هو عليه، بل حتى تفاقمه وتزايده وتطوره بعد العام 2003، ورفع الحصار الاقتصادي، وارتفاع قيمة العملة والتحسن الكبير الذي وقع بسلم الرواتب. ما حدث عام 1991 بحقيقة الأمر هو أن الدولة صارت تغض النظر بعض الشيء عن حالات الرشوة، خصوصا تلك المتعلقة بممارسات الموظفين اليومية مع المراجعين؛ لأنها كانت تعرف وتدرك مدى التدني الخطير الذي وقع بقيمة الرواتب التي تدفعها لهم، ومردوداتها المادية، وبالتالي، صارت لا تحاسب الموظف على ما يأخذه من المراجعين من رشاوٍ وإتاوات لقاء تمشية معاملاتهم. نعم، ما من شك بأن الأوضاع الاقتصادية بالتسعينيات كانت تبرر مثل هذه الممارسات، لكن من المستحيل تبرير استمرار هذه الظاهرة، وحتى تزايدها بالسنوات التي تلت سقوط النظام السابق وزوال مسبباتها الاقتصادية.

 

كانت هذه الممارسات الفاسدة بالتسعينيات لا تتجاوز قيام الموظفين العموميين بأخذ العطايا والرشاوي من المواطنين أصحاب المعاملات الحكومية لقاء تمشية معاملاتهم، لكن بعد العام 2003 تطورت وازدهرت الأحوال، وتحول الفساد من مجرد أخذ رشوة إلى مد اليد للمال العام بعمليات اختلاس أخذت تتطور وتكبر هي الأخرى حتى وصلت ببعض مراحلها إلى أرقام فلكية يصعب تصورها. كانت الدولة بالعهود التي سبقت العام 2003 لا تتساهل مطلقا مع أي حالة من حالات سرقة المال العام، فقد كانت تحلق رأس المسؤول وتعرضه بالتلفاز حتى لو كان المبلغ المسروق لا يتجاوز العشرة دنانير، علاوة على اعتبار هذا النوع من الجرائم من الجرائم المخلة بالشرف. لم يتوقف الأمر عند هذا الحال بل امتد إلى غير الموظفين حيث صار بعض المنتفعين يتقدمون إلى مناقصات المشاريع الحكومية، ويتوسطون للفوز بها، وحين ترسو عليهم يبدءون ولو ظاهريا ببعض الأعمال التي تصور شروعهم بالتنفيذ مما يسهل عليهم الحصول على سلف حكومية لإكمال العمل، لينتهي الأمر بفرار المقاول أو المتعهد لخارج العراق حاملا معه كل ما حصل عليه من أموال تاركا المشروع يترنح في مكانه، وهناك مئات إن لم يكن الآلاف من مثل هذه الحالات.

 

ولكي نحصر الموضوع بزاوية ضيقة سنعتبر كلمة "الفساد" في المجتمع العراقي بالوقت الراهن مرهونة بحالة امتداد اليد إلى المال العام، أما كل حالات الكسب غير المشروع الأخرى مهما اختلفت، فسننظر إليها كجرائم وتجاوزات عادية يوجد لها قوانين وتشريعات تعالجها وتقتص ممن يمارسها. الكثير من الكتاب والخبراء حاولوا تحليل ظاهرة الفساد لاكتشاف أسبابها ومعرفة دوافعها، فخلص البعض إلى أنها ليست غير وباء مستشرٍ ينتقل من فرد لآخر كما ينتقل المرض بالعدوى، بينما يعتقد البعض الآخر بأنه مرض معدي بدأ ضيقا لكنه تفشى وتحول مع الوقت إلى وباء قاتل يفتك بالمجتمع بلا هوادة. أما كاتب هذه السطور، فهو يرى بأن الفساد بالعراق هو داء متأصل يرجع إلى وجود أمراض اجتماعية خطيرة متفشية بالمجتمع العراقي ترجع منابعها إلى قلب الكيان الأسري. يبقى هذه الداء مزروع ومكبوت بالنفس، وما أن يجد منفذ لكي ينطلق من القمقم الذي يحبسه حتى ينطلق إلى العلن، ويكشر عن أنيابه، بالضبط كما جرى حين تساهلت الدولة عن حالات الرشوة البسيطة، وغضت النظر عن مرتكبيها. يبدأ هذا الداء بالتكون حين يغض الأب أو الأم الطرف عن أي تجاوز يقوم به الطفل في المراحل المبكرة من حياته حين يجدون بحوزته أشياء لا تعود إلى البيت، ويعتبرون عمله بالحصول عليها من أنواع الشطارة، فهنا يكونون قد وضعوا الحجر الأساس لأي تجاوز يقوم به هذا الطفل بالمستقبل. وهناك حالات يطلب فيها بعض الآباء من أبنائهم الخروج من البيت، وألا يعودوا إليه إلا ومعهم بعض الأموال أو الأشياء التي يمكن بيعها، فما المتوقع أن تصبح عليه الأحوال حين يكبر هؤلاء غير أن يصبحوا حرامية وسراقا. أما الكيان الأسري فبالتأكيد سيصبح بمثل هذه الحالات كله مريضا، ولن يتوقف الأمر عند الأبناء الذي وقع عليهم الضرر بصورة مباشرة، بل حتى الأبناء الذين نجوا من مثل هذه الضغوط لن يكونوا بمأمن من الداء الذي زرع بنفوس أمثالهم ممن يعيشون معهم وحواليهم، وحين يكبر هؤلاء، وينخرطون بوظيفة أو مصلحة لن يكونوا أمينين عليها حتما، وسيصبحون فاسدين بالضرورة.

 

الفساد بتعريفه الذي حددناه لا يقتصر على المسؤولين الكبار فقط بل هو ممتد حتى الى أصغر موظف بالدولة, حتى وإن كان قد تعين للتو بوظيفة حكومية. والفساد لا يقتصر على سرقة المال العام فقط، بل أن أي نوع من الاستحواذ على الممتلكات الحكومية مهما كانت بسيطة حتى ولو كانت قلم كتابة هو نوع من انواع الفساد. لو تم إلقاء نظرة عميقة إلى موجودات أي مؤسسة حكومية او مصنع بعد إنتهاء الشركة المتعاقدة من بنائها أو إنشائها، ثم جرى إلقاء نفس النظرة عليها بعد سنة أو أكثر وعملنا مقارنة بين الصورتين لتملكنا العجب وحتى الفزع من الفروقات التي حصلت بتلك الموجودات, لأن ما لا يقل عن نصفها أو أكثر سيكون قد سرق وإختفى. تحدث احد مدراء المستشفيات الحكومية الجديدة للكاتب وقال له بأنه باليوم الأول الذي تسلم به إدارة المستشفى من الشركة المنفذة ألقى نظرة من شباك غرفته على كادر المستشفى وهم يغادرونها بعد نهاية الدوام الرسمي فوجد بأن قاطبتهم يحملون بأيديهم أكياس سوداء لا يعرف ابدا ماذا بداخلها. إن هذا المثل هو تجسيد حي للفساد المزروع بالنفس العراقية, حتى يمكن أن يقال بأن كل عراقي يحمل بين اضلاعه مشروع فساد قابل للظهور بيوم من الأيام.

 

 

وسام الشالجي

31-5-2026

الجمعة، 29 مايو 2026

دعوات علي الزيدي بالخصخصة طريق واعد لابد من المضي به

 نادى مؤخرا رئيس الوزراء العراقي الجديد علي الزيدي بضرورة خصخصة قطاعات واسعة في العراق مثل الكهرباء والماء والتعليم، وغيرها. وما إن انطلقت هذه الدعوى حتى ارتفعت أصوات معارضة شديدة تجاه هذه النيات بذريعة عدم تمكن شرائح كبيرة من أفراد الشعب العراقي على دفع تكاليف مثل هذه الخدمات فيما لو أصبحت بإدارة القطاع الخاص. عرفت بعض التوجهات الاشتراكية بالعراق منذ وقت طويل يعود إلى عهد تأسيس الدولة العراقية الحديثة عام 1921، فعلى مدى عمر هذه الدولة كان التعليم مجانيا، والرعاية الصحية مجانية، وحتى أسعار بعض الخدمات مثل الكهرباء والماء كانت أقرب لأن تكون رمزية فيما لو قورنت بمثيلاتها بالدول الأخرى. شكلت كلفة هذه الخدمات ثقلا كبيرا على ميزانية الدولة، ولولا وجود العائدات النفطية لأفلست الدولة منذ وقت بعيد؛ لأن كل مصادر الدخل القومي الأخرى كانت قليلة تكاد لا تسد نفقات تشغيل دولة مثل العراق. ونتيجة للسير بهذا الخط الاقتصادي اعتاد أفراد الشعب العراقي على هذه الفوائد والتسهيلات، واعتبرها حقا من حقوقه التي يجب ألا يتنازل عنها في أي حال من الأحوال. واستمرارا بهذا النهج ظلت كلف هذه الخدمات العامة تأكل نسبا كبيرة من العائدات النفطية مما عطل في مراحل كثيرة عجلة التنمية والتطور، وبقي العراق دولة متأخرة، خصوصا إذا ما قورن بدول أخرى مجاورة قطعت أشواطا بعيدة في سلم التقدم والازدهار.

 

أثبتت الاشتراكية على مدى تاريخها بالعالم بأنها نظام اقتصادي فاشل، فعلى الرغم من أنها تضمن لقمة العيش والرعاية الصحية بحدها الأدنى لشرائح الشعب كافة، إلا أنها بنفس الوقت أداة فاعلة مسببة للتأخر والتراجع على المستوى الحضاري والإنساني والترفيهي لسبب بسيط هو أنها تحارب الملكية الخاصة مما يقتل عند الفرد الرغبة بالتطور والتميز. أعظم تعريف عملي للاشتراكية هي أنها النظام الاقتصادي الذي يوزع الفقر بعدالة على الجميع. وبالعراق كانت أغلب النظم الجمهورية التي حكمت الدولة بعد عام 1958 هي أنظمة اشتراكية، وقد تبنت هذا الخط؛ لأنها عرفت مبكرا بأن المال هو قوة هائلة لا يستهان بها يمكن أن يفعل أي شيء، وخوفا من أن تستخدم هذه القوة ضدها صارت لا تريد أن تتكون داخل الدولة قوى مالية يمكن أن تهدد مضاجعها. ومع أن العهد الجمهوري الأول بقيادة الزعيم عبد الكريم قاسم كان نظاما يساري التوجه، إلا أنه لم يطبق حقيقة أي مفردة اشتراكية بشكل مباشر على مدى سنوات ذلك النظام. عرف العراق الاشتراكية لأول مرة بوجهها الكالح عام 1964 حين أمم عبد السلام عارف مقتديا بمصر جميع شركات ومؤسسات القطاع الخاص. كانت تلك الشركات والمؤسسات كيانات ناجحة ومزدهرة تعزز الاقتصاد العراقي بشتى المجالات من بينها تصدير منتجاتها إلى الخارج مما كان يحقق مصادر دخل إضافية للعراق، إضافة إلى تشغيل شرائح واسعة من أفراد الشعب. وبعد تأميم تلك الشركات والمؤسسات وتحويلها إلى القطاع العام أصبحت شركات فاشلة وخاسرة، فأخذت الدولة تدعمها وتبقيها واقفة على أرجلها من عائدات النفط العراقي التي حققت قفزات مالية كبرى في أواسط السبعينيات، وما بعدها. ظل هذا الحال على ما هو عليه حتى عام 2003, فمع أن الدعوات قد انطلقت بعده لتصحيح المسار الاقتصادي وترك الاشتراكية إلا أن هذا لم يتحقق بسبب الرفض الجماهيري الواسع لأي محاولة جادة لتطبيقه, وظل الاقتصاد العراقي شبه مشلول بسبب تكبيله بالتزامات مالية ضخمة.

 

واليوم يطل علينا رئيس الوزراء الجديد، العقلية الاقتصادية المجربة والواعدة بإحياء الفكرة من جديد وينادي بإلغاء الغطاء العام، وخصخصة كل النشاطات الاقتصادية بالدولة. ألا يكفينا بأن قطاع الكهرباء مشلول منذ حوالي ربع قرن؟ ألا يكفينا أن المواطن لا يصل لبيته ماء نظيف وصالح للشرب والإستعمال؟ ألا يكفينا بأن أولادنا يذهبون لمدارس لا رحلات فيها ولا صفوف تحمي من برد أو حر؟ وبالمقابل، يبتز جيوبنا أصحاب المولدات الكهربائية الأهلية، ونشتري ما نشربه من ماء بدوارق وقناني بلاستيكية، ونسجل أولادنا بالمدارس الأهلية التي تضمن الرعاية والتربية الصحيحة، ونرسل أبناءنا وبناتنا الكبار ليدرسوا بالجامعات والكليات الأهلية. لماذا نفعل كل هذا ولا نشتكي؟ بينما نحتج وننفعل إذا ما قالت الدولة بأن هذا ما يجب أن يصبح عليه الحال. لماذا ندفع الأموال بإختيارنا وبطيب خاطر لأصحاب هذه النشاطات، بينما نغضب بشدة إذا ما صار هذا هو الحال الرسمي بالدولة؟ لا تقفوا بوجه دعوات رئيس الوزراء، بل ساندوه، وادعموه لكي يبني تجربته في خلق عراق جديد ويسير بمسار نجحت كل الدول التي اختطته طريقا لها. من المؤكد بانه لو تحققت الخصخصة فعلا كما يريد لها هذا الرجل أن تكون عليه فمن المتوقع بأنه خلال عشر سنوات قادمة سيقفز العراق خطا واسعة بعجلة التطور والتقدم والازدهار، وكل آت قريب، وإن غدا لناظره قريبا.

 

 

وسام الشالجي

29-5-2026