الأربعاء، 18 ديسمبر 2019

خواطر بالأسود والأبيض - ماالذي أبقاه لي الزمن في الوطن لأحن له وأتوق إليه

تعتز كل دول العالم بماضيها وتراثها وتتفاخر بمعالمها الاثرية , خصوصا التاريخية منها وتحاول جهد الإمكان الحفاظ عليها وصيانتها والإبقاء عليها بنفس صورتها الاصلية مهما كانت قديمة ومتداعية . لا يختص الأمر فقط بما له علاقة بالتاريخ بل قد يمتد إلى كل شيء قديم بما في ذلك التسميات والمعالم العامة . وحين يقتضي الأمر تحديث بعض جوانب المدن في مثل هذه الدول يتم عادة الحفاظ على الأماكن العامة ذات الصفة التراثية من دون إجراء اي تغيير جوهري عليها أو على ما حواليها وتخطيط أجراءات التحديث بحيث لا تمسها باي شكل من الاشكال . وأود هنا أن اروي حكاية مرت بي تتعلق بهذا الأمر . في عام 1984 كنت أدرس في أنكلترة وقد زارني بوقتها المرحوم الوالد وقد خرجت معه في أحد الأيام بجولة في بعض مناطق لندن . وكان الوالد قد عاش في بعض مناطق لندن في بداية عقد الخمسينات حين كان ملتحقا بأحدى الدورات العسكرية التي عقدت هناك , وقد طلب مني أن أخذه إلى نفس تلك المناطق . وما إن وصلنا إلى هناك حتى لاحظت بأن الشجون قد ثارت في نفسه بشدة وتقاطرت الذكريات على خاطره , خصوصا حين وجد تلك المناطق لا زالت على حالها تقريبا من دون حصول أي تغير كبير فيها . توقف أمام نفس البناية التي كانت شقته فيها وتذكر ايامه التي عاشها هناك والتي كان قد مر عليها اكثر من ثلاثين عاما وهي لازالت على حالها كما تركها , وحتى الشارع الذي كانت تقع فيه لم يحصل به اي تبدل جوهري . استمرينا بجولتنا تلك حيث مررنا بجانب نفس البنك الذي كانت تأتي تحويلاته المالية إليه ومررنا بنفس المحلات التي كان يتبضع منها ونفس مكتب البريد الذي كان يرسل منه رسائله , وتوقفنا عند نفس منطقة الباص التي كان يستقل حافلة لندن الشهيرة منها , حتى أنه وجد أرقام الباصات التي كان يركبها لازالت هي هي من دون أي تغيير . كانت جولة جميلة تركت نشوة كبيرة في نفس المرحوم وأنعشت ذكرياته التي كان يحملها عن فترة جميلة عاشها في مدينة الضباب . تركت تلك الواقعة أثرا كبيرا في نفسي وأدركت كم أن الذكريات هي أمور عزيزة على المرء لأنها تشكل جزء من حياته وماضيه . كما عرفت من تلك الجولة أيضا كم إن الإنكليز شعب محافظ يتمسك بتراثه وتاريخه ويحاول دائما الإبقاء على ماضيه كما هو من دون تغيير , وحتى حين يستدعي الأمر إقامة بناء جديد وإجراء تطوير وتحديث ما فهم يعملونه من دون المساس بطابع المدينة العام . ومن الأدلة على ذلك هو أني حين كنت أمر على سبيل المثال في شارع أوكسفورد واقرأ تاريخ بناء الأبنية الموجودة فيه أجد بأن أكثرها يعود لأكثر من مئة سنة لكن ما أن أدخل إلى إحداها حتى أجد منتهى الحداثة والتطور بداخلها , وكانوا بهذا يحافظون على شكل الشارع من الخارج كما كان بالماضي وبنفس الوقت يجعلون أبنيته من الداخل مواكبة للعصر وتساير التطور الحاصل .



مرت السنون وكبرت بالعمر ووصلت إلى مراحل أصبحت فيها احن إلى الماضي بنفس اللهفة التي لمستها عند الوالد اثناء جولتي معه , وصرت أتمنى زيارة الاماكن التي شهدت طفولتي ومراهقتي وشبابي . وقعت تجربتي الأولى بهذا المضمار في أواسط التسعينات حين قررت زيارة مدينة البصرة التي هي مرتع طفولتي وفيها عشت جانب من مراهقتي , وكان قد مر على مفارقتي لها أكثر من ثلاثين عاما . قررت أن اسافر إلى البصرة بوقتها بالقطار , تماما كما كنت أفعل حين كنت بطفولتي أتردد بين البصرة وبغداد محاولا تذكر تلك الرحلات الجميلة حيث غرف النوم المكيفة الفاخرة ذات الافرشة الوثيرة والتيتي الذي يقوم بخدمة الركاب ويجلب الطعام لهم حسب الطلب إلى الغرفة وصوت القطار الذي تثير ضربات دواليبه المتعة بالنفس . كان أول مكان إفتقدته بالسفرة الجديدة هو محطة غربي بغداد التي كانت قد ازيلت من زمان مع زوال الخط المتري أواخر الستينات , فقد سافرت هذه المرة من محطة قطار الكاظمية مستقلا القطار النازل من الموصل والمتوجه إلى البصرة والذي كان يسمى بحينها بـ "قطار التحدي". قضيت ليلة السفر بالقطار الذي لم يكن ابدا كقطارات الماضي فقد كان مظلما وبائسا لا تيتي فيه ولا خدمة ولا طعام وتطوف فيه ذهابا وإيابا فرق الحرس المدججة بالسلاح لتزيل من نفوس الركاب اي شعور بمتعة الرحلة . نزلت بالبصرة وبقيت فيها لحوالي إسبوع ووضعت لنفسي برنامج نويت فيه زيارة كل الاماكن التي اعرفها ولي ذكريات فيها . ما إن بدأت يومي الأول أتجول في تلك المدينة حتى صعقني ما رايته فيها حيث وجدت كل شيء بها قد تغير , فلا الشوارع هي نفس الشوارع ولا الابنية هي نفس الابنية ولا الأزقة هي نفس الأزقة . وجدت نفسي غريبا أطوف في مدينة لا اعرفها وأمر في مناطق لم اعش بها , وكم كنت أبحث جاهدا في بعض الاحيان عن معلم معين أتذكره لكي أراه مرة اخرى , أو بيت عشت فيه لكي أكحل عيني بمنظره ثانية فلا أجد هذا ولا أعثر على ذاك . ومع ذلك فقد حظيت بوقتها برؤية مواقع كانت لا زالت ولله الحمد على حالها كالمدارس التي درست بها وبعض المواقع العامة كسوق المغايز (الهنود) وسوق حنا الشيخ , اما ما عداها فقد ذهب أغلبها مع ذهاب الماضي إلى لا رجعة . أقنعت نفسي بوقتها بأن هذا طبيعي وهو ضريبة التطور والتوسع الذي حصل بالمدينة , وانني يجب أن أتقبل الأمر فالبصرة هي ليست لندن وإن تأخرها بالسابق يستدعي هدم الكثير من أماكنها وإحداث ثورة معمارية فيها أتت حتما على معظم الأماكن التي أحمل ذكريات فيها . عدت بعد إنقضاء الإسبوع البائس الذي قصيته هناك إلى بغداد وأنا لا أحمل أي رغبة في زيارة البصرة مرة أخرى بعد أن زال منها معظم ما أعرفه وأحمل ذكريات جميلة عنه .      



وتمر سنون أخرى وقعت الكثير من الأحداث خلالها وتبدلت معظم الأحوال في البلاد وإمتدت رياح التغيير لتشمل أماكن عشت فيها بمدينة بغداد نفسها التي أسكنها , وكم كان الحزن الشديد يأخذني والألم يعتصرني حين أرى أماكن لي ذكريات جميلة فيها تزول من الوجود أو تتغير إلى أشكال أخرى . كان أكثر مكان حزنت عليه بعد زواله هو ابنية كلية العلوم بالأعظمية التي شهدت دراستي الجامعية وتعرفت فيها على معظم اصحاب العمر ولم يتبقى منها سوى أطلال تغيرت معالمها ومسحت منها كل ذكرى يحملها من عاش بها في الماضي . السينمات التي كنت ارتادها بكثرة اقفلت ابوابها وجرى هدم بعضها كما حصل لسينما الأعظمية العريقة التي رأيت فيها عشرات الأفلام التي لا تزال عالقة بذاكرتي . محلات شهيرة كنت أرتادها بالماضي غابت عن الوجود كأورزدي باك شارع الرشيد وكافتيريته الجميلة المطلة على النهر والقهوة البرازيلية وكافيه بغداد ومطعم ابو يونان الشهير ولم يتبقى منها حتى أثر بسيط . نوادي وأماكن سهرة كثيرة كنت أرتادها مع أصدقائي أيام الشباب مثل نادي المنصور وماركيز ورومانس وعشرات الأماكن الأخرى إندثرت وإختفت من خريطة بغداد . ساحة التحرير الجميلة التي كانت موضعا لأخذ الصور التذكارية تحولت إلى سوق جديد للهرج وبيع اللنكات ومكان للتقفيص والنصب والإحتيال . سوق الصفافير العريق البديع أخذ شيئا فشيئا يفقد طابعه وراح الصفارون يغلقون ابواب محلاتهم فيه ويهجرونه خلال سنوات الحصار وتوقف مجيء السواح وغياب معظم رواده القدامى وتحول تدريجيا الى سوق للقماش ليس فيه اي تراث أو جمالية . سوق الهرج بالميدان حيث كانت تباع العنتيكات والأجهزة الصوتية والأسطونات القديمة تحول مع الوقت إلى سوق خرب وبائس ليس فيه سوى بسطيات تباع بها مواد تافهة . المكان الوحيد الذي كنت ارى فيه شيء من الماضي وأشعر بالمتعة عند زيارتي له كل أسبوع وأجده محافظا على هيئته ووضعه كما كان سابقا هو شارع المتنبي وسوق السراي . ومما حزنت عليه بشدة بالغة هو الحريق الذي اصاب مكتبة المثنى العريقة عام 1999 والتي كانت تمثل جزء حي من ذكريات طفولتي حين كنت ارتادها بصغري لشراء كتب وقصص الأطفال , وبالذات مجلدات مجلتي الحبيبة "سندباد" . ومع ذلك بقيت مواظبا على زيارة شارع المتنبي كل جمعة , وكم كنت أحزن في تلك الزيارات حين كنت ارى شارع الرشيد الذي هو قلب بغداد النابض والذي عشنا فيه أجمل ايامنا يتهدم ويتداعى بعد أن جرى عن عمد إهماله وتخريبه بعد عام 2003 وتحويله إلى شارع لايمت لماضيه بصلة . لم يرضى القدر بما تبقى لي من أماكن أحمل بعض الذكريات فيها فأتى أخيرا على واحد من أهمها حين طالت يد الأرهاب بتفجيرها الإجرامي عام 2007 شارع المتنبي فاحرقت كل المكتبات الشهيرة فيه , ومن يومها توقفت زياراتي له ألى الأبد .  



في أواسط عام 2007 غادرت العراق كما فعل مئات الألاف من الناس بعد الخراب الذي حل به والخطر الجسيم الذي صار يتهددنا فيه وإستقريت في ديار الغربة وصار عندي وطن جديد ومحيط جديد وبيت جديد وأماكن عمل جديدة , وحتى اصحاب ومعارف جدد . نعم , تكون لي في الغربة عالم ثاني جديد بكل شيء فيه لا يمت باي صلة لعالمي السابق , لكنه ظل للأسف عالم فاقد الطعم والحلاوة رغم كل الميزات الجيدة التي يحملها . كان السبب بهذا هو العمر المتقدم الذي وقعت الهجرة فيه فقد ظل القلب يهفوا إلى الايام الخوالي التي شهدت ايام العمر الاولى . ومع مضي السنوات بديار المهجر كنت أراقب كل ما يجري بالوطن وارى عن كثب معاول الهدم تستمر بعملها لتطال كل ما ظل محافظا على هيئته وصورته السابقة وتقضي على كل ما يصاحبها من ذكريات . فقد زال البيت الذي قصيت فيه عمر المراهقة والشباب من الوجود وحلت محله عمارة جديدة . وإختفى بيت الزواج والاسرة والمكان الذي ولد به أولادي وشهدوا طفولتهم فيه ومسح من الصورة , وتبدل حتى شكل الشارع الذي كان فيه . وإختفى شارع المتنبي القديم وحل محله شارع جديد حديث أكاد لا أعرفه لاني لم أره من قبل . وحتى الأماكن التي لا زلت اعرفها كنادي العلوية ونادي الصيد فقد تغيرت معالمها كثيرا وتبدل روادها كما كنت ألاحظ من الصور . ليس هذا فقط , بل حتى الأماكن التي عملت بها طول عمري كمعهد النفط ووزارة النفط وفندق القناة حيث مقر الأمم المتحدة فقد تغيرت معالمها هي الأخرى وتبدل بشرها واصبحت لا أعرف أحدا فيها , وغير هذا الكثير والكثير .



وهكذا أتى الزمن على كل حياتي السابقة التي عشتها بعراقي الحبيب , وأزال من الوجود كل مواطن الذكريات الجميلة وعبث بكل الصور المطبوعة بالمخيلة وسحق كل الجماليات التي ظللت دائما أتمنى الرجعة إليها . تذكرت وانا أكتب هذه الخاطرة الكلمات التي ترنم بها كاظم الساهر حين قال

نفيت وإستوطن الاغراب في بلدي .... ودمروا كل اشيائي الحبيبات

ووجدت نفسي بذات الحال أتسائل وأقول :

مالذي أبقاه لي الزمن في الوطن لأحن له وأتوق إليه



وسام الشالجي

18 كانون الثاني 2019


























الثلاثاء، 17 ديسمبر 2019

قطرات من عصارة الذات - كيف ضاعت الوطنية في متاهة تقاطع المعتقدات السياسية ؟

الوطنية هي الشعور بالإنتماء والتعلق والألتزام والولاء والإخلاص لكيان معين يسمى "الوطن" يمكن أن يكون أمة أو بلد أو مجتمع ذو صفات محددة . والوطنية تتجسد وتتأصل حين يعطي الوطن للمواطن الذي يعيش فيه فوائد وخدمات وإمتيازات تجعل من أسس الصلة بينهما قوية ومتينة يصعب فك عراها وتذويبها . والوطنية تأخذ أبعادها بالعمل المخلص الدؤوب من أجل عزة ورفعة الوطن بما يجعله مستقلا من كافة النواحي كهدف أول , ومن ثم السعي لكي يبلغ درجة متقدمة من التطور والإزدهار بما يحقق السعادة والرفاه لمن يعيشون فيه . وتثبت الوطنية نفسها في مدى إستعداد الشخص ورغبته بالتضحية من أجل الوطن والقلق من أي سوء يمكن أن يصيبه والتصدي لأي خطر يتعرض له . لم تأخذ الوطنية في العراق في عصر ما قبل تأسيس الدولة الحديثة أبعادها المتكاملة بشكل واضح , وحتى لم تفلح بالتعبير عن نفسها كما يجب لتشكل عملا مؤثرا يستطيع أن يفرض وجوده , أو على الأقل أن يترك بصمته على ما يجري بالبلاد . أول ظهور حقيقي للوطنية في العراق حيث أخذت مكانتها فعلا وبدأت تتضح ملامحها كان بعد وقوع الإحتلال البريطاني على البلد عام 1917 , وقد ظهر ذلك واضحا عند وقوع ثورة العشرين ضد المحتل البريطاني . وبعد تأسيس الدولة العراقية في أب عام 1921 بدأ المخاض الوطني يظهر فاعلية بينة وبدأت الأصوات تتعالى بشكل مسموع لتنادي بمطالب تعبر بشكل أو بأخر عن مفردات وطنية لم تكن مطروقة بالسابق . قد يكون السبب وراء هذا التطور هو إنبثاق كيان سياسي إلى الوجود عرف من يومها بدولة إسمها "العراق" والذي لم يكن معروفا بالماضي ككيان مستقل بل كان مجرد بقعة من الأرض ملكتها أمبراطوريات متعاقبة مختلفة . وفي غضون عقدين من الزمن أو أزيد تطور الأمر أكثر حين صار بالساحة العراقية أحزاب وحركات سياسية ذات أفكار وعقائد مختلفة بعضها مستورد من الخارج وبعضها ولد في نفس البيئة , وصار لكل حزب أو حركة أتباع ومؤيدين يعملون بصفوفها ويكافحون من أجل تحقيق أهدافها . ونتيجة لهذا التطور تشكل بالبلد عالم متلاطم الأمواج تتصارع فيه الايديولوجيات التي تحاول كل منها أن تحشي بأدمغة الناس عقائدها وتقنعهم بأنها على حق وأن فكرها هو الصحيح والمثالي وإنه السبيل الوحيد لأن يصبح الوطن من خلاله جنة الغد الموعودة ويأخذ مكانه اللائق بين أمم ودول العالم . كان يمكن للأمر أن يبقى سليما وصحيا لو بقي بهذا الشكل غير أن الخطير الذي وقع هو أن عقائد تلك الأحزاب والحركات السياسية وأفكارها وأساليب عملها صارت تتقاطع تقاطعا شديدا , وراح كل منها يدعي بأن فكره وإسلوبه هو السبيل الوحيد والوطني المخلص لتحقيق الأهداف المنشودة للبلد وإن كل ما هو خلافه باطل , بل وحتى خائن بالرغم من أنها جميعا إتخذت من الوطنية لباسا لها . لم يقف الأمر عند حد التقاطع الأيديولوجي بل تطور ليصل إلى حد الإحتراب والتصارع والذي ظهر جليا وواضحا حين بدأت تلك الأحزاب والحركات بالوصول إلى السلطة وتتسلم مقاليد الحكم بالعراق بالتتابع . لقد كان ذلك الصراع والإحتراب يأخذ في بعض الأحيان حد كسر العظم والتصفية الشاملة التي لو نظر إليها بمنظار اليوم لوصفت بعمليات الإبادة الجماعية . وبين صراع فكر هذا الحزب مع عقيدة تلك الحركة ضد مباديء ذلك التنظيم ضاع الوطن وتبدد إستقلاله الذي ناله بصعوبة وتفرق شعبه وتفتت مجتمعه وضاعت ثروات البلد وتهدمت أركان الحضارة فيه وتشرد الملايين من أبنائه وتفشى الجهل وشاعت الخرافة في ربوعه حتى لم يبقى في الوجود كيان محترم يعتد به إسمه العراق .   

وكعراقي ولد بالنصف الثاني من القرن العشرين فقد نشأت محبا للوطن وملكت هذا الشعور الطبيعي منذ نعومة أظفاري . كان حبا غريزيا لم يرضعني إياه أحد , ولم يعبيء مشاعره في مخي أحد وإنما ولد معي وترعرع في كياني ونمى بداخلي كنمو جسدي كلما كبرت بالعمر . وحين بلغت من العمر أشده وبدأت أعي الأمور رحت أربط بين الوطنية الناشئة في داخلي بما يدور حولي كمحاولة لأن أجد نفسي في وسط هذا الجو الهائج . كان أول ما فطنت له ووجدته سائدا حوالي هو أن السلطة ومن خلفها المجتمع كانا يشنعان بضراوة لا مثيل لها على العهد الملكي ورجاله , وأن الوطنية هي كره ذلك العهد وكره رجاله وقادته . وبعد برهة من الزمن ليست بطويلة تغيرت الدنيا فجأة وصارت الوطنية هي كره الزعيم عبد الكريم قاسم - الرجل الذي أزال الملكية وكذلك معاداة الشيوعية الكافرة والإيمان بالوحدة العربية وحريتها وتطبيق الإشتراكية , وأن خير من يمثل كل هذا هو الفكر البعثي برداءه الأول . أشهر معدودة ثم تغير الزمن ثانية وأصبح البعثيون هم المكروهون هذه المرة بينما البدلاء القوميون هم الوطنيون وتغيرت الأهداف في ترتيبها من دون وقوع تغير جوهري بنوعها ومفهومها . سنوات قليلة أخرى وعاد البعثيون للسلطة لكن برداء أخر وعادت الأهداف القديمة بترتيبها الأول لتفرض نفسها , لكن المختلف هذه المرة والمميز هو محاولة الظهور بمظهر جديد حيث خفت حدة العداء للشيوعيين والقوميين حتى إن بعض رجالهم أخذوا بعض المواقع بالسلطة الجديدة . ويمر حوالي عقد من الزمان ويتغير حال البعث الموجود بالسلطة من دون تغير النظام ويلبس رداء جديد مختلف عن رداءه السابق كان من أهم مظاهره هو عبادة الشخصية بحدة فائقة وتقديس اعمالها والتي كان من بينها زج البلد بحروب لم يعرف ابدا مدى ضروراتها ولم تفهم موجباتها فسيق الناس إليها كما تساق قطعان الماشية للذبح . وبظل هذه الأوضاع الجديدة صارت الوطنية هذه المرة هي بتمجيد القائد والتغني ببطولاته والتطبيل لحروبه , وصارت تقاس بمدى الإستعداد للإنخراط بتلك الحروب وإظهار القوة والشجاعة وإبداء الباع الطويل فيها . أكثر من عقدين من الزمان مرت على هذا الحال تعددت فيها الحروب وشن الحصار على البلد فمرت السنوات ثقيلة وقاسية على الوطن المثقل بالضحايا وعلى شعبه البائس حتى صار الدعاء لنهايتها وإنكشاف ضرها جزءا من كل صلاة ومفردة على كل لسان . ثم يدور الزمان دورة كبرى ويحل عهد جديد فقد الوطن فيه إستقلاله وأطبقت فكوك المحتل على رقبته وأذا بفئات جديدة سبق وأن حاربت عهود سابقة للوصول للسلطة وفشلت تسفر عن وجوهها من بين دبابات المحتل لتقفز بعد برهة للسلطة وتجثم على صدور الناس . كان الكثير من هؤلاء رجال إدعوا التدين والنزاهة وتظاهروا بالعفة وقالوا بأنهم جاءوا بأمر من الله ليشيعوا العدل والمساواة ويقيموا حكمه على أرض الأنبياء والأئمة . بدى الأمر جميلا ومثاليا وهو يحمل مثل هذه الصورة البهية والقدسية اللامعة في البداية لكنه سرعان ما أخذ شكلا أخرا حين صار بموضع التطبيق حيث تحول ليصبح نقيض ذلك تماما . وبسرعة خاطفة تم إشاعة الفرقة في المجتمع وسادت الطائفية والعرقية وعم الإقتتال بعد فترة قصيرة وصارت التصفية الجسدية تجري على الأسم وعلى الهوية وحل التطهير العرقي والطائفي في كل مكان . ومع كل هذا السوء فقد تفشت أيضا الخطيئة وشاع الفساد وأنتشرت المحسوبية والرشوة والسرقة حتى وصلت إلى أرقام فلكية لم تعرفها اي من الدول على مدى تاريخ الإنسانية . وفي ظل هذا الوضع الغريب أخذت الوطنية في العراق رغم كل السوء والخراب الذي حل فيه شكلا جديدا تمثل في لبس العمامة وإطالة اللحية وإظهار بقعة على الجبين حتى ولو كانت مصنوعة بالأصباغ كدلالة على التدين والفضيلة والزهد ومخافة الله وكثرة التعبد والسجود . 

وفي غضون هذه الدورة من الزمن التي تغيرت فيها العهود والأنظمة التي مرت بالعراق والتي إستغرقت مدة من الزمن تمثل عمر كامل خلقت بداخل أي مواطن يعيش فيه إزدواجية (وربما تعددية) رهيبة وضياع سياسي مستفحل كان من نتائجه صعوبة الإدراك أين الصواب واين الخطأ في الافكار السياسية التي سادت بالبلد وتناوبت على الحكم . وكمواطن عراقي مر بكل هذه العهود وتعايش مع جميع تلك الأفكار لم أعرف أبدا أي منها فعلا كان هو الصحيح لكي أتمسك به وإعتنقه بقوة . وكانت النتيجة أن أسفرت الأزدواجية التي اشرت إليها عن نفسها بوضوح في تصرفاتي وافكاري حتى صرت أظن باني شخص متقلب ومشتت الافكار ولا احمل فكرا واضحا . فحين افكر بالطريقة المثلى لبناء الدولة الحرة لا أجد أفضل من النظام البرلماني الديمقراطي الرصين الذي يسود فيه القانون وإحترام حقوق الانسان لأجد نفسي وفق هذا التصور قد اصبحت ملكيا للنخاع . وحين افكر بضرورة تحرير العامل والفلاح من الإستغلال والإستبداد ومنحهم الحقوق والضمانات والحياة الكريمة التي يستحقونها أجد بأني قد أصبحت قاسميا , وحتى شيوعيا في عقليتي وتفكيري . وحين افكر بماضينا العريق وكيف كنا أمة مجيدة سادت بالعالم بسابق الزمان أرى من الضروري جدا العمل على إحياء تلك الأمة العظيمة وبناء دولة موحدة على غرار ما كنا عليه بتاريخنا الغابر لتأخذ مكانتها اللائقة بين الأمم فأصبح بموجب هذا الفكر بعثيا أصيلا . وحين انظر إلى مختلف القوميات السائدة بالأرض أنحاز بالضرورة للقومية العربية التي أنتمي إليها وارى فيها كل مقومات السمو والكمال فاصبح على ضوء ذلك قوميا عروبيا . وحين أنظر إلى الفرقة والتشتت الذي عم بالمجتمع ومدى الضياع الذي حل فيه لا أجد من حل لكل هذا في غير وجود نظام مركزي صارم يجمع الكل تحت مظلة وقيادة واحدة . وحين أنظر إلى السوء الذي تفشى في المجتمع وشيوع الجريمة وفقدان الأمان وأسباب الأنحراف وإرتكاب المعاصي والدوافع التي تشجع على السرقة وانتشار الفساد افكر بضرورة بناء المجتمع من جديد باسس سليمة والعمل على ترسيخ كيان الاسرة والحفاظ على بنيتها وتقوية الروابط الإجتماعية والعودة لتعاليم لله والدين التي تمنع الفسوق وإرتكاب الخطئية والرذيلة فأصير عندها صاحب فكر يماثل ما تدعوا إليه الأحزاب والحركات الدينية .

وفي ظل هذه التعددية بالنظرة والتشتت بالأفكار والقناعات أصبحت ضائعا وتاه أمامي الدرب ولم أعد أدري أين هو موضعي ولا اعرف ألى اين يتجه مؤشر بوصلة تفكيري . حاولت جاهدا لأن افتش عن نفسي بين هذه الأنقاض وأبحث عن الحقيقة حتى إكتشفت شيئا فشيئا بأن كل ما كنت أفكر به هو صحيح مئة بالمئة وإن لا شائبة فيه أبدا , وأن لا عيب موجود بعقلي وأن الخطأ هو في طبيعة الأفكار والعقائد التي نادت بها الحركات والاحزاب السياسية التي مرت بالعراق . ما من فكر سياسي معين مر بالعراق خلال المئة عام الماضية وما من توجه حكومي وأسلوب في الإدارة جرى تطبيقه كان صالحا وصحيحا ومثاليا وخالي من العيوب , وبنفس الوقت هو ليس خاطئا وسيئا بالكامل . إن كل واحد منها كان يحمل بين جنباته بعض ما هو صحيح ومناسب لو تم إختياره على حدة وترك الباقي الغير صالح منه . ولو تم جمع كل تلك الأراء والافكار الصحيحة في فكر واحد جديد مستقل وإعتمد كعقيدة سياسية وطبق بإخلاص وموضوعية لتم حل كل مشاكل البلد ولأستطعنا الخروج من عنق الزجاجة التي بقينا محصورين بها لمدة طويلة من الزمن . فيا ترى متى سيرى مثل هذا الفكر الجمعي النور ويأخذ موقعه كعقيدة عراقية خالصة إنبثقت من رحم المجتمع وتوحد الجميع تحت ظلها وتحقق للبلد كل ما ظل يصبو إليه لعشرات , وربما لمئات السنين .


د. وسام الشالجي
17 كانون الثاني 2019

الاثنين، 2 ديسمبر 2019

ألا يستحق العراق - كلمات شعرية

ألا يسـتحق العراق أن يكون دولة ذات شأن وباع
شعبه سـيد بأرضه ومواطنه يصان ويخدم ويطاع
ينعم بثرواته ويعيش بعز وكرامة ومستقبله مراع
مئة عام مرت وعراقنا فقير بائـس ملوي الذراع
نظام يلي نظام وما من غد يرتجى ولا أمل يشاع
بلا إستقلال ولا حرية ولا كرامة ولا حتى إشباع
شعب تائه وجموع ضائعة ملئت حياتهم الأوجاع
أموالهم سرقت وثرواتهم نهبت وطالتها الأطماع
شبابه بلا غد بلا عـمل بلا أمل ومستقبلهم ضـاع
ورجاله بلا كرامة سحقهم الذل ونهشتهم الضباع
نساء بلا صون ولا عزة إستباح حقوقهن الرعاع
وما بقي به إلا خواء أفرغها اللصوص والصياع
فقوموا شباب الرافدين وأسحقوا كل كاذب خداع
والحقوا اللصوص والسراق بمن سبقهم الإقتلاع
فلا وعود اليوم تقبل ولا فتاوى ولا عزائم تماع
فبلدكم ينتظر الفـداء وكل نفس ثائرة وكل ذراع
وكرامتكم تستحق منكم كل ألم وتضحية وإندفاع

وسام الشالجي
3 كانون الأول (ديسمبر) 2019


الانطلاقة ...

منذ وقت طويل وأنا أفكر بإنشاء موقع خاص بي , فلسنين عديدة تشتت نتاجاتي في العديد من المواقع حتى ضاعت في دهاليزها وتبددت في أروقتها ولم...