الأحد، 22 مايو 2016

خواطر بالاسود والابيض - نومة السطوح ونجوم بالسماء

كان البغداديون ايام زمان (وربما لازال بعضهم الى الان) ينامون صيفا على سطوح منازلهم تخلصا من حرارة الجو اللاهبة . فما ان يحل شهر نيسان حتى ترى العوائل تنصب الاسرة على أسطح البيوت وتفرش عليها الافرشة وتبدأ بالنوم عليها في الليل . وترافق هذه العادة بعض الطقوس التي كان الناس يمارسونها مثل الصعود في وقت المغرب الى السطح لفرش الافرشة لتكون مهيأة للنوم لانهم عادة ما يلفونها في الصباح عند الاستيقاظ . ومن الطقوس الاخرى التي كانت تجري مع هذه العادة وضع (تًنكة) مملوءة بالماء على سياج السطح من المغرب لكي يضربها الهواء ويبرد الماء فيها لكي تستعمل في اطفاء ظمأ العطشان أبان الليل , وكذلك وضع صينية فيها بعض الرقي او البطيخ يجري تناوله قبل النوم . في الاشهر الاولى من الصيف يكون الجو مساءا لطيفا وتكون نومة السطح من ابدع ما يكون , ونفس الشيء يحصل بالأشهر المتأخرة من الصيف مثل ايلول وتشرين أول . لكن مع حلول منتصف الصيف في أشهر حزيران وتموز وأب تصبح تلك النومة لا تطاق من شدة الحر . ومن الاساليب التي كان الناس يستخدمونها للتغلب على ذلك الحر هي برش ارضية السطح بالماء عند الغروب لكي يصبح المكان باردا بعض الشيء ساعة حلول موعد النوم وكذلك رش بخات من الماء على الافرشة عند فرشها لكي تبرد ايضا , وهي اجراءات كان تجدي بعض الشيء لكنها لم تكن تحل المشكلة بشكل كبير . كانت الاسرة التي توضع على السطوح على الاغلب حديدية (سيسم) , بينما كانت بعض البيوت تستعمل في بعض الاحيان أسرة مصنوعة من اعواد سعف النخيل . وكان البق يكثر اثناء فصل الصيف ويزعج النائمين مما يدفعهم الى نصب (كًلة) فوق اسرتهم , وهي قماش رقيق ذو فتحات مسامية تسمح بمرور الهواء بينما تمنع دخول البق . ومن الازعاجات الاخرى بهذه النومة هي ذباب الصباح , حيث يهاجم النائمين بمجرد شروق الشمس ويوكر على وجوههم ليوقظهم من نومتهم . ومن حسن الحظ ان الجو غالبا ما يكون باردا عند الفجر مما يمكن المرء من تغطية وجهه ليتخلص من هذا الزائر البغيض . واذكر ان احد بيوت اقربائي كان يقع في منطقة الكريعات حيث البساتين الكثيرة التي يكثر بسببها البق والحرمز في تلك المنطقة , وقد نصب رب الاسرة بالسطح غرفة مغلفة بشبكة من السيم الذي يستعمل بالشبابيك تخلصا من تلك الحشرات .

لمعظم الناس قصص وذكريات عن نومة السطح , واني ايضا لي بعض الذكريات احب ان ارويها هنا . حين كنت ساكنا مع اهلي بالبصرة في الستينات كان بيتنا كبقية بيوت شركة نفط البصرة مكيفا مركزيا بالايركوندشن , لذلك لم نكن نحتاج للنوم بالسطح . لكن حين كنا نذهب الى بغداد بالعطلة الصيفية وننزل في بيت جدي كنا ننام مثلهم بالسطح . كانت هذه النومة هي احدى التغييرات التي تطرأ على حياتنا بهذه الفترة , وكنت اعشق هذه النومة لما اجد فيها من متعة بالغة , غير ان ما كان ينغص هذه المتعة فعلا هو البق والذباب المزعج مما يجعل نومة السطح التي احبها تطلع من خشمي . ما كان رائعا بنومة السطح هو ان النوم هناك جماعيا مما كان يخلصني من وحشة النوم بمفردي في غرفتي لاني كنت في صغري كثير الخوف من الظلام ومن النوم وحيدا . كما ان تلك النومة كانت تتيح لي الفرصة لتأمل السماء والاطلاع على ما فيها من روعة . كنت افتقد رؤية منظر السماء والاطلاع على نجومها في حياتي بالبصرة , لكن في بيت جدي ببغداد كان اللقاء بها والاطلاع على مناظرها هو موعد يومي يحل كل ما أويت للنوم على السطح . اول لقاء لي مع السماء كان يحصل في القطار بليلة السفر الى بغداد حيث كنت اترجل منه في كل محطة يتوقف فيها لاطلع على المحطة وما فيها . ومن بين ما كنت انظر اليه السماء , وكم كان يذهلني منظرها وهي مرصعة بملايين النجوم يتوسطها شريط ذو كثافة ضوئية عالية عرفت فيما بعد بأنه مجرة دررب اللبانة وهي المجرة التي تنتمي اليها مجموعتنا الشمسية . كان هذا العدد الهائل من النجوم يظهر بالسماء لان اغلب محطات القطار تقع في مناطق نائية حيث مستوى الاضاءة قليل فتظهر معظم النجوم للعيان مهما كانت خافتة , اما في المدن فبسبب الاضاءة العالية تختفي تلك النجوم ويصبح من الصعب رؤيتها بما في ذلك شريط درب اللبانة(او درب التبانة) .

كنت يوميا قبل النوم اطلع بتركيز واهتمام كبير الى السماء وانظر الى النجوم وكم كنت اعدها واحدد مواقع النجوم البارزة فيها كل ليلة , كما كنت كثير الاهتمام باسمائها والقصص التي تروى عنها . وفي بعض الليالي كنت اسال اخي الكبير عصام عن النجوم اذا صادف ان يصعد للنوم بنفس الوقت الذي اصعد فيه فيذكر لي بعض اسمائها ويقص لي بعض الحكايات التي تروى عنها . ومما كان يلفت نظري بالسماء نجمتان متوهجتان تقع كل واحدة منهما في طرفي السماء , وقد سألت اخي عنهما فقال لي بانهما نجمتي (قيس وليلى) . وعن هاتين النجمتين حدثني قائلا بانهما تمثلان قيس وليلى لانهما وبعد فشل حبهما في الدنيا وماتا رفعهما الله الى السماء بشكل نجمتين وضع كل واحدة منهما في احد طرفي السماء وجعلهما تتحركان بأتجاه بعضهما البعض , وحين تصبحان على وشك التماس يفرقهما فتبدأن بالابتعاد من جديد حتى تصلان الى طرفي السماء ثم تعاودا الكرة مرة اخرى , وهما على هذا الحال منذ ان صعدا الى السماء . كما كان يروي لي قصة النجوم السبعة المسميات (بنات نعش) حيث يقول بان رجلا كان يعيش مع بناته السبعة في منطقة نائية , وحين مات قامت البنات السبعة بتكفينه ووضعه بنعش رفعه اربعة منهن وتوجهن لدفنه بينما سرن البنات الثلاث المتبقيات خلف النعش لتشييعه الى موقع الدفن . وتقديرا لهؤلاء الفتيات الصالحات رفعهن الله الى السماء كسبع نجمات عرفانا لبرهن بوالدهن ووضعهن بالسماء بنفس الترتيب الذي كن عليه أثناء التشييع . انطبعت هذه القصة بذهني ولازلت لحد اليوم استذكرها كلما رأيت بنات نعش بالسماء . والغريب اني قرأت قصة مختلفة تماما عن هذه النجمات السبعة في أميركا حيث يسمين هناك بـ (دلة الشرب Drinking Gourd) لأن شكلهن يشبه تماما دلة شرب الماء . وقد ألفت عن هذه النجمات اغنية اسمها (اتبع دلة الماء Follow The Drinking Gourd) كان يغنيها الزنوج الهاربين من العبودية في أميركا لانها تقود من يتبعها نحو الشمال حيث كندا وحيث الحرية . ان ما دفعني لكتابة هذه الخاطرة بموضوعها هذا هو ان قريبي رب الاسرة التي كانت تعيش بالكريعات ببغداد والذي نصب بسطح داره غرفة السيم قد توفي قبل يومين ولديه ثلاث بنات نشرن خبر نعيه . وما ان سمعت بهذا الخبر المحزن حتى تذكرت قصة بنات نعش فقررت ان اكتب هذه الخاطرة مستذكرا نومة السطح ومنظر السماء ونجومها ومترحما على روحه بذات الوقت . وهذه بعض صور السطوح والاسرة المستعملة للنوم فيها , وبعض مناظر السماء ونجومها .


 

 

 

 

 

 

 

 


وسام الشالجي

22 مايس (مايو) 2016

الأحد، 8 مايو 2016

خواطر بالاسود والابيض - مناسبة زكريا ايام زمان


بمناسبة حلول مناسبة زكريا قررت ان اكتب خاطرتي هذا اليوم عن هذه المناسبة الجميلة . حين انتقلت للعيش في بيت جدي بعد قبولي بكلية العلوم وسفر اهلي الى الكويت اصبحت اعيش بقوة الكثير من المناسبات الاجتماعية والدينية ومن بينها مناسبة يوم زكريا . قد لا ابالغ اذا قلت بان هذه المناسبة كانت تحيا في بيت جدي باهتمام بالغ يفوق اي مناسبة اخرى , وكانت الطقوس التي تجري خلالها لا يرقى الى قدرها اي مناسبة مماثلة تقام في اي بيت اخر من بيوت المعارف والاقرباء . فقبل عدة ايام من حلول هذه المناسبة كان افراد العائلة في بيت جدي يتوجهون الى الشورجة لشراء الشموع والكرزات والحلويات والتنك والدنابك والدفوف وغيرها من لوازم هذه المناسبة . وبعد ان يتم تهيئة كل المستلزمات نتطلع الى اليوم الذي تحل به هذه المناسبة والذي هو اول احد من شهر شعبان الذي يسبق شهر رمضان المبارك . وعند حلول ذلك اليوم نبدأ من الصباح بالاعداد للمناسبة التي تجري طقوسها عند المغيب حيث نقوم بنصب الشموع الكبيرة في قواعد خاصة هي على الاغلب سندانات من الحديقة . كانت اكبر شمعة والتي يبلغ طولها بطولي تقريبا مخصصة لخالي الكبير الدكتور ناجي بصفته الشخص الاكبر في عائلة بيت جدي وبنفس الوقت المسؤول عن اعالة الاسرة . وما بعد تلك الشمعة العملاقة يتم تخصيص شموع اصغر لبقية افراد الاسرة حيث يتناسب كبر وطول الشمعة حسب عمر الشخص واهميته في الاسرة , وكانت حصتي انا شمعة صغيرة لاني كنت الاصغر بين افراد الاسرة . كانت الشموع الكبيرة توضع خارج البيت بصف طويل بالحديقة بينما توضع الشموع الصغيرة بصينية كبيرة تنصب داخل صالة البيت (الهول) . واذكر بان الصينية الكبيرة كانت صينية ضخمة منقوش عليها (وقف الحاج رزوقي) الذي هو جدي من امي والذي كان قد توفي حتى قبل ان أولد . وحول الصينية الكبيرة كانت تنصب عدة صواني صغيرة بها شموع اغلبها من الكافور وتزين جميع الصواني بتنك فيها اغصان واوراق الياس الذي كنا نقطعها من الحديقة . ومن الطريف ان التنك ايضا كانت تخصص لافراد الاسرة حيث تخصص للذكر تنكة بها (بلبول) بينما تخصص للانثى تنكة سادة . وحول الشموع والتنك توضع مواعين الكرزات والحلويات من لقم وجكليت وحامض حلو ومن السما , وطبعا على رأسها مواعين تحوي على الزردة والحليب الذي كنت لا احبه ولا اتقرب منه .
وعند حلول المغيب تبدأ المراسيم باشعال الشموع حيث يقوم كل شخص باشعال شمعته الخاصة بينما تشعل شموع الغائبين من اقرب الناس اليهم . بعدها تبدأ مجاميع الزوار والاقرباء بالتوافد على البيت افواجا افواجا لشهرة تلك المناسبة ومعرفة الجميع بمدى اهتمام اسرة بيت جدي في احياءها بحيث يقرر اغلب من نعرفهم بان لا يفوتوا حضورها عندنا ابدا . وكان كل شخص يأتي الى البيت يشعل شمعة كافور خاصة به حتى تصبح الوضعية عبارة عن ملحمة شمعية . طبعا كان الحرص يتخذ الى اقصى درجة حتى لا تتحول المناسبة الى حريجية يمكن ان تسبب كارثة . وكنت انا بتلك الفترة لا ازال بمشاعر وعقلية المراهقة لذلك كنت افرح بمثل هذه المناسبات للغاية لانها ستكون مناسبة للقاء بنات الاقرباء والاصدقاء من شقراوات وسمراوات واسعد بتبادل الاحاديث معهن مما يظفي على المناسبة بنظري حلاوة ما بعدها حلاوة . وبعد ان يتم اشعال الشموع وحضور عدد لا بأس به من الزوار يبدأ الغناء الذي يستهل بالدق على الدنابك والدفوف نبدأها طبعا بأغنية (يا زكريا عودي عليه ... كل سنة وكل عام وانصب صينية) . ومما اذكره عن هذه المناسبة ان جدتي صبرية رحمها الله (أم والدتي) كانت تتضايق من مثل هذه المناسبة لانها بسبب عمرها كانت تكره الضجيج والازدحام لذلك كانت تجلس في موضعها بالهول معبسة وقد ظهرت عليها علائم الضيق والضجر غير مبالية باظهراها امام الجميع , بل انها كانت كثيرا ما كانت تردد مع نفسها كلمات تنم عن تضايقها من الوضعية وشدة الازدحام الحاصل , غير ان اغلب الحاضرين كانوا لا يبالون بمواقفها لانهم يعرفون طبعها ويقدرون سنها . واذكر في احدى مناسبات يوم زكريا ان خالي المخرج المرحوم فاروق القيسي كان موجودا بوقتها واخذ يدق على الدنبك ويغني احدى الاغنيات التي تنسجم مع المناسبة بصوت عالي . اخذت علائم الضيق تتصاعد عند جدتي وراحت تردد مع نفسها كلمات (بس كافي .. اسكت فاروق ... كافي فاروق) وبصوت اخذ يتصاعد تدريجيا حتى اصبح مسموعا من قبل الكل وبشكل اخذ يؤثر على صوت وغناء خالي فاذا به يغضب بشدة وينهض من مقعده ويرفع الدنبك ويضربه بالارض فتطايرت اجزائه في كل انحاء الهول صائحا (ها ... هيجي تريدين) . تشنج الموقف فجأة وخيم الوجوم وارتبك الجميع بسبب هذا التصرف فما كان من خالي الاصغر سعد غير ان يطلق ضحكة عالية وهو يقول (هاي خوش حركة ويا الاغنية) محولا الموقف برمته الى اشبه بطرفة فاخذ كل الحاضرين يضحكون ومر الموقف بسلام .
وعند ساعة متأخرة من الليل وانطفاء معظم الشموع الصغيرة , وبعد الكثير من الغناء وتبادل الاحاديث الجميلة وتبادل النظرات والغمزات بيني وبين البنات الحاضرات يأخذ الجميع بالمغادرة لتنتهي هذه المناسبة الجميلة والسعيدة . وبعد يوم متعب وجميل كنا نأوي الى اسرتنا تاركين الشموع الكبيرة بالحديقة وهي مشتعلة دون ان نخشى شيئا لانها موضوعة بشكل امين . وعند حلول الصباح كنت اسارع بالخروج الى حديقة الدار لاستطلع الموقف وغالبا ما كنت ارى معظم الشموع قد انطفأت باستثناء الشمعة العملاقة المخصصة لخالي ناجي حيث تكون على الاغلب لازالت مشتعلة لكنها في اواخرها .
والان , وبعد كل هذا الزمن الذي مر كم احن الى تلك المناسبات وتلك الايام التي ذهبت ولن تعود ابدا حيث الاصالة والجمال والروعة بكل شيء . ومن حسن الحظ اني ورثت من اسرة بيت جدي الاهتمام بهذه المناسبة وقد شاركتني زوجتي الحبيبة مثل هذا الاهتمام فدأبنا على احيائها في منزلي كل عام . وحتى بعد ان غادرنا العراق الى بلاد الغربة لم نتوقف انا وهي عن احيائها كل عام مهما كان الحال , وان شاء الله نستمر بهذا طيلة اعمارنا بأذن الله . وهذه صور لبعض صواني زكريا مع صورتي قرب الشموع في بيتي هذا العام .







وسام الشالجي

8 مايس (مايو) 2016  

الانطلاقة ...

منذ وقت طويل وأنا أفكر بإنشاء موقع خاص بي , فلسنين عديدة تشتت نتاجاتي في العديد من المواقع حتى ضاعت في دهاليزها وتبددت في أروقتها ولم...