الجمعة، 31 يوليو 2015

خواطر بالاسود والابيض - كيف شهدت اول حادثة وفاة بحياتي



قد تكون هذه الخاطرة غير جميلة لكني اجد بانه من الضروري  المرور عليها لاننا جميعا مررنا بحوادث وفاة مشابهة وباعمار متباينة , وانا شهدتها حين كان عمري بحدود الرابعة عشر وقد تركت اثرا كبيرا في نفسي بوقتها جعلني افكر مبكرا وبعمق بالحياة والميلاد والموت وابحر في كنه هذه الاحداث التي لابد لكل انسان بأن يشهدها شاء ام أبى . ففي صباح يوم حار من ايام الصيف استيقظنا على رنين هاتف الدار حيث وردنا خبر وفاة المرحومة جدتي (ام ابي) فاصبح البيت كله فجأة في حالة من التوتر الشديد . اخذت الاحداث تتوالى بسرعة , حيث اكلنا طعام الفطور على عجل وبشكل استثنائي ثم هرع والدي بعدها مسرعا الى سيارته لكي يذهب الى بيت عمي حيث تعيش جدتي فاخترت ان ارافقه . لم اكن قد شهدت حالة وفاة من قبل الا من خلال السماع , اما ان اشهد حادثة حقيقية وبدرجة قرابة بهذا القدر فهذا مالم يحدث لي من قبل . وصلنا الى بيت عمي فلفت انتباهي منظر في باب الدار اثار فزعي قليلا هو منظر وجود تابوت موضوع على الارض وغطائه مقلوب عليه . كانت الدنيا قائمة في بيت عمي , الاقرباء من كل صوب يتوافدون على الدار والجوارين في المحلة يدخلون ويخرجون من البيت افواجا افواجا . كان عمي باستقبال ابي عند باب الدار والذي ما ان رأه حتى تعانقا واخذا يبكيان بحسرة وألم . دخلت انا الى باحة الدار فرايت اولاد عمي الذين هم باعمار مقاربة لعمري وكانوا يتحدثون كيف حدثت الوفاة وماذا حصل بعدها . سالتهم عن بيبيتي المتوفاة فقالوا لي انها بالداخل حيث يهيأونها للدفن . لم اعرف مالمقصود بتهيأتها للدفن فاسترسلت بالسؤال فاخذ ابن عمي الاكبر يشرح لي كيف يغسلون الجثمان ثم يأخذونه الى احد الغرف لتكفينه قبل وضعه بالتابوت . اثار الموضوع فضولي فسألت واين هي الان فاشار الى احدى غرف الدار فتقدمت نحوها وسط عويل بعض النساء وصراخ اخريات . وصلت الى تلك الغرفة بصعوبة شديدة بسبب الزحام الشديد على بابها وبداخلها . حشرت رأسي بين الواقفين لكي القي نظرة على ما يجري بالداخل فشاهدت المرحومة جدتي مسجاة على الارض ووجهها ظاهر وهو بصفار شديد بينما تقوم احدى النساء بلف جسدها باغطية بيضاء . ارتعبت من المنظر لاني لم ارى ميت ابدا من قبل , وبعد دقائق انسحبت وعدت الى المكان الذي فيه ابناء عمي .

افزعني رؤية منظر ميت لكني كنت احاول اظهار القوة والجلد . بعد برهة تم ادخال التابوت الى الداخل مما يؤشر على ان اعمال التهيئة قد انتهت وانهم يريدون وضعها داخل التابوت . تم ذلك بالفعل , وبعد قليل وضع التابوت وسط غرفة المعيشة واحاطت  به النساء من كل جانب وهم بحالة عويل وصراخ شديد . لم يبقوا التابوت طويلا على هذا الحال لانه كان هناك من يشير الى ان الجو حار مما يتطلب الانتهاء من مراسيم الدفن بسرعة وقبل حلول الظهر . اخرج التابوت من البيت ووضع على سقف سيارة أجرة ولف بالحبال من كل جانب ثم انطلق الموكب الى المقبرة فتبعنا الموكب بسيارة ابي التي ركب فيها معنا عمي ايضا . وحين وصلنا الى المقبرة انتظم الكبار وصلوا على الجثمان صلاة الجنازة . بعدها حمل التابوت على الاكتف الى المكان الذي حفرت فيه حفرة بعمق متر ونصف تقريبا . انزل التابوت بوسط الحفرة ثم هبط اثنان من الدفانة واخذا يضعان بلوكات من الحجر يصفونها مع الطين على جوانبه , ثم وضعت سعفة نخل فوق التابوت غطي بعدها تماما بالبلوك والطين واختفى عن الانظار . في تلك الاثناء كان هناك قاريء يقرأ القرأن , وبعد ان طمر التابوت اخذ يلقن الميت بما سيحدث له بعد الانتهاء من عملية الدفن وبما عليه ان يجيب اذا ما سئل من قبل (الملائكة) . بعد ذلك تقدم المشيعون ورمى كل منهم حفنة تراب عليه اهيل بعدها التراب على الحفرة حتى ملئت تماما وبذلك انتهت عملية الدفن . وقف ابي وعمي بعدها يتقبلون العزاء ممن حضروا الجنازة . وبعد الانتهاء من هذه المراسيم غادر الجميع المقبرة واختفى بذلك الميت من سجل الموجودين على قيد الحياة . ظلت مناظر الدفن تلك والتي رأيتها لاول مرة مطبوعة في ذهني طيلة حياتي . وفي تلك الليلة انتابني خوف وفزع شديد وانا بفراشي وانا اتصور الميت وهو مدفون بالقبر وكأنه حي والظلام يحيط به من كل جانب والمكان الضيق الذي هو محصور فيه , حتى اني لم انم ابدا في وقتها . وبالرغم من الوقع الكبير للحادثة على نفسي الا ان تكرر حالات الوفاة بين الاقرباء بالسنوات اللاحقة وحصول نفس الوقائع تقريبا في كل مرة قد جعلني اعتاد على تلك المناظر حتى اصبحت مألوفة بالنسبة لي .

وفي الايام اللاحقة انشغل الجميع بأقامة مراسيم الفاتحة للرجال والعزاء للنساء وتغيرت الاجواء تماما من حزن وبكاء الى اهتمامات وانشغالات اخرى . كنا نحن الصبية والمراهقين نتنقل بين الفاتحة والعزاء , وكان لدينا في وقتها اهتماماتنا الخاصة التي جعلتنا ننسى وقائع الوفاة ومناظرها الصعبة ونهتم باشياء اخرى يمليها علينا عمرنا كشباب في مطلع العمر . فقد كنا نستمتع برؤية الفتيات المراهقات من اعمارنا اللواتي كن يحضرن مع اهلهن الى العزاء , فهذا كان يغازل تلك , وذاك كان يدس ورقة حب في يد تلك , بينما اخر يختلس برهة ليطلق كلمة حب باذن اخرى , وهكذا . اما في الفاتحة فقد كنا نستمتع بتقفيص بعض علب السيكاير التي تعج بها قاعة الفاتحة والتي تغنينا عن شراء السيكاير بالمفرد بالايام العادية . وهكذا تغيرت الاجواء بالنسبة لنا , وحتى لغيرنا من كأبة وحزن على المتوفي الى ونسة واستمتاع ,  وهذا هو ديدن الحياة اذ سرعان ما ينسى الميت وينشغل الجميع بامور حياتية ودنيوية . رحم الله موتانا وموتى كل الناس واسكنهم فسيح جناته , وهذه صورة المرحومة جدتي (زكية) ام ابي .




وسام الشالجي
31 تموز 2015

الخميس، 23 يوليو 2015

خواطر من الوجدان - مهرجانات الكلية

دأبت كلية العلوم على اقامة مهرجانها السنوي في نيسان من كل عام ضمن احتفالات البلد بأعياد الربيع , وقد كانت تلك المهرجانات مناسبة بديعة لاظهار جمالية الكلية وابداعات طلبتها . وفي المهرجان من كل سنة ترتدي الكلية حلة جميلة وثوبا زاهيا مطرزا بالزهور والزينة واللافتات التي يدعوا فيها طلبة الاقسام المختلفة الزائرين لكي يطلعوا على نشاطاتهم وفعالياتهم . وفي المهرجات تفتح اغلب المختبرات والورش بعد ان تزين وتزوق لكي تلفت الانتباه , خصوصا تلك التي يوجد فيها امكانية لامتاع الزائرين وكسب اهتمامهم . ويقضي الطلبة ايام عدة قبل المهرجان في تزيين ممرات اقسامهم والمختبرات والورش ووضع البوسترات ورسم الصور التي ترشد الزائر وتوجهه نحو مكان معين تنظم فيه فعالية معينة . وطبعا تصبح اقسام الكلية المختلفة في حالة منافسة شديدة وتتسابق في عرض امكانياتها لكسب اعجاب ورضا الزائرين . ومن بين الفعاليات التي كانت تقام القهوة الكيمياوية واذاعة الكلية وغيرها . كما يشهد المهرجان اقامة مباريات مختلفة خصوصا بلعبة كرة السلة حيث يتوج احد الاقسام كبطل للكلية خلال تلك المناسبة . وقد تقام العاب يشارك بها اساتذة الكلية كنوع من المشاركة في فعاليات المهرجان .  وليس هناك من حاجة الى القول بان العنصر الرئيسي الذي يقوم بالاعداد للمهرجان هم الطلبة , وبالذات طلبة الصفوف المتقدمة يساعدهم في ذلك المعيدين ومسؤولي الورش والمختبرات . وقد يشارك بعض اساتذة الكلية , خصوصا الشباب منهم الطلاب في الاعداد لتلك المهرجاتات وابتكار الفعاليات . ولا تبخل عمادة الكلية او الاتحاد الوطني فيها من رصد الاموال وتهيئة اللوازم والقرطاسية التي يتطلبها اقامة المهرجان وبذل كل الجهود لانجاحه  . وعادة ما ينتهي المهرجان باقامة حفلة كبرى في قاعة الجامعة المستنصرية تعتبر حفلة وداعية لطلبة الصفوف المنتهية .
واذكر حادثة جميلة حصلت لي مع بعض الزملاء في مهرجان الكلية وانا بالصف الثالث , حيث دأبنا على البقاء بالكلية قبل المهرجان لعدة ايام حتى ساعة متأخرة قد تصل في بعض الاحيان الى الثانية عشرة مساءا لكي نقوم بالتزيين والترتيب والتهيئة . وفي ليلة المهرجان قفص الزميل فلاح الشماع من احد المختبرات شيشة (ابسليوت) وخرج بها الى الساحة الخلفية واخذ يدعو الموجودين لمشاركته في حفلته , فما كان منا غير ان نهرع نحوه ونحن نحمل معنا زجاجات السينالكو لنطعمها بالابسليوت ثم نعود بها الى الاماكن التي نعمل بها . ويبدوا باننا طوخنا قليلا دون ان نشعر , وحين عدنا الى منازلنا بتلك الليلة كانت رؤوسنا قد انسطرت ورحنا بنوم عميق لم نفق بعده الا بساعة متأخرة من الظهيرة . وحين افقنا وذهبنا الى الكلية كان معظم النهار قد مضى ولم نحظى من المهرجان الذي سهرنا ليالي بالاعداد له الا بوقت قليل . 
كما يستغل بعض الطلبة مناسبة مهرجان الكلية لمصارحة من يحبون , وهذا ما فعلته انا بمهرجان الكلية عام 1973 حين كنت بالصف الرابع . فقد استغليت تلك المناسبة للتحدث مع الطالبة التي احبها والتي كنت انظر اليها لفترة طويلة قبلها . وفي مهرجان ذلك العام كانت هي تقوم في احد مختبرات البايولوجي بفحص فصيلة الدم لمن يرغب من الزائرين , فما كان مني غير ان استغل هذه الفرصة لان اتقدم اليها لفحص فصيلة دمي واستغل المناسبة للحديث معها . طبعا هي كانت شاعرة بي قبل ذلك بفترة وراغبة بان اتحدث اليها . وحين تقدمت اليها وطلبت منها قحص دمي أخذت اصبعي وشكتني شكة قوية وكأن لسان حالها يقول لي " بعد وكت؟ ... اين كنت كل هذا المدة؟" . كانت تلك من اجمل المناسبات لانها ادت الى أن اتحدث معها واتعرف عليها ليتبع ذلك مصارحتي لها بحبي لتصبح بعدها حبيبتي ثم زوجتي منذ ذلك الوقت . نحمد الله ان انعم علينا بايام جميلة كانت بحق من اجمل ايام حياتنا .









وسام الشالجي
21 تموز (يوليو) 2015

مقطوعة غزل البنات

على صدى كلمات في الصداقة من
 وسام الشالجي
تتناغم علينا موسيقى مقطوعة الأستاذ محمد عبد الوهاب الرائعة
(غزل البنات) 






الاثنين، 20 يوليو 2015

خواطر بالاسود والابيض - امثال شعبية تعودنا على سماعها في صغرنا

منذ ان فتحنا عيوننا على هذه الحياة دأبنا على سماع الكثير من الأمثال الشعبية البغدادية التي كانت ترد على السنة اهلنا في المناسبات والاحاديث المختلفة . بعض تلك الامثال كانت تستعمل وتطلق علينا بالذات حين تبدر من عندنا بعض الاشياء والاعمال التي ينزعج منها الاهل , حتى انها انطبعت بذاكرتنا . بينما البعض الاخر منها كنا نسمعها خلال ما يرد من احاديث عامة من قبل الاهل . ومع ان هناك المئات من الامثال الشعبية العراقية والبغدادية الا ان الكثير منها لم تكن دارجة على الالسن , ويسرني اليوم بان اخصص خاطرتي هذه للحديث عن بعض الامثال الشعبية التي كانت متداولة في حياتنا العامة لأذكر اصدقائي بها , والتي غاب معظمها عن احاديث اليوم بعد ان تغيرت اللغات واختلفت اللهجات بسبب تغير الظروف والاحوال .

سابدأ تلك الامثال بمثل شعبي دارج هو (من السكوتي موتي ومن الورواري خلي وفوتي) . كنت كثيرا ما اسمع هذا المثل من زوجة ابي والتي تطلقه علي بالذات , اذا كانت تردده حين كنت افعل بعض (الدكايك) بصمت لما كان معهود علي من هدوء وقلة الكلام . ومثل اخر كنت اسمعه كثيرا ايضا منها هو (نكوله زمال يكول حلبوه) . لا اتذكر عن ماذا كانت تطلق هذا المثل لكنه كان يرد على لسانها كثيرا . وهناك مثل كنت اسمعه من والدي رحمه الله , هو (لو نبيع جفانة ماحد يموت) , وكان يطلقه للدلاله عن سوء الحظ بما يخص الرزق . ومن الامثال التي كنا نسمع بعضها من اهلنا وبعضها من عامة الناس اذكر هنا هذه الامثال  , وقد يكون في بعضها اختلاف بكلمة او اكثر بين شخص او اخر حسب ما درج على ذكره :

بت الفكر لا تاخذوها تجيب الفكر من بيت ابوها

الغني غنوله والفقير عفطوله

احاجيج يا بنتي واسمعج يا جنتي

صام صام وفطر على جرّية

من برة هلّه هلّه ومن جوه يعلم ألله

رضينا بالبين والبين ما رضى بينا

كلبي على كلب ولدي وكلب ولدي من صخر

انزل بالمهفه واصعد باللحاف

عرب وين طنبورة وين

لا حظت برجيلها ولا خذت سيد علي

جفيان شر ملة عليوي

انجب مركتنا على زياكنا

قيم الركاع من ديرة عفج

تجيك التهايم وانت نايم

ناس تاكل دجاج وناس تتلكه العجاج

وهناك امثال تتعلق بشهور السنة , يسرني ان اذكر بعضها هنا :

آب اللهّاب

اول عشرة من اب تحرك البسمار بالباب

ثاني عشرة من اب تقل الاعناب وتكثر الارطاب

ثالث عشرة من اب تفتح من الشتا باب

اذار ابو الهزاهز والامطار

شباط لف العجوز بالبساط

تموز اشرب المي بالكوز

ايلون سيروا ولاتجيلون

 كانون نوبه عاقل نوبه مجنون



رحم الله ايام زمان الجميلة , ورحم من غادرنا من الاهل وحفظ من بقي معنا منهم . وهذه صورة لي انا حين كنت بعمر افعل فيه الدكايك بسكوت (سكوتي) , وصورة لازقة بغداد القديمة حيث كانت تخلق بها الامثال الشعبية قديما .






وسام الشالجي

20 تموز (يوليو) 2015

الثلاثاء، 14 يوليو 2015

هل كانت احداث حركة 14 تموز المروعة تجسيد لسادية الشخصية العراقية


منطقة مصرع العائلة المالكة

في صبيحة الرابع عشر من تموز عام 1958 تم تصفية افراد العائلة المالكة بالعراق بعملية قتل واعدام جماعي خارج اطار القانون كان ضحيتها رجال ونساء وحتى اطفال . تمت العملية حين فتح النقيب (الرئيس) عبد الستار سبع العبوسي نيران غدارته (رشاشته) ليصب اطلاقاتها الثمان وعشرون في ظهور افراد العائلة المالكة وبعض من كانوا واقفون معهم في عملية اغتيال مروعة لم يكن لها اي مسوغ قانوني او شرعي . ومع بداية هذا الرمي بدا ايضا جميع افراد القوة المهاجة من جنود وضباط بافراغ مخازن اسلحتهم في ذلك الجمع البسيط من الرجال والنساء المستسلمين والأعزلين من اي قطعة سلاح . لم تجري اي محاسبة او معاقبة على القتل الذي جرى بتلك الواقعة لسبب بسيط هو انها كانت تقع ضمن رغبة ومجرى مياه الجهات التي تحركت بصبيحة ذلك اليوم ممن يرومون تغيير النظام الحاكم .

وحتى لو سوغنا بان ما جرى في تلك الواقعة قد فرض نفسه ضمن نطاق تداخل الاحداث وتشابكها وعدم وجود اوامر واضحة للمهاجمين في كيفية التعامل مع افراد العائلة المالكة بعد استسلامهم مما ادى الى انفلات الوضع وحصول احداث خارجة عن التقدير والسيطرة , لكن ما جرى بعدها ليس له اي تفسير . فبعد تصفية العائلة المالكة صدرت الاوامر بفتح ابواب قصر  الرحاب الملكي فدخلت جموع الناس التي كانت محتشدة في الباب . كانت اغلب جثث القتلى قد رفعت من مكان المجزرة ولم يتبقى هناك غير جثة الطباخ التركي . وما ان وصلت الجموع الى مسرح الواقعة ورأوا الدماء وجثة الطباخ حتى فقد الجميع صوابهم كما يحصل للحيوانات المفترسة حين تشم رائحة الدم . كان راديو بغداد مستمرا في دعوة الناس لان يهرعوا الى قصر الرحاب وانقاذ الثورة وقتل وتمزيق اعدائها الملكيين . وتلبية لتلك الدعوات ما كان من تلك الحشود غير ان يأخذوا جثة الطباخ المسكين التي وجدوها امامهم وراحوا يسحلونها منطلقين بها نحو بوابة القصر ومنها الى الشارع العام . ظل الجميع يركضون بالجثة سحلا ويتناوبون على جرها من اطرافها حتى وصلت الى بوابة معسكر الوشاش التي تقع على بعد حوالي كيلومتر من قصر الرحاب . وفي باب المعسكر جيء ببعض غالونات البنزين من السيارات العسكرية التي كانت واقفة هناك وصبت على الجثة واشعلت بها النيران وتركت هناك الى ان اتت عليها بالكامل .

من جانب اخر جرى نقل جثتي الملك فيصل الثاني والامير عبد الاله بسيارة جيب عسكرية انطلقت مسرعة من القصر متجهة الى مستشفى الرشيد العسكري فتبعتها بعض الجموع التي دخلت الى القصر . وعند وصول السيارة التي تقلهما الى المنطقة المقابلة للمحطة العالمية جرى سحب جثة الامير عبد الاله من سيارة الجيب حيث جرى خلع ملابسها وتم ربطها بالحبال ثم المباشرة في سحلها في الشارع العام على الاسفلت في يوم ساخن يمثل قمة صيف بغداد الحار . بقيت الجثة تسحل وسط هتافات وصراخ الساحلين ومن يمشي معهم من جمهور حتى وصلت الى الشارع المقابل لجسر المأمون (الشهداء حاليا) حيث اخذت الجثة وعلقت في شرفة احدى البنايات وتناوب عليها اصحاب السكاكين والقامات الذين اخذوا يقطعون الايدي والارجل ويرمونها للمتظاهرين الواقفين بالشارع حيث كانوا يتلاقفونها ويركضون بها مهرولين عبر الشوارع والأزقة في صخب ولعب وضحك . كما قام احد الاشخاص بقطع ذكر الجثة وحشره في دبرها وسط ضحك واستهزاء الجموع التي كانت واقفة تتفرج على ما يجري . وبعد برهة تم انزال الجثة مرة اخرى وجرى مواصلة سحلها عبر الجسر ثم سير بها من خلال شارع الرشيد حيث كان صوت نشيد (الله اكبر) المصري ينعر من سماعات المخازن والمقاهي الواقعة على جانبي الشارع . استمر الموكب الرهيب بالمسير وكانت الحبال التي تجر الجثة قد بدأت بتمزيق اوصالها , فقد كان الوجه قد تهشم تماماً , وقد مر أحد الحبال من بين الأسنان وشق الفم والوجنة اليمنى، وانكسر الفك وتدلى على جانب الوجه، بينما ارتفعت الوجنة الى الأعلى فبانت الأسنان البيضاء في الوجه المشقوق ، وبدت العينان مفتوحتين وهما تنظران نظرة جامدة الى من يفعلون بها تلك الافاعيل . لم يبقى من ملامح جثة الأمير إلا الجبين الواسع وبعض الشعر الأسود الذي تعفر بتراب الشارع . وحين وصلت الجثة الى وزارة الدفاع كان يتناوب على السحل اربعة من الفتيان لا يتجاوز عمر الواحد منهم الخمسة عشر عاماً يبدو عليهم كأنهم تلاميذ مدرسة متوسطة ويتبعهم صبية حفاة الأقدام قذرين الملابس ، كلما تعب واحد من السحل سلم الحبل لبديل من هؤلاء الأطفال والفتيان.  وعلى جانبي الجثة المسحولة كانت تسير مواكب غوغاء بغداد واوباشاها وهم في هرج ومرج وهتاف وصراخ . اغلقت النساء شبابيك بيوتهن ورحن يبعدن أطفالهن عن التطلع على ذلك المنظر المرعب الذي تجمد له الأطراف لهوله وبشاعته . وأخيراً وصل الموكب أمام البوابة الخارجية لمبنى وزارة الدفاع، حيث وقف حشد كبير من الضباط والمراتب من مختلف وحدات بغداد يطلقون الرصاص بالهواء ويهنئون بعضهم ويقدمون التهنئة والتأييد للثورة من خلال العقيد (عبد اللطيف الدراجي) الذي احتل وزارة الدفاع . لم يتحرك أي من الضباط أو الجنود من أماكنهم للتطلع على المنظر المقزز للميت المقطع الأوصال الذي جرى سحل جثته لمسافة تقرب من ثلاثة كيلومترات ، بل لبثوا في أماكنهم يحيطون بالضابط الذي اصبح كما يبدوا سيد الموقف في ذلك المكان بمظهر يدل على مدى خنوع الشخصية العراقية ومقدار تذللها امام اي مسؤول يشعرون بان القوة اصبحت الى جانبه . وصلت الجثة الممزقة أمام وزارة الدفاع حيث يوجد قبالتها مقهى كبير، والى جانب المقهى يقوم بناء قديم من طابقين فصعد أحدهم متسلقاً العمود الكهربائي المجاور لذلك البناء وعلق حبلا في شرفة الطابق الأول حيث وقفت في تلك الشرفة بعض النسوة والأطفال يتفرجن على الشارع، وادليت الحبال وربطت بها حبال الجثة، وتصايح الواقفون، (ارفعوها) ، وبعد لحظات كانت الجثة ترتفع ثانية معلقة في الهواء وقد اندلقت امعاؤها ، وتسلق عمود النور شاباً يحمل سكيناً بيده وطعن الجثة بالظهر عدة طعنات وراح بعدها يعمل بسكينه في (الدبر) ثم اخذ يقطع اللحم صاعداً إلى فوق باتجاه الرأس . ومن الشارع جلبت عصا طويلة بيضاء أدخلت في دبر الجثة ودفعت بها دفعا ، والضباط والمراتب ينظرون إليها دون أن يتحركوا من أماكنهم . كان بعض الموجودين ينظرون باشمئزاز وامتعاض لما يجري وعلى تلك المناظر الوحشية المقززة . وكانت خاتمة المطاف لجثة الأمير (عبدالإله) أن تناوب عليها الغوغاء والأوباش تقطيعا ، وطافت اجزاؤها بمعظم شوارع بغداد ، أما ما تبقى منها حتى مساء ذلك اليوم فقد صبت عليه صفائح البنزين ثم حملت البقايا المحترقة وألقيت في نهر دجلة , كما ابتلع نهر دجلة ايضا أطرافها التي تبعثرت هنا وهناك .  

 الامير عبد ألاله

ومع ان هذه الافعال لا يمكن تبريرها ابدا وهي تقع خارج نطاق تصرفات اصحاب العقول ومن يمكن ان يحسبوا على قوائم البشر السويين , لكن دعونا نلجأ الى الأعتقاد بان كل ما حدث بذلك اليوم قد فرضته احداث ذلك اليوم الرهيب وان الجماهير التي انفلت عقالها وفعلت تلك الافاعيل ربما قد فقدت صوابها من هول وجسامة ما حدث , لكن كيف يمكن لنا ان نفسر يا ترى ما حصل باليوم التالي مع جثة الباشا نوري السعيد . فبعد مقتل نوري السعيد في منطقة البتاوين بالقرب من ساحة النصر جاءت سيارة عسكرية وحملت الجثة الى وزارة الدفاع ليطلع عليها عبد الكريم قاسم الذي لم يهدأ له بال الا بعد ان تأكد بنفسه من انها جثة نوري سعيد . وفي مساء يوم 15  تموز اخذت الجثة من مركز الطب العدلي ودفنت في مقبرة باب المعظم المجاورة بامر من عبد الكريم ودفن معها زجاجة تضم ورقة كتب فيها اسم المتوفي وتاريخ الوفاة . لم ينتهي الامر عند هذا الحال لان احد الذين قاموا بالدفن اذاع الخبر فجاءت جموع الغوغاء ونبشت القبر واستخرجت الجثة وربطت بالحبال وجرى سحلها بالشوارع بنفس الطريقة التي سحلت بها جثة المرحوم عبد الاله . لم يكتفي الامر بالسحل بل مثل ايضا بالجثة ابشع تمثيل وبشكل اثار اشمئزاز كل من رأى صور تلك المشاهد البشعة . وفي احدى الساحات امر ضابطا كان يقود مجنزرة عسكرية جنوده بان يمروا على الجثة بسرفة مجنزرته . مرت المجنزرة على الجثة من جهة الاطراف فما كان منها غير ان ينتصب ظهرها بمنظر بدا للبعض وكأنها قامت من نفسها وانتصبت ففر كل من حولها خائفين مما يدلل على مدى جبنهم . ظلت جموع الغوغاء تسحل الجثة طيلة يوم كامل حتى وصل منظرها الى حال بشع تقشعر منه ابدان حتى الحيوانات , اذ اصبحت الجثة كتلة من اللحم الاسود ورائحتها تقزز النفوس . وفي بداية شارع غازي (ألكفاح) تقدم احد الناس لينهي هذه المأساة وصب البنزين على الجثة واشعل النيران بها فأحترقت وتحولت الى رماد انتشر في سماء وارض بغداد ثم اخذت البقايا ووضعت في كيس (كونية) اخذها احد الناس الخيرين ودفنها في مقبرة الكاظمية في منطقة لا يعرفها احد . 

نوري السعيد

هذا ما جرى بالنسبة للباشا نوري السعيد , غير ان مصيرا مماثلا قد حصل لابنه صباح نوري السعيد . فبعد ان علم صباح بان والده قد قتل يوم 15 تموز ذهب الى دار الاذاعة الذي اصبح المقر الرسمي لقادة الحركة مطالبا تسليمه جثة والده . وبينما هو في طريقه الى دار الاذاعة إذا بشاحنة تحمل عددا من الشرطة يعترضون طريقه ويلقون القبض عليه . كان صباح السعيد مشهورا بالشجاعة فعندما أوقفوه ، قال لهم باستهزاء وشموخ ومن غير خوف  إنني ذاهب الى الاذاعة مطالبا بجثة والدي ومع ذلك فانا مستعد إن اركب معكم حتى نصل بسرعة الى هناك , وبالفعل ركب معهم . وعند وصولهم الى الاذاعة اراد صباح السعيد إن يدخل إلى مكتب احد المسؤولين للمطالبة بجثة أبيه فمنعه احد الحرس من التقدم وبدأ الصراع بينهما إمام الباب وهو يسمع المذياع يحرض الشعب على القتل والسحل والتمثيل علننا بكل رموز العهد الملكي , فبدأ يسب ويلعن جهرا من قاموا بالحركة التي تجاهلت أفضال أبيه على البلد والشعب . ولما طال الصراع آمر المسئولون الحرس بإنهاء المعركة بإطلاق الرصاص علية فأسقطوه صريعا . وما ان قتل المسكين وسالت دمائه حتى جن جنون الموجودين مرة اخرى وراحت هرمونات الرغبة بالسحل والتمثيل تنصب في شراينهم فجرى اخراج الجثة من الاذاعة وربطت بالحبال ووجرى سحلها والركض بها في الشوارع بمثل ما فعل بوالده الباشا . ثم  جرى صلب الجثة على احد الاعمدة وقام البعض بتقطيع الأيدي والأرجل في عملية تكررت كثيرا بتلك الايام حتى لم تبقى لجثث الموتى اي حرمة اجتماعية او اعتبار ديني .

 صباح نوري السعيد

نفس الامر تكرر مع اثنين من وزراء الاتحاد الهاشمي العربي . فقد كان هناك اردنيان في بغداد صبيحة الرابع عشر من تموز هما ممثلا الحكومة الاردنية وقد جاءا لحضور اجتماع وزارة الاتحاد التي كان يرأسها المرحوم نوري السعيد هما المرحوم ابراهيم هاشم الذي كان نائب رئيس وزراء حكومة الأتحاد العربي وهاشم طوقان وزير دولة في تلك الحكومة , وكانا يقيمان في فندق بغداد الواقع بشارع السعدون . وبعد اعلان الحركة لاسقاط النظام الملكي خرج المسكينان واستقلا سيارة تكسي في محاولة للهرب من بغداد , لكن عند مرور السيارة في المنطقة الواقعة قرب ساحة النضال جرى ايقاف السيارة وانزل منها الوزراء وجرى قتلهم وسحل جثثهم بالشوارع . كما جرى ايضا قتل وسحل ثلاثة مواطنين أمريكان ومواطن ألماني كان قد قبض عليهم عن طريق الخطاء في اماكن متفرقة لكن الغوغاء الذين فقدت الدولة السيطرة عليهم قاموا بقتلهم وسحلهم بالشوارع ايضا .

ان الاحداث التي تم سردها اعلاه مما حدث بعد حركة الرابع عشر من تموز لايوجد لها اي تفسير سوى ان الشخصية العراقية مصابة كما يبدوا في بواطنها بمرض (السادية) الذي هو واحد من الامراض النفسية التي يمكن ان تصيب الانسان . غير ان الشخصية السادية العراقية تتصف بناء على ما مر ذكره بصفتين اساسيتين , اولهما هي انها شرسة للغاية حين تتمكن من ضحيتها وان ما يمكن ان يصدر عنها ليس له حدود ولا يمكن السيطرة عليه مطلقا اذا اصبح منفلتا , وهذا يفسر الى حد كبير الاعمال المروعة التي وقعت بعد حركة الرابع عشر من تموز . الصفة الثانية التي تتصف بها الشخصية السادية العراقية هي معاكسة للأولى , وهي انها خنوعة وضعيفة الى درجة كبيرة امام القوة الجبروت , اي حين تتمكن منها القوى الخارجية ويسيطر عليها الحاكم المتسلط الذي يحكمها . لذلك نرى بان العراقي يمكن ان يفعل اي شيء يطلبه منه الحاكم القاسي , وانه مستعد حتى للتنكيل باقرب اقربائه كسبا لرضا الحاكم الجبار القوي . لكن ما ان تدور الدائرة ويهوي ذلك الحاكم ويفقد قوته وجبروته حتى نرى نفس من كان خنوعا له ينقلب عليه انقلابا كاملا ويصبح مستعدا لان يفعل به ما يعجز المرء عن تصوره . ان هذا يؤيد ما خلص اليه علماء الاجتماع بان الشخصية العرقية ذات ازدواجية مرضية , لكن مالم يفطن له هؤلاء العلماء هو ان تلك الازدواجية موجودة كما يبدوا في كل حلقة من حلقات التصرف البشري في حالة الانسان العراقي . اي بكلمة اخرى انها غير محصورة بنطاق واحد كما تصور البعض , وهو الخلط بين اخلاق وعادات الحضر والبدو , بل انها موجودة كما يظهر في معظم ان لم يكن كل تصرفاتهم .

(نعتذر عن نشر صور المناظر المروعة احتراما للموتى ومراعاة لمشاعر القراء)

وسام الشالجي
14 تموز 2015

الانطلاقة ...

منذ وقت طويل وأنا أفكر بإنشاء موقع خاص بي , فلسنين عديدة تشتت نتاجاتي في العديد من المواقع حتى ضاعت في دهاليزها وتبددت في أروقتها ولم...