الأحد، 28 أكتوبر 2012

دعوة صادقة - وساميات


متى - ترنيمات شعرية


 
متى يتبدل الحال الذي انا فيه ومتى وضعي يتغير
متى ستخرج الكلمات من صدري وثورتي تتفجر
متى اتخلص من خوفي وفي بحار الشجاعة ابحر
متى امسك قلمي وادون كل ما في رأسي واسطر

متى سأحطم العابي الصغيرة وعن طفولتي اتحول
متى ساكون رجلا كبيرا ومن بين الصغار أرحـل
متى ساغادر سجن وحدتي ومن قيودي ساتحـلل
متى سأخذ مسارا اخرا وعن هذا القطار ساترجل

متى ساخرج من قمقمي واصبح ماردا جبارا يزأر
متى سأعرف ما اريده ومتى على ضالتي سـاعثر
متى سانتقم من الواقع الذي أسرني ومتى منه أثأر
متى اصنع الاشياء الكبيرة وأكون بعدها شيئا يذكر

متى ساترك اوهامي وفي دروب الحقيقة اتنقل
متى سأستثمر افكاري ومن بناة معارفي سانهل
متى سامضي بطريق ثابت اعرفه ومتى سأندل
متى ساصرح بحبي لحبيبتي ومتى بها ساتغزل

متى ساجني المال وأصنع الثروة ولا ابقى اتسول
متى اصنع المعجزات متى بشيء ما اصبح الاول
متى اصنع المجد , متى في دياره واراضيه انزل
متى افعل كل ما اريده واتمناه , متى متى سـأفعل


كلمات - وسام الشالجي 

السبت، 27 أكتوبر 2012

مكانة الصديق - وساميات


مقطوعة بلد المحبوب - محمد عبد الوهاب


محمد عبد الوهاب عمود رئيسي واساسي من اعمدة الفن المصري في القرن العشرين . ومن بين روائع ما قدمه هذا الفنان العظيم هي مؤلفاته الموسيقية . لقد عشقت موسيقى عبد الوهاب منذ بداياتها الكلاسيكية في الثلاثينات حتى اواخر اعماله الموسيقية . ومن بين ما عشقته مقطوعة

بلد المحبوب

التي الفها عبد الوهاب عام 1951 . ان هذه المقطوعة جمعت بين  اوصالها كل معاني الشرق الفنية , ولا ازلت اذكر لحد الان وصف الاستاذ الراحل (مختار حيدر) حين رفعها على صفحات منتدى سماعي الشقيق حيث قال عنها :
(هو فيه شرقي اكثر من كده)

وبالفعل فأن ما صاغه عبد الوهاب من نغمات ومقاطع يمثل روح الشرق كلها في مقطوعة موسيقية .

قمت مؤخرا باخراج هذه المقطوعة في فيديو اقدمه لكم الان متمنيا ان يحوز على اعجابكم .




الخميس، 25 أكتوبر 2012

كل عام وانتم بخير

اتقدم باجمل التهاني والتبريكات لاصدقائي واحبتي
بمناسبة حلول عيد الاضحى المبارك
داعيا الله ان يمن عليهم بالصحة والسعادة والهناء
وان يجعل كل ايامهم افراح واعياد

وكل عام وانتم بخير

    
ايامكم سعيدة

الأحد، 21 أكتوبر 2012

وداعا عفيفة اسكندر

غادرت دنيانا صباح هذا اليوم
 الثاني والعشرين من تشرين الاول 2012

الفنانة القديرة 
عفيفة اسكندر



تغمد الله فنانتنا الكبيرة برحمته الواسعة
 واسكنها فسيح جناته



الخميس، 18 أكتوبر 2012

نحن ندعوا للسلام


  تلحين وغناء احمد الخليل
كلمات - الشاعر زاهد محمد

ظهرت اغنية "نحن ندعوا للسلام" للموسيقار والمطرب الفنان احمد الخليل عام 1959 بالتزامن مع اقامة مؤتمر (انصار السلام) في الموصل الذي نظمه الحزب الشيوعي العراقي . كان هذا التزامن من سوء حظ هذه الاغنية الرائعة لان ذلك المؤتمر انتهى بفاجعة كبرى لا تتناسب ابدا مع ما أقيم من اجله ولا الشعارات التي رفعت فيه . فمن المعروف ان فاجعة أحداث الموصل الشهيرة تلت انعقاد ذلك المؤتمر بكل ما رافقها من احداث مأساتية اشتملت على اعمال سيئة لم يشهد العراق لها مثيل في عصره الحديث . وقد ادت هذه الاحداث الى تغييب هذه الاغنية وطمسها تماما حتى يكاد لا يذكرها احد في يومنا هذا .

وصل احمد الخليل في تلحينه لهذه الاغنية الوطنية وادائه لها الى قمة نضوجه الفني , وربما لم تأتي منه اغنية اخرى بنفس هذه العظمة او تفوقها بعض الشيء الا اغنية (امتي ... امتي ... يا أمة الامجاد والماضي العريق) الوطنية المفقودة . لقد ارتقى أحمد الخليل بلحنه لهذه الاغنية الى مصاف الملحنين المصريين العظام من امثال محمد القصبجي ورياض السنباطي . كما ان كلمات الاغنية المأخوذة من قصيدة للشاعر (زاهد محمد) هي كلمات رائعة تعبر بصدق عن كل المعاني الانسانية ورغبة الانسان في الوصول الى حالة السلام المنشود التي هي حلم من احلام البشرية . ويبدوا بأن حتى هذه القصيدة الجميلة والرائعة طمست وغيبت هي الاخرى لكونها كانت منظومة للمؤتمر المذكور .

لقد كان أداء احمد الخليل لهذه الاغنية هو جميل ورائع , لكن لو انتبها فان الاغنية تتضمن مقاطع تتطلب حماسا ظاهرا , وربما لو كان الاداء من قبل حنجرة قوية اخرى بمستوى صوت الفنانة المصرية فايدة كامل الذي كان يمكن ان تؤديه الفنانة العراقية مائدة نزهت بجدارة لكان لهذه الاغنية شأن ومكان ليس على مستوى العراق فحسب بل على مستوى الفن العربي ككل .

لقد قمت بأعداد فلم الفيديو المرفق لتمجيد وتخليد هذه الاغنية العراقية الوطنية ولاخراجها من محبس الحدث الذي أسرت فيه . ارجوا ان يكون الفلم مناسبا ومعبرا عن عظمة هذه الاغنية الرائعة واظهارا لعبقرية هذا الفنان العراقي الكبير .

وسام الشالجي













الاثنين، 15 أكتوبر 2012

الكفاءات العراقية - بين المحاربة في الوطن والضياع في دول المهجر

بقلم
وسام الشالجي







لم يشهد اي بلد في العالم حرب شعواء شنت على كفاءاته ومن قبل جميع القوى الفاعلة في المجتمع كما حصل في العراق خلال الخمسين عاما الماضية . ان هذه الفئة مكروهة ومحاربة بلا هوادة . ان اول فئة تحقد على الكفوء ويصيبها الغيض منه ومن قابلياته بسبب عوامل الغيرة والحسد وتعمل كل جهدها لتحطيمه هي الشريحة المباشرة التي تحيط بالكفوء , سواء من زملائه العاملين معه الذين يرون فيه منافسا لهم او من رؤسائه المباشرين الذين يخشون من صعوده وتقدمه عليهم . ان هذا الحقد والغيض يترجم نفسه عادة في محاولات حثيثة لتدمير الكفاءة الوليدة عن طريق تطويقها لأبعادها عن عناصر النجاح الضرورية او في محاربتها باي شكل لافشالها , او على الاقل العمل على تهميشها بقدر ما كان ذلك ممكنا . وقد تفوت الفرصة على مثل هؤلاء وتأخذ الكفاءة فرصتها في النبوغ والظهور في المجتمع , الا ان عوامل الكره والحقد الموجودة في نفوس الحاسدين تجاه الكفاءة الوليدة لا تنتهي او تتوقف ولكنها غالبا ما تكمن في سبات خفي متحينة الفرص لكي تظهر وتسفر عن نفسها من جديد . ويؤدي هذا الحال الى بقاء الكفوء مستهدفا طيلة حياته , واذا لم يكن فطنا وحذرا فانه يمكن ان يسقط بسهولة في كثير من الافخاخ والمؤامرات التي تحاك ضده .

ولكي نعرف السبب في هذه المعاداة لابد لنا ان نعرف ماهي الكفاءة ومن هو الكفوء . يختلف الكثير منا في فهمهم لمعنى الكفاءة , فالغالبية منا يربطون مفهوم وتعريف الكفاءة بحملة الشهادات العليا وهذا فيه خطأ كبير . من الطبيعي بان يكون من حصل على شهادة عليا كفوء في مجال تخصصه بشكل ما لكي يستطيع ان ينال تلك الشهادة , لكنه ليس بالضرورة ان يكون متميزا في اختصاصه ومبدعا في عطائه وانجازه . كما ان هناك الكثيرين من الاشخاص ممن هم مبدعين ولامعين في عملهم وتخصصهم بالرغم من عدم نيلهم لشهادة عليا , او حتى شهادة اولية في بعض الاحيان . من هنا تبرز الحاجة الى فك الاتباط بين تعريف ومفهوم الكفاءة من مسألة الشهادة العلمية وربطه بطريقة ما بألمعية الشخص وتميزه في المجال الذي يعمل فيه . وبالرغم من كون هذا المفهوم منصف الى حد كبير في تعريف الكفاءة وتحديد وتشخيص الكفوء الحقيقي الا ان فيه خطر كبير في نفس الوقت , لان اعتماده يمكن ان يخرج الامر من دائرة الشهادة التي يسهل تعريفها وتحديد شخصيتها الى دائرة الابداع والألمعية التي يصعب وضع مؤشرات محددة لها . ان هذا التغير بالمفهوم اذا ما اعتمد سيسهل الى حد كبير من امكانية خروج التعريف والتشخيص عن هدفه الحقيقي وتلبيس اشخاص غير كفوئين رداء الكفاءة دون وجه حق . لذلك فان الربط بين الاثنين , اي الشهادة والألمعية يبقى مطلوبا لانه أئمن اسلوب يمكن ان يتوفر لتعريف الكفاءة وتحديد الكفوء . وبهذه الطريقة يكون الكفوء هو كل شخص يحمل شهادة عليا يقدم انجازات مبدعة في مجال تخصصه بما يدفع هذا الاختصاص الى الامام ويعزز من تطوره وتقدمه وبما يقدم ايضا خدمة ملموسة للمجتمع .

يعني ما تقدم بان الكفوء هو الشخص الوحيد الذي يعول عليه في تقدم البلد وتطوره العلمي والاجتماعي ورقيه الحضاري . ويعني هذا ايضا بان البلد الذي يسعى نحو هذا يتحتم عليه ان يرعى هذه الكفاءات ويزيد من اعدادها ويوفر لها الفرص والعيش الكريم لانها ستعطيه بالمقابل الكثير . غير اننا لو تتبعنا تاريخ هذه الشريحة منذ تأسيس الدولة العراقية الحديثة وعلى مدى العهود المتتابعة التي مرت بها لوجدناه مختلف كليا عن ما ينبغي ن يكون عليه . لقد ظل الكفوء مهمشا في اغلب العهود , وظلت الكفاءة تقتل اينما كان ذلك ممكنا . وعدا عن حالات استهداف العناصر الكفوءة من قبل فئات من خارج وسطها الا ان هناك حالات استهداف داخلية برزت من نفس وسطها . ففي خلال عقد السبعينات واجه اصحاب الكفاءات من خريجي الاتحاد السوفيتي والدول الاشتراكية حملة شديدة من قبل اقرانهم من خريجي دول اوربا الغربية واميركا عن طريق اتهامهم اما بالشيوعية او بالقصور العلمي او باستعمالهم لطرق فاسدة لنيلهم شهاداتهم العلمية . وقد ادى ذلك الى ابعاد وتهميش عدد كبير من هؤلاء مما اضطرهم الى ترك العراق والعودة الى الدول التي تخرجوا منها . من جانب اخر فان العراقيين حرموا تقريبا من فرص الدراسة في الخارج اثناء عقدي الثمانينات والتسعينات مما ابقى الدراسة داخل العراق هو المجال الوحيد المتوفر لاكمال الدراسة العليا للحصول على شهادتي الماجستير والدكتوراه . ومع ان الدراسة العليا في العراق لم تكن قاصرة الا ان الذين اكملوها في الوطن ظلوا يشعرون بالنقص تجاه اقرانهم القدماء الذين اكملوها بالخارج بسبب عوامل التمييز التي اتبعها مرة اخرى هؤلاء الاقران بنفس الطريقة التي اتبعوها مع خريجي الدول الاشتراكية . وقد تحول هذا الشعور تدريجيا الى شعور دفين بالحقد والضغينة تجاههم , خصوصا وان المناصب الرئيسية والمهمة في الجامعات ومؤسسات البحث العلمي ظلت تقريبا من حصة القدماء الذين احتكروها على اعتبار انهم من مرتبة اعلى . لقد كان هذا التمايز مدعاة الى قيام حرب غير معلنة بين الفئتين من العناصر الكفوءة استثمر فيها بالذات الجانب السياسي لتصفية الاخر على قدر ما كان ذلك ممكنا . وكصور لبعض مظاهر هذا الصراع فقد حدثت الكثير من اعمال التصفية التي تعرض لها اصحاب الكفاءات خلال عقود حكم النظام السابق عن طريق البلاغات الكيدية وحياكة الدسائس والمؤمرات والتي ادت الى ضياع كفاءات عراقية كثيرة هي من المع ما انجبه البلد .

كان النظام السابق يرعى في الكثير من اجرائاته وقوانينه اصحاب الكفاءات , لسي حبا بهؤلاء أو لسواد عيونهم لكن لحاجته الماسة اليهم في تنفيذ برامجه العلمية والتطويرية خصوصا التسليحية منها . وقد كان النظام مصرا على استقطاب العناصر الكفوءة الى صفوفه من خلال ضمهم الى حزب السلطة بمختلف الوسائل , وقد استخدم شتى انواع الضغوط لتحقيق ذلك خصوصا في حصر فرص اكمال الدراسات العليا بالبعثيين , او في عدم السماح لاي شخص يمتهن مهنة التدريس مالم يكن منتميا لهذا الحزب . وقد اضطر الكثير من االشبان الطموحين الى مسايرة هذا الوضع والانضمام الى الحزب الحاكم ليس لأيمانهم بفكره بل لان ذلك كان الطريق الوحيد المتاح امامهم لاستثمار قابلياتهم ومواهبهم ونيلهم لفرصة لاكمال دراستهم العليا . وللاسف فقد دفع هؤلاء فيما بعد ثمنا باهضا لما اضطروا على سلوكه وحوسب الكثير منهم دون مراعاة لهذا الجانب الاضطراري . وبالرغم من كل مظاهر الرعاية التي خص بها ذلك النظام اصحاب الكفاءات الا ان ذلك لم يمنع من قيامه بنفسه في تصفية عدد ليس بقليل منهم وبمختلف الطرق بعد امتصاص جهودهم واستنزاف عطائاتهم , خصوصا العناصر التي حققت انجازات هامة وصعدت الى مواقع متقدمة في الدولة . وقد كان استهداف العناصر الكفوءة من قبل النظام الحاكم يحدث لاسباب مختلفة , فهو اما حدث بسبب ظهور حالات من الغرور على قسم من هؤلاء بعد نجاحهم في تحقيق ابداعات مهمة , او تحوطا من هربهم الى الخارج وكشفهم للبرامج التسليحية التي يقوم بها النظام , او بسبب مشاعر الحقد والحسد التي تتولد تجاههم لدى بعض النفوس المريضة من الفئات المتنفذة في ذلك النظام .

وخلال سنوات الحصار الاقتصادي على العراق بين عامي 1990-2003 وما صاحبها من ضيق وعوز شديدين اوصلت مقدار ما يتقاضاه الاستاذ في الجامعة الى ما لا يزيد عن بضعة دولارات بالشهر اخذ العديد من هؤلاء الاساتذة يفكرون بالسفر الى الخارج والهجرة الى الدول التي تقبل هجرة العراقيين اليها . كانت اهم الدول التي تقبل طلبات الهجرة هي نيوزلندة وكندا , اما الدول التي تقبل طلبات اللجوء فكانت هولندا والسويد والمانيا . لم يكن سلوك هذا الطريق سهلا , اذ كان يتطلب نفقات هائلة في قياسات ذلك الزمان , كما انه كان يحتاج الى السفر الى دول الجوار كخطوة اولى وهو بحد ذاته لم يكن امرا سهلا . لكن مع ذلك فقد قرر البعض منهم المجازفة والتضحية بما جنوه طيلة العمر وسلوك هذا الطريق . سافر هؤلاء اولا الى دول مجاورة بحجج مختلفة كالعلاج وغيرها , او من خلال استغلال الايفادت الحكومية الى الخارج . بعد ذلك اتجهوا الى السفر الى احدى الدول التي تقبل العراقيين سواء بوسائل شرعية أو بطرق غير شرعية . بالنسبة للطرق الشرعية فقد قدم بعض اصحاب الكفاءات طلبات هجرة الى كندا ونيولندة من خلال سفارات تلك الدول في سوريا والاردن . اما الطرق الغير شرعية فقد تضمنت دفع اموال طائلة الى بعض المهربين لايصال اللاجئين عن طريق التسلل الى المانيا او هولندا والسويد . وقد فشلت الكثير من محاولات التهريب وقبض على المتسللين واعيدوا الى العراق مما اضاع على هؤلاء كل تحويشات العمر بعد ان فقدوا مساكنهم واعمالهم . وقد ادى هذا ايضا الى محاسبة هؤلاء عن محاولاتهم في السفر الى الخارج وتركهم لاعمالهم ووظائفهم وزج بعضهم في السجون باحكام ثقيلة . كما ان قسم اخر فقدوا حياتهم وحياة افراد اسرهم نتيجة لغرق القوارب التي كانت تقلهم والتي كان يستأجرها المهربين لنقلهم الى سواحل الدول الاوربية . مع كل هذه المصاعب الجمة والقاسية نجح عدد غير قليل من اصحاب الكفاءات بالوصول الى المانيا وهولنده والسويد , وهناك تخلصوا من جوازاتهم وتقدموا بطلبات لجوء الى تلك الدول .

كانت قوانين الهجرة بالدول الاوربية سمحة وشديدة الانسانية في اجرائاتها مما يتيح فرص لجوء لا يحلم بها الانسان . فبعد فترات قليلة من البقاء في معسكرات اللجوء ينقل هؤلاء الى السكن في شقق مريحة وتصرف لهم رواتب مجزية ويوفر لهم ضمان صحي واجتماعي ويسجل اولادهم في المدارس وتوفر لهم معونات غذائية . كان هذا الحال اشبه بالجنة اذا ما قورن بالحال الذي كان عليه هؤلاء في بلدهم العراق . غير ان اصحاب الكفاءات واجهوا معضلة كبيرة للغاية هي عدم معرفتهم للغات البلدان التي منحتهم فرص اللجوء . لذلك لم يسهل عليهم الحصول على اعمال تشابه اعمالهم ككفاءات علمية حين كانوا في العراق . ونتيجة لهذا لم يكن امامهم من خيار غير الانخراط في اعمال لا تشابه اعمالهم السابقة او لاتتناسب مع مكانتهم في المجتمع . وبالفعل انخرط بعض هؤلاء في مثل تلك الاعمال لمجرد ان لا يبقوا عاطلين , لكن القسم الاعظم منهم فضل البقاء بدون عمل والاكتفاء بالمعونات التي توفرها الدولة والتي كانت اكثر من كافية , بل مترفة اذا ما قورنت باحوال امثالهم الذين ظلو بالعراق . وبسبب هذا الكرم ومتاعب اللغة وصعوبة الحصول على اعمال تحول اصحاب الكفاءات العراقية الى عطالة بطالة يعيشون فقط لكي يأكلون ويشربون دون انجاز او عطاء لا لانفسهم ولا لغيرهم . قد يبدوا انتقاد هذا الحال اشبه بالبطر , لكنه في الواقع من اسوأ ما يمكن ان يصبح عليه الانسان الكفوء والمبدع لانه لا يختلف عن القتل بشيء فهو بالنهاية سيحطم الكفاءة ويحول صاحبها الى حيوان يعيش ليأكل فقط . وسواء ان كان هذا الحال مقصودا او غير مقصود , فان النتيجة كانت قتل الكفاءة وتدميرها وتجميد من يحملها .

ان ما حصل للكفاءات العراقية خلال سنوات الحصار قبل عام 2003 , سواء هؤلاء الذين ظلوا بالعراق او الذين هاجروا منه يمكن ان يعتبر جزء من حملة التدمير وحلقة من حلقات الحرب المشنة ضدهم . ومع ان أستهداف العناصر الكفوءة في المجتمع العراقي كان يجري في كل الازمنة والعهود تقريبا , الاان ما حدث بعد نيسان من عام 2003 كان مختلفا تماما عن ما كان يجري قبل هذا التاريخ . فبينما كانت جميع الحملات التي تشن على تلك العناصر قبل الاحتلال مستترة وخفية ومحدودة الى حد ما , فان الحال تغير تماما بعد ذلك . فبعد هذا التاريخ كشفت تلك الحملات عن وجهها الحقيقي واسفرت عن نفسها بشكل واضح وجلي , فقد حدثت ثورة عارمة ضد هذه الشريحة وانطلقت مشاعر الحقد تجاههم من القمقم الذي كانت محبوسة فيه وبشكل لم يجري مثيله في اي مكان اخر بالعالم . فعلى حين غرة وجد اصحاب الكفاءات انفسهم معرضين للاستهداف بشكل مباشر من قبل عشرات القوى التي تنفذت في المجتمع فجأة واخذت التصفيات تمتد اليهم من كل جانب . فضمن موجات الاجتثاث والقضاء على مؤيدي النظام السابق ومعاقبة العاملين ضمن مؤسساته الخاصة خصوصا ممن كانوا يعملون في هيئة التصنيع العسكري ومؤسسات البحث العلمي جرى تصفية الالاف من العناصر الكفوءة من علماء وخبراء ومهندسين واطباء عن طريق الاغتيال والسجن والفصل من العمل والتشريد , حتى وصل الامر بالكفوء لان يتخفى ويبتعد عن الانظار بقدر ما يستطيع خشية ان يقضى عليه . وبعد عام 2006 اخذت التصفيات وجها اخرا جديدا في شكله لكنه لا يختلف في المضمون والهدف عن سابقاته الا وهو التصفية الجسدية ضمن موجات التطهير المذهبي والطائفي حيث قتل وخطف المئات من اصحاب الكفاءات لمجرد الاختلاف في الدين او المذهب والمعتقد . لقد كانت اعمال التقتيل والانتقام من الكفاءات العلمية من قبل الاطراف المتصارعة فظيعة وغير مبررة ولا تنم الا عن وجود مشاعر حقد هائلة تجاههم انفلتت من عقالها ولم تجد لها اي ضابط يسيطر عليها . فبخلاف أعمال القتل التي كان يتعرض لها المواطنين العادين نجد ان اصحاب الكفاءات كانوا يعذبون بشكل قاسي قبل قتلهم ويمثل بجثثهم حتى بعد القتل . اما الفديات التي طولبت لقاء اطلاق سراحهم بعد خطفهم فقد كانت هائلة بالمقاييس المحلية , كما ان معظم افراد هذه الفئة لم ينجون من القتل بعد الاختطاف بالرغم من قيام ذويهم بدفع الفديات المطلوبة . لقد ادت هذه الحوادث الى تصفية المئات من العناصر الكفوءة , كما انها ادت في خاتمة المطاف الى هجرة من تبقى منهم الى دول الجوار فرارا من المصير الذي يتربص بهم فيما لو بقوا في البلد .

بعد هذا الحال المزري لم يجد اصحاب الكفاءات العراقية من ملاذ متوفر لهم غير ترك البلد الى دول الجوار العربي . وبالفعل لجأ الالوف من اصحاب الكفاءات ممن قضوا حياتهم كرؤساء جامعات وعمداء كليات ورؤساء اقسام واساتذة واطباء ومهندسين لامعين الى سوريا والاردن تاركين اعمالهم ودورهم وممتلكاتهم خلفهم في الوطن . وقد افلح بعضهم في الوصول الى مصر بينما نجح البعض الاخر خصوصا هؤلاء الذي كانوا متنفذين ايام النظام السابق في الوصول الى اليمن وقطر والامارات . وبدل ان تفتح دول الجوار أذرعها للاستفادة من تلك الكفاءات عن طريق توفير التسهيلات لهم ومنحهم اقامات رسمية وتصاريح عمل وحتى اغرائهم بالبقاء في اراضيها فقد جرى التضييق بشدة عليهم وعلى تحركاتهم . فقد منع معظمهم من العمل في تلك الدول لاسباب مختلفة مما تسبب في معاناة كثيرة وضيق شديد لهم , كما انهم حرموا من فرص السفر العادي الى دول اخرى بسبب عدم شرعية اقاماتهم مما منعهم من الاشتراك في المؤتمرات العلمية الدولية والبقاء على تواصل مع تخصصاتهم العلمية . وبسبب هذه الاوضاع فقد اضطر اصحاب الكفاءات العراقية في الاخر الى طرق الباب الوحيد المتاح امامهم وهو باب المفوضية العليا لرعاية اللاجئين التابعة لمنظمة الامم المتحدة وتقديم طلبات لجوء متأملين في الحصول على ملاذ أمن يليق بهم من جهة ولضمان مستقبل اولادهم وعوائلهم التي تشردت معهم من جهة اخرى . كان معظم هؤلاء يحلمون بالسفر الى هولندا والسويد والمانيا بعد ما سمعوه من زملائهم السابقين عن توفر الامكانيات الرائعة والتسهيلات المغرية التي هي اشبه بـ (مزارع لتسمين العجول) . لكن هذه الدول عزفت عن قبول اللاجئين لاسباب كثيرة لا مجال للتطرق اليها هنا . لم يتبقى امام هؤلاء غير الانخراط بالبرنامج الامريكي الوحيد المتاح لقبول اللاجئين بأعداد كبيرة , بالاضافة الى براهج لقبول اعداد صغيرة بضعة عشرات بالسنة متاحة من قبل كندا وبريطانيا . وبعد فترات انتظار متباينة وصلت الى عدة سنوات ذاق فيها اصحاب الكفاءات المر في دول جوار العراق بسبب العوز والحاجة ومسائلات دوائر المخابرات المستمر لهم حصل الكثير منهم على فرص اللجوء اميركا .

غادر اصحاب الكفاءات دول الجوار العراقي التي لاذوا بها مؤقتا الى اميركا وكندا وهم يحلمون بالحياة الجديدة والعمل والثروة متأملين بأن تنتهي مشاكلهم التي عانوا منها لسنوات بعد وصولهم الى دول اللجوء . لكن تلك الاحلام تبخرت سريعا بسبب الصعوبات التي عانوها بعد وصولهم . فبالنسبة للتسهيلات المقدمة وجد هؤلاء بانها صغيرة المقدار وقصيرة الامد , كما ان المنظمات التي ترعى اللاجئين في تلك الدول ينتشر فيها الفساد بشكل كبير حيث تتبخر معظم المعونات التي توفرها الدولة والمانحين في االاجراءات الفاسدة التي تتبعها تلك المنظمات . كما ان اصحاب الكفاءات واجهوا بعض الصعوبات في معادلة شهاداتهم , خصوصا وان معظم تلك الشهادات حصل عليها من دول اخرى وفي اوقات اصبحت بعيدة . ان هذه الصعوبات الفنية بالاضافة الى صعوبات اللغة ومشاكل الاندماج بالمجتمع وتزامن وقت وصولهم بازمة الكساد العالمي بعد عام 2008 جعل من فرص هؤلاء في الحصول على وظائف لائقة وبنفس اختصاصاتهم صعبة للغاية ان لم تكن مستحيلة . لقد كان معظم افراد هذه الشريحة يطالبون المفوضية العليا للاجئين بتسفيرهم الى نفس الدول التي تخرجوا منها لانهم يعرفونها ولن يواجهوا مشكلة في معادلة شهاداتهم فيها , لكن المفوضية رفضت ذلك بحجة عدم توفر برامج لقبول اللاجئين في تلك الدول . بذلك فقد ساهمت المفوضية بقصد او بدون قصد في ايقاع الضرر بهذه الشريحة عن طريق ارسالهم الى دول اخرى لا يعرفون عنها شيئا . ولاجل تدبير لقمة العيش , فقد اضطر الكثير من هؤلاء الى الانخراط في اعمال لا علاقة لها باختصاصاتهم ولا تتناسب مع مستوياتهم كالعمل كسواق تاكسي او حراس ليليين او بائعين وغير ذلك . لقد أخذ هؤلاء يكافحون ويناضلون ويعملون لساعات طويلة بالرغم من تقدم اعمارهم لغرض اعالة عوائلهم واتاحة الفرصة لابنائهم لاكمال تعليمهم . ومع ان العمل شرف ولا شيء عيب فيه , لكننا نعود مرة اخرى الى نفس النقطة وهي ان هؤلاء الكفاءات خسروا امكانياتهم وفرصهم في الانجاز والعطاء اللامع والمتميز وتحولوا مرة اخرى الى مجرد ألات تعمل لكي تعيش وتوفر السكن والطعام لعوائلهم , لا يختلفون بشيء عن الحمير التي تعمل طيلة النهار لتعود الى حظائرها في المساء لتأكل وتنام . سبب هذا الحال صدمة شديدة لهؤلاء وقد اصيب الكثير منهم بحالات من الاكتئاب والانطواء , الا انه لم يكن هناك من خيار امامهم سوى الرضا بالمصير الذي أنتهوا اليه خصوصا مع تضاؤل فرص عودتهم الى الوطن بسبب استمرار حالة فقدان الامن وعدم استقرار الأوضاع السياسية وبقاء أستهداف اصحاب الكفاءات فيه على حاله تقريبا .

اما احوال اصحاب الكفاءات الذين قاوموا الظروف وظلوا بالعراق فليست بأحسن حال من هؤلاء . فان النفس الطائفي الذي انتشر بالدولة افقد الكثير منهم اعمالهم اما بالاقالة او بالاحالة على التقاعد المبكر او الاقصاء من الوظيفة بمختلف الذرائع والحجج كالاجتثاث وغير ذلك . كما ان سياسات الحكومة بينت بشكل واضح بان الدولة لا تسعى الى احتضان هذه الشريحة ولا رعايتها لان معظم افرادها محسوبين على النظام السابق . لقد سبق ان بينا اعلاه بان الكثير من اصحاب الكفاءات كانوا مضطرين للانضمام الى حزب السلطة لضمان فرصهم بالدراسة وارتقائهم بالاعمال , لكنهم اصبحوا فيما بعد مستهدفين ومحاربين نتيجة لذلك الاضطرار . فبعد احدى موجات الاقصاء الجماعي لاساتذة الجامعات التي حدثت قبل مدة ليست بعيدة قال وزير التعليم العالي بان العراق مستعد لاستقدام الف استاذ جامعي مقابل كل استاذ عراقي يقال نتيجة لاجتثاثه بسبب ارتباطه بالنظام السابق .

يبدوا جليا مما تقدم بان الاوضاع التي احاطت بالكفاءات العراقية , سواء حالهم في العراق او المصير السيء الذي انتهوا اليه في دول الجوار العربي ودول اللجوء كان حلقة اساسية من مخطط كبير يستهدف الدولة العراقية . لقد ركز هذا المخطط على النيل من هذه الشريحة بشكل خاص عن طريق عدة وسائل ابتدأت بالمحاربة والتضييق والتهميش في الوطن ثم حملات القتل والتشريد واخيرا التضييع في الدول الأخرى . ان من الاكيد بان ما جرى لهذه الشريحة لم يكن محض صدفة او بسبب طبيعة الاوضاع التي مرت بالبلد فحسب بل كان موضوعا بدقة ونفذ باتقان بالغ . لقد اعد مخطط تدمير هذه الشريحة بعناية فائقة لغرض القضاء عليها وانهاء اي فرصة لكي يستفيد منها العراق مرة اخرى . بل ان هذا المخطط وضع بشكل يضمن حرمان حتى دول الجوار العربي من امكانية الاستفادة من هذه العناصر عن طريق تطويق اي فرصة لاستقرارهم في تلك الدول وبالتالي اجبارهم على الهجرة الى دول اخرى . وطبعا كانت النتيجة هي حرمان العراق نهائيا من كفاءات علمية وفنية صرف عليها وعلى اعدادها ثروات هائلة . وبعد الفراغ الذي حصل بسبب غياب هذه الشريحة سادت في المجتمع العراقي كفاءات كاذبة ذات شهادات مشكوك بها وبمصادرها , وما حال الدولة الان من تخلف وتخبط وضياع الا مثال لما يمكن ان تصنعه وتحققه تلك الكفاءات المزيفة . ان من الواضح بان ما وضع للعراق هو اكبر بكثير مما يمكن تصوره , وان ما جرى فيه من خراب لا يمكن اصلاحه ابدا , وما فقده من ثروات ومن بينها ضياع كفاءاته الى الابد هو شيء لا يمكن تعويضه ابدا .

الجمعة، 12 أكتوبر 2012

سيت احتلال العراق - رسمي

السيت الثاني الذي صدر للدولة العراقية هو نفس السيت عن احتلال العراق الذي عرض ادناه لكن من النوع الرسمي , او بكلمة اخرى سيت احتلال العراق - رسمي .  

صدر هذا السيت عام 1919 , ويتكون من 13 طابع عثماني طبع عليه عموديا Iraq on British Occupation بالاضافة الى كلمة On State Service افقيا في وسط الطابع .

 
فئات هذا السيت تتكون من 1/2 عانة , 1 عانة , 1/2 1 عانة , 1/2 2 عانة , 3 عانة , 4 عانة , 6 عانة , 8 عانة , 12 عانة , 1 روبية , 2 روبية , 5 روبية , روبية 10
 
يتراوح سعر هذا السيت بين 300 الى 400 دولار امريكي حسب حالة طوابعه

الامان - وساميات


الخميس، 11 أكتوبر 2012

قصتي مع مجلة سندباد - من وحي الطفولة


عرفت مجلة سندباد في اواسط الستينات , اي بعد عدة سنوات من توقفها , اذ صادف وان كنت مع اهلي في زيارة لبيت عمتي في بداية العطلة الصيفية فرأيت عندهم المجلدات الاربعة الاولى من المجلة . اخذت اتصفح احد المجلدات فاستهوتني المجلة جدا , وقد توسلت من زوج عمتي بان يعيرني المجلد لقرائته في بيتنا لكنه رفض بشدة . بعد ذلك اصبحت اتعمد تكرار الزيارة لبيت عمتي لغرض ان اداوم على قراءة تلك المجلدات , وكانت قصصها تحلق بي في عوالم اخرى , وكنت اغيب عن الواقع في احساس جميل ولذيذ لم اعرفه من قبل . لم تمضي فترة طويلة حتى استكملت قرائتها جميعا فقررت ان اشتري لنفسي مجلدي الخاص . كانت مجلدات سندباد تباع في تلك الفترة فقط في مكتبة المثنى الشهيرة في بغداد بمبلغ 600 فلس (او ما يعادل دولارين) للمجلد الواحد , وكان مبلغا ضخما بالنسبة لطفل مثلي لازال بالابتدائية , وربما حتى لغيري لان كل من طلبته منهم استصعبوا توفيره لي . لم اجد غير ان اصبر وانتظر فرج الله عله يسير لي من يعطيني مثل هذا المبلغ . واخيرا وبعد طول انتظار حصلت على هذا المبلغ من جدتي التي كانت تستلم كل ثلاثة أشهر تقاعد ابيها الجاويش بالجيش العثماني (وتسميه تقاويد) وتقوم بتوزيع بعضه على من تحب , وحين رأتني حزينا رأفت بحالي واعطتني كل هذا المبلغ بالرغم من انها لم تكن تعطي احد اكر من ربع دينار . طرت من الفرح وهرعت على الفور الى بيت عمتي وحدثت زوج عمتي بالامر فطلب من احد ابنائه الكبار بان يأخذني الى مكتبة المثنى في شارع المتنبي لشراء المجلد الذي اريده . حين دخلت المكتبة وكانت عبارة عن دار عتيقة مملوءة غرفها بالكتب انبهرت من ضخامتها واعجبتني رائحة الكتب التي ظلت في انفي الى يومي هذا . تحدث ابن عمتي مع صاحب المكتبة (المرحوم قاسم محمد الرجب) الذي كان يجلس خلف مكتب كبير في باحة المنزل ومحاطا من كل جانب بصفوف عالية من الكتب , فقال لابن عمتي اصعد الى الطابق الثاني فهناك غرفة خاصة لكتب الاطفال . صعدنا الدرج وما ان دخلنا الغرفة المعنية حتى طار عقلي , كانت مملوءة بقصص الاطفال من كل الانواع , وكان هناك العشرات من مجلدات سندباد حتى تمنيت في حينها ان اترك لاعيش الى الابد في تلك الغرفة . اخترت المجلد الخامس على اساس اني قرأت المجلدات الاربعة الاولى , وحين عدت الى البيت كان ذلك بحق من اسعد ايام حياتي . اخذت اقرأ المجلد بنهم شديد , وحين كان ياتي المساء واذهب الى فراشي كنت اخذه معي واحتضنه وامسد عليه بحنان بيدي . لم تمضي الا عدة ايام حتى استكملت قرائته من الجلد الى الجلد , فعدت بذلك الى نفس المشكلة السابقة من جديد وهي كيف ساحصل على مجلد اخر خصوصا بانه لم يكن من السهل علي تكرار هذا الطلب الذي استغرق تلبيته لي اكثر من شهر . في نفس السنة سافرنا للتصييف الى مصيف بلودان في سوريا , وهناك التقينا بخالي الذي كان طبيبا ويعيش في الخارج . كنت حزينا طول الوقت لاني تركت مجلدي في بغداد , وكان خالي يسالني عن سبب حزني وكنت اقول له باني اريد مجلد سندباد . وعدني خالي بان يشتري لي مجلد حين يذهب الى دمشق . كان خالي يذهب باستمرار الى دمشق , وحين كان يعود في المساء كنت انتظره بلهفة منتظرا المجلد وكم كنت احزن وابكي حين يقول لي بانه لم يعثر على ما اطلبه . قام خالي بسؤال اغلب المكتبات في دمشق دون فائدة , وبعد ان يأس وعدني بأنه سيذهب في احد الايام الى بيروت وسيسأل هناك وبالفعل ذهب ولكنه لم يعثر عليه ايضا . لم اكن اعلم في حينها بان المجلة متوقفة عن الصدور وان مجلداتها لا تباع الا في اماكن محددة , لذلك لم اكن اصدق بعدم وجود مجلدات سندباد في المكتبات بعد ان شاهدت العشرات منها في مكتبة المثنى , وقد كنت اتصور ان ما يجري معي هو ليس غير محاولة للتهرب من شراءه بسبب غلاء ثمنه . وبعد سنين عديدة علمت بان تلك المجلدات التي رايتها في مكتبة المثنى هي في الحقيقة نسخ معادة كانت دار المعارف بمصر قد طبعتها من جديد في اوائل الستينات . عدنا الى بغداد وبدأ العام الدراسي وبقيت اكثر من سنة مع المجلد الوحيد الموجود عندي . كانت صور المجلة التي يرسمها المصور المرحوم بيكار تعجبني الى درجة كنت اضع ورقة بيضاء على الرسوم واستنسخها ثم اقوم بتلوينها حتى تكاد تصبح مطابقة للاصل تقريبا . كان اول شيء اهرع اليه بعد عودتي من المدرسة هو مجلد سندباد , وكانت شدة تعلقي به وملازمتي وحملي له طول الوقت قد ادت الى تفصخه مما اخرج المجلات من مواضعها فضاع بذلك علي المجلد الوحيد الذي املكه . لم احصل على مجلد اخر من سندباد الا في العطلة الصيفية التالية واعتقد بانه كان المجلد رقم 7 , ولا ادري لماذا لم اشتري المجلد رقم 6 في حينها . لم نكن فقراء الحال بل بالعكس كان مستوى عائلتي المادي جيدا , لكن الانفاق كان امر مرتب ومدروس ولايجري على التوافه كما هو الان . كنت اعلم بانه ليس من السهل ان احصل على سعر اي مجلد اريد ان اشتريه دفعة واحدة من ابي او امي , لذلك كنت ادخر من مصروفي البالغ عشرة فلوس يوميا طيلة العام الدراسي لكي استجمع سعر المجلد . تكررت هذه الحالة وكنت اشتري مجلد واحد تقريبا كل سنة , لذلك كان اعتزازي بها شديدا . بلغ مجموع المجلدات التي اقتنيتها حوالي ثمانية , وقد عرفت بعدها بان المجلة متوقفة عن الصدور وانها في الحقيقة ليست من المجلات المعاصرة , لاني حين كنت اتحاور مع اصدقائي في المدرسة عن مجلات الاطفال كان اغلبهم لا يعرفونها . كنت خلال تلك الفترة اشتري ايضا مجلات سمير وميكي وسوبرمان وبساط الريح , ولكني كنت لا اميل الى مجلات سمير وميكي بسب استخدامها للهجة المصرية العامية وكنت اجد صعوبة في قرائتها . في احدى المرات صادف ان دخلت احدى المكتبات فوجدت لديه كمية ضخمة من اعداد مجلات سندباد معروض للبيع , وحين سالته عن السعر قال لي بانها بمبلغ عشرين فلسا للمجلة الواحدة . اخذت اتردد على تلك المكتبة من وقت الى اخر واشتري اعداد متفرقة من المجلة . تكونت لدي مجموعة ضخمة من مجلدات ومجلات سندباد اضافة الى العشرات من المجلات والقصص الاخرى بحيث اصبحت لي مكتبة معتبرة بها .
في اخر سنة لي في الاعدادية كان ولعي بمجلات الاطفال قد زال تقريبا , وكمراهق اصبحت تشدني اشياء اخرى لا علاقة لها بتلك المجلات مما جعلني اهملها تقريبا واتوقف عن شراء المزيد منها . كان لي قريب يكبرني بعدة سنوات وكان يتردد كثيرا على منزلنا ويظهر صداقته لي . لم اكن احبه كثيرا لكني كنت مضطرا لمجاملته عند زيارته لنا . كان يدخل الى غرفتي ويطلع على مقتنياتي , ومن بينها المجلات والمجلدات والقصص التي املكها وكثيرا ما كان يبدي اعجابه واهتمامه بها . وحين لاحظ عدم انشغالي بتلك الكتب والمجلات اخذ يزيد من اظهار الاهتمام بها , وكنت اتضايق حين يبقى في الغرفة بحجة انشغاله بقرائتها . بعد فترة من هذا قال لي لماذا لا تعطيني هذه الكتب والمجلات اذا كنت لاتهتم بها , رفضت طلبه طبعا ولكنه ظل يكرره علي في كل زيارة يقوم بها . وبعد المزيد من الالحاح رضخت لطلبه على مضض , واقترفت دون ان اشعر باكبر غلطة في حياتي والتي لازلت نادما علها حتى يومي هذا , ويا ليت بان الحال توقف عند هذا الحد لكن الطامة الكبرى حدثت فيما بعد . كنت معتادا حين اعود من مدرستي ان امر باحد الاسواق التي تقع في طريقي والتي يتواجد فيه الكثير من باعة الارصفة ومن بينهم باعة الكتب . وفي اليوم الثاني من اخذه لجميع ما املك من كتب ومجلات الاطفال عدت من المدرسة ومررت بالسوق فاذا بي اجدها جميعا معروضة للبيع عند احد باعة الارصفة في السوق . صدمت صدمة شديدة لمنظر مجلداتي ومجلاتي وهي تباع على الرصيف , وكنت متلهفا لمجيئه الى دارنا لكي اسأله عن هذا الامر . كان معتادا لان ياتي الى منزلنا كل يومين او ثلاثة ولكنه تاخر هذه المرة لعدة اسابيع . وحين جاء وسالته نكر بشدة ولكنه بعد ان رأني واثقا مما اقول اعترف وقال بأنه فعل ذلك لانه كان محتاجا لبعض النقود . وكان هو منذ فترة يقوم بنفس الدور معي طالبا ان اعطيه طوابعي التي كنت اهوى جمعها , لكن الله حفظها لي منه بعد هذه الحادثة . كان هذا القريب من وسط مادي اقل من مستوى عائلتي , وقد عرفت فيما بعد بانه كان يكرهني ويحسدني على كل ما كنت فيه , وبعد ان كبرت وصار لي اطفال علمتهم بان لا يصادقوا ابدا الا اشخاص من نفس وسطهم المادي , لا أعلى ولا أقل .
بقيت سنين عديدة نادما على ما فعلته , وكم حاولت ان اعيد استجماع موجوداتي من مجلدات ومجلات سندباد لكن بدون فائدة لانها كانت قد غابت عن الساحة تماما . وقبل عدة سنوات صادف ان كنت في شارع المتنبي في بغداد الذي اصبحت من رواده , وكم ذهلت حين رايت بعض اعداد المجلة معروضة للبيع فاشتريتها على الفور دون حتى مناقشة السعر . عدت الى داري بنفس الاحساس الذي حملته حين اشتريت المجلد الخامس لاول مرة في حياتي وغبت مرة اخرى بقراءة تلك الاعداد , حتى ان زوجتي اخذت تتندر على حالتي مع صديقاتها وتقول لهم بانها اكتشفت بانها متزوجة من طفل كبير . هذه قصتي مع مجلة سندباد اتمنى ان تكون قد اعجبتكم .

 
وسام الشالجي

اتصل بنا

الوطن الجديد - وساميات


الانطباع الاول - وساميات


الاثنين، 8 أكتوبر 2012

اخر اصدار طوابع عن ملوك العراق - 2012

صدر في ايلول 2012 سيت طوابع عراقي عن ملوك العراق
يتكون من ثلاثة طوابع تحمل صور الملوك وكالاتي  :

فيصل الاول - طابع بني من فئة 1000 دينار
غازي الاول - طابع نيلي من فئة 750 دينار
فيصل الثاني - بنفسجي من فئة 500 دينار


كما يحتوي السيت ايصا على بطاقة بريدية بنية تحمل صور الملوك الثلاثة وهي من فئة 1000 دينار

 

الهاجس - وساميات


الأحد، 7 أكتوبر 2012

سأحطم جهاز قنواتي الفضائية

منذ ان بدأت بالكتابة كنت احرص دوما على ان لا أقحم نفسي بالسياسة , ليس لأني لا اجيد الكتابة بها , بل  بالعكس فهي اكثر مرتع خصب يمكن ان يكتب به الانسان . لكني كنت اتحاشى ان اكتب في هذا المجال لاني اعلم بان أفكاري ثائرة ومنتفضة بشكل صارخ مما سيجعل كل ما يمكن ان اكتبه في هذا المضمار لأ يعجب الكثيرين وسيحولني الى انسان اختلف مع اشخاص لا احب ان اكون على خلاف معهم . لذلك كنت اؤثر دوما على الكتابة في المواضيع الثقافية والتراثية والتاريخية لاني اعلم مسبقا باني مهما طرحت بهذه المواضيع من افكار وتحليلات خارجة عن المألوف فأنها لا يمكن ان تسبب زوبعة مثلما يمكن ان تسببها المواضيع السياسية . لكني اليوم ساخرج قليلا عن المنوال الذي التزمت به وساكتب قليلا بالسياسة منتقدا ما يجري في بلداننا العربية والذي اصبح حالة لا تستساغ بشكل غير معقول .
قبل عدة سنوات ارغمتني الظروف على ترك الاوطان والأستقرار بعيدا في منطقة لست لا أئلفها , لكني أتيتها بعمر متأخر قليلا , ولو كنت قد وصلت اليها قبل عشرين او ثلاثين سنة ماضية لكانت احوالي بالتأكيد ليست على ما هي عليه اليوم . وفي المنطقة التي اعيش بها حرصت كل الحرص على ان اكون على اطلاع على كل ما يجري في أوطاننا مهما كانت بعيدة , وعلى علم بكل ما يحدث فيها اولا بأول وكأني لا زلت اعيش هناك . فمن الاشياء التي حرصت عليها , وانا انتقد نفسي على هذا بشدة , هو اني ظللت اتابع نشرات الاخبار العربية واشاهد قنواتنا الفضائية ساعة بساعة , حتى اكثر بكثير مما اشاهده عن البلد الذي انا فيه . لقد جعلني هذا على بينة من كل كبيرة وصغيرة تحصل في وطننا الام , بينما لا اعرف الكثير مما يجري في المنطقة التي اعيش بها . ومع عدم رضائي عن هذا الحال لكني داومت عليه محبا او كارها .
كعراقي , حرصت في البداية على ان اتابع كل ما يجري بالعراق . كنت ارى يوميا من خلال الاخبار كل ما كان يحصل بهذا البلد من تدمير وتفجيرات وقتل وتهجير ومذابح وصراع على المناصب والسلطة واقتتال بين المليشيات وحرب طائفية ودينية وسرقات ونهب للاموال وبمقادير فلكية يصعب للمرء ان يتصورها , والكثير الكثير من غير ذلك . كنت اعجب لما يجري بهذا البلد الذي حباه الله بكل ما يمكن او يهبه لبلد من البلدان . وكنت استغرب من هذا الشعب الذي يفعل بنفسه كل هذه الافاعيل دون ان يعي ويستوعب ما يفعله . وكنت اسال نفسي لماذا ... ولماذا ؟؟؟ على عشرات الأمور دون ان اجد لها جواب . واخيرا اقتنعت باننا حالة ميئوس منها وان حالنا لن يتغير , وأمنت بما قاله احد الكتاب في يوم من الايام باننا (شعب لا يستحي) وأننا نستحق كل الغضب الذي انزلته بنا السماء .
لكن , منذ حوالي عامين أدارت الكامرة بؤرة عدستها وانتقلت لتصور مواقع اخرى من وطننا الكبير بعد ان حصل فيها ما يسمى بثورات (الربيع العربي) . في البداية اخذتني الحمية وظننت بان شعوبنا استيقظت أخيرا من رقدتها الطويلة وأحست بالظلم والجور والحياة البائسة التي تعيشها واطلقت صرختها مدوية ومنادية بالحرية التي تعيش بها كل شعوب العالم فتعاطفت مع كل ما يجري هناك . دفعني هذا الحماس الى ان احول اهتمامي الى تلك المناطق من اوطاننا وان اتابع ما يجري فيها بدقة . لكن الامر تكشف لي بعد مدة ليست بطويلة وشعرت بان تطورا غير منتظرا وتحولا خطيرا قد حصل هناك . لقد تحولت المشاهد التي كنا نراها من مظاهرات سلمية لجماهير تسعى نحو الحرية والديمقراطية الى شيء اخر لا يمت بصلة لهذا ولم يحصل من قبل في أي من الدول المتحضرة التي تعيش بها شعوب يمكن ان يقال عنها شعوب انسانية . قامت الدنيا ولم تقعد , وتحولت التظاهرات السلمية وثورات الحرية الى حروب ومعارك ضارية من المستحيل بان يقال عنها بانها افعال لشعوب منتفضة على حكامها . لقد جرى تعريق كل المنطقة العربية من المغرب العربي الى شرقه الاوسط , ومن الجنوب العربي الى شماله . جيشت الجيوش وشكلت المليشيات واقيمت معسكرات التدريب وتدفقت الاسلحة والمعدات واستعرت حروب طاحنة لا يمكن تصورها . قتل ودمار ومعارك وارهاب وذبح ومفخخات وقصف وخراب ليس له مثيل . موت مجاني بلا ثمن ودماء تراق بلا مسوغ . تهجير ولاجئين في كل مكان . جيوش عربية عريقة دمرت وفتت وقضي على كل اسلحتها وحطم وسرق كل ما في جعبتها من امكانيات . مدن عربية كانت أمنة تعيش بسلام لمئات السنين اذا بها تشتعل كعود الثقاب ليدمر كل ما فيها من مظاهر حضارية . ارهاب عشعش في كل الاماكن , وحروب طائفية مختلفة الاشكال سادت في كل البلدان , ومشاريع لامارات ضعيفة ومتناحرة اصبح مطروحا في كل البقاع .
مالذي جرى , وما الذي حدث وما هذا الذي حصل . هل يساوي التخلص من حاكم مهما كان ظالما وجائرا كل هذا الثمن الذي يدفع . عشرات , وحتى مئات الالوف من البشر الابرياء قتلوا في سبيل نتيجة لا تتناسب ابدا مع حجم هذه التضحيات . ولماذا سكت على هؤلاء الحكام الظلمة لعشرات السنين دون ان يثور ضدهم حتى معارض واحد . ومالذي تغير حتى تنزل كل هذه الشجاعة فجأة من السماء بقدرة قادر على الشعوب التي يحكمونها ليثوروا ضدهم وبهذه الطريقة العنيفة . وماذا ستجني هذه الشعوب الثائرة بعد ان يسقط هؤلاء الحكام لو تدرك غير بلدان مدمرة واقتصاد محطم وجيوش منقسمة ومفتتة وضعيفة لا تستطيع ان تحمي اراضيها . وهل ستنال تلك الشعوب غير حكام ضعفاء متناحرين واحزاب متصارعة ومليشيات متنازعة يصعب نزع سلاحها . ثم ماذا حصل فعلا في البلدان التي يزعم بانها تحررت ونجحت الثورات الشعبية فيها بسرعة غير ان اصبح بها رغيف الخبز حلما وساعة الكهرباء المنتظمة أملا . أهذا هو الغد الذي حلمنا به ؟ أهذا هو المستقبل الامن الذي طمحنا به لاولادنا ؟ أهذا هو حلم دولة الوحدة العربية التي تمنيناها ونحن صغار ؟ أهذا هو نشيد القومية العربية الذي انشدناه ونحن طلاب ؟ أهذه هي دولة السلام والحضارة والتقدم التي كنا نتمنى ان نعيش بها ؟

لا اريد ان ازيد على ما قلته غير , لقد سأمت حقيقة من كل ما يجري باراضينا , وبت أكره كل نشرة اخبار تأتي من مناطقنا . لقد اصبحت اقول الان مع نفسي بكل صراحة "تبا لما يجري في اوطاننا" . أخيرا , قررت بان احطم جهاز قنواتي الفضائية واتخلص من كل الاجهزة التي تجعلني اشاهد ما يحدث هناك , في تلك الاوطان التي يزيد ما يحصل فيها بعدها عني .


وسام الشالجي

اليوم الذي تركت فيه الدخان

نظرت الى نفسي في المرأة .... فلم ابصر غير هيئة هزيلة , عينان غائرتان ووجنتان بارزتان لا يمكن ان يوصف من يقف خلفهما اكثر من , بقايا انسان . سألت نفسي ... هل هذا انا ؟ هل هذا من كان بالامس صبيا جميلا ؟ لا ... نعم ... طارت من فمي الكلمات . نظرت جانبا الى مكتبي الصغيرة الشبه خاوية لاسحب منها البوم صوري لكن استوقفني سؤالا صغيرا , لماذا مكتبتي خاوية ؟ ولماذا ليس فيها مما يقرأ الا القليل ؟ لم يكن عسيرا علي ان اجيب , فلماذا تكون مكتبتي عامرة .. ومنذ متى أنا اميل الى القراءة ؟ جررت منها البومي القديم الوحيد وفتشت فيه , سحبت من بين صفحاته صورة جميلة هي صورتي قبل سنين طويلة . جئت بها ووضعتها بيدي على نفس تلك المرأة ثم نظرت الى الوجهين . هل كان هذا هو هذا ؟ لم اجد شبها , بل كل ما وجدته هو ان هذا قد يكون شبح لهذا . ضاقت نفسي على نفسي ورميت بها على الكرسي الوحيد بغرفتي . فعلت ما لا اعرف ان افعل غيره , أشعلت سيكارة وأخذت نفسا عميقا منها . وكعادتي لم تجد السحب البيضاء التي دخلت صدري منفذا الى خارجي غير مناخري . دفعت بها بعيدا فاذا بها تنساب كمخروطين من انفي . كنت لا ازال ارى منظري بالمرأة . ما هذا الذي اراه امامي ... تذكرت شكل التنين الذي ينفث النار من مناخيره وقلت , هل أنا تنين ؟ لا يبدوا ذلك , فالتنين قوي جبار يطلق النار وانا ضعيف منهار انفث الدخان . اخذت نفسا أخرا ونفثته هذه المرة من فمي الى الاعلى ونظرت الى المراة مرة اخرى . ذكرني ما شاهدته بمنظر سحابة دخان القاطرة البخارية التي كانت تسحب القطار الذي كان يأخذني الى مدينتي في صغري . كم كنت اعشق تلك لقاطرة وكم كنت احب ذلك القطار . هل انا الان قاطرة بخارية ؟ لا , فانا لا استطيع ان اسحب حتى نفسي . ماذا انا اذن ؟ لا اعرف . تطلعت بسقف الغرفة وسالت نفسي نفس السؤال ثانية . ومرة اخرى لم تكن عندي اجابة . لماذا تبلدت هكذا ؟ اخذت افتش بذاكرتي بقوة عن ماذا كنت اريد من أناي ان تكون ؟ ذهبت بذاكرتي بعيدا فتذكرت كم كانت أحلامي كبيرة وكثيرة . لكن ماذا بقي منها الان ؟ لا شيء ... فلست انا الان غير احمق ضعيف لا يفعل شيء غير تنشق الدخان . في بعثرة افكاري هذه كانت قد احترقت كل سيكارتي التي بين اصابعي , اطفئتها ومن جديد مددت يدي الى الطاولة الموجودة الى جانبي وسحبت تلك العلبة مرة اخرى . توقفت قليلا ونظرت اليها . كم تبدلت الوان تلك العلبة وتغير شكلها خلال حياتي . زرقاء , بيضاء , حمراء , برتقالي , ذهبي ؟ كثيرا ما تبدلت حسب ما موجود بجيبي . ترى كم انفقت من النقود على شراء هذا العلب . حتما كثير جدا ... لكني لا اريد ان احسب فالحسبة تفزعني . مددت اصابعي وسحبت سيكارة أخرى وتبصرت فيها قبل ان اشعلها . ما هذه الهيئة ؟ لماذا هي تشبه هيئة جدي بدشداشته البيضاء وعمامته البرتقالية . لا زلت اذكر جدي . كم كان طاعنا بالسن , وكم كان وجهه مليء بالخطوط الطويلة والتجاعيد العميقة . لم يحتضنني ابدا . ترى لماذا لم يفعل ذلك ؟ هل كان يكرهني ؟ ربما . وهل ساعيش بقدر عمر جدي ؟ لا اظن . وهل سيصبح وجهي مثل وجهه ؟ اكيد , ولكني لن احتاج لعمره لكي يصبح كذلك فانا الان اكاد اكون مثله . عدت الى سيكارتي وشممتها وقلت , الله ... كم طيبة رائحتها . ترى كم مضى علي وانا اتعاطى الدخان . عشرين ؟ ثلاثين سنة . ياه ... ايعقل ان يكون زمني مع هذه السيكارة بهذا القدر من الاعوام ؟ ترى ما هو شكل صدري الان ؟ لابد انه يشبه منظر تنور الخبز الاسود الملتهب في المخبز القريب من دارنا الذي كانت جدتي تبعثني اليه لاشتري الخبز كل صباح . لكن ... لماذا كانت توقظني جدتي من الفجر وتبعث بي الى ذلك الخباز كل يوم ؟ الم يكن يوجد قي البيت غيري ؟ كم كنت اجدها ظالمة . كان الجميع يبقون نائمين الا أنا لان علي الاستيقاظ وجلب خبز الصباح . ثم لماذا كانت تقضي جدتي معظم ساعات الليل مستيقظة على فراشها تشعل سيكارة تلو اخرى ؟ مالذي كان يجعلها لا تنام ؟ هل كانت حزينة ؟ هل كان جدي يكرهها ؟ ربما , لكن ... ومالذي يجعلني انا ايضا الان اشعل سيكارة تلو الاخرى مثلها ... هل انا حزين ؟ لابد , فانا اعلم باني حزين وفي داخلي الم دفين . لكن ... هل السيكارة تذهب المي فعلا ؟ كلا ... لا اعتقد ذلك , فلو كانت كذلك لما اشعلت واحدة بعد واحدة دون ان يذهب المي او يخف حزني . هل اصبحت كجدتي في ليلها مع سكائرها وكجدي في كرهه لها ؟ لكن ... لماذا تلتصق في مخيلتي صورة الاجداد . هل عجز عقلي ان يجد شيء يفكر فيه غير ذكرى هؤلاء الاموات ؟ موت ... ياه كم ترعبني هذه الكلمة . لكن .... كيف تخاف ايها التنين من الموت وانت ترقص فوق حباله كل دقيقة . ترى ماذا لو مت بسبب سكائري ؟ ماذا سيقال عني ؟ مسكين مات بسبب الدخان . هل استحق هذه النهاية ؟ وهل لن يكون هناك من شيء فعلته في حياتي غير تدخين سيكارة ؟ هل هذا هو فقط ما ساخرج به من هذه الدنيا ؟ موت بسبب الدخان . يا للنهاية التعيسة والسخيفة . لكن ماذا استطيع ان افعل فانا لست غير حفيد جدي وجدتي ؟ هكذا انا ... دائما لا يوجد عندي ما ابرره لنفسي غير هذا , فلو كان كل انسان لم يصبح الا كجده وجدته لما وجدنا شيئا جديدا في هذه الدنيا . لكن هل استطيع ان افعل ما لم يستطيعا ان يفعلاه ؟ كلا فانا لا استطيع ان افعل شيئا لاني العجز بكل معناه . تذكرت سيكارتي التي لا زالت بين اصابعي . وقبل ان اسوقها الى فمي نظرت الى تلك الاصابع التي تمسكها . ما هذه الاصابع الصفراء ؟ كل شيء في اصبح مصفرا . وجهي , شفتاي , انفي , شاربي واصابعي . نظرت الى نفسي في المرأة مرة اخرى وقلت , مسكينة هي زوجتي , ترى كيف تطيقني حين اقبلها وانا لا اطيق نفسي . أه ... لهذا لم تعد تحب ان اقبلها . ترى هل تكرهني بسبب صفاري وشحوبي ورائحتي ؟ حتما ان زوجتي اصبحت تكرهني ولا تحتملني كما كان يكره جدي جدتي . لكن كيف اريدها ان تحتملني وكل شيء في اصبح قبيحا . لم يعد هناك شيء جميل في حياتي فكل احساسي تبخر وكل شعوري تبدد حتى عواطفي فقدت عنفوانها . كل ذكرياتي اصبحت بلا مذاق , طفولتي , شبابي , مشاعري , ذكرى قطاري وذكرى جدي وجدتي . أأأأأأأأه .... ماذا يمكنني ان افعل ؟ انا يائس ... انا عاجز . لكن , رويدا ... ايعجبني منظري هذا ؟ ايروق لي حالي هذا ؟ هل اريد ان ابقى تنينا هزيلا ينفث الدخان بدل ان ينفث النار ؟ كلااااااااا .... لن اكونه , ولن ادخن السكائر ليلا كجدتي , ولن ادع زوجتي تكرهني كما كان يكره جدي جدتي , ولن يكون وجهي خريطة كوجهه , ولن اعيش بقدر عمره بل ساجعل سنيني تفوق بعددها سنينه , ولن أعيش لاستنشق الدخان فقط بل ساهجره واحاول ان اصبح شيئا في هذا الزمان . وفجأة انبعثت قوة هائلة من داخلي وتملكني عزم عظيم انطلق من اعماقي وقررت ان افعل ما عجزت ان افعله طيلة عمري ... قررت ان اترك الدخان . مددت يدي نحو تلك العلبة االزرقاء مرة اخرى وفتحتها وكان لا يزال فيها نصفها . وانا على وشك ان أجعصها ضعفت قليلا وسمعت من يهتف من داخلي من ينادي ويقول , لماذا العجلة ؟ أكمل ما فيها ثم أمضي لفعل ما قررته . كنت على وشك الاستجابة لهذا الهاتف لكن ... كان هناك شيء اقوى منه قال لي , أتركها الان وهي ملئى قبل ان تتركك وانت خواء . جعصتها باصابعي الصفراء ومن يومها ما عدت اليها وللدخان مرة اخرى .


وسام الشالجي

     

الحقيقة - وساميات


الانطلاقة ...

منذ وقت طويل وأنا أفكر بإنشاء موقع خاص بي , فلسنين عديدة تشتت نتاجاتي في العديد من المواقع حتى ضاعت في دهاليزها وتبددت في أروقتها ولم...