الثلاثاء، 14 أكتوبر 2025

السلسلة الروائية أيام التغيير في العراق للدكتور وسام الشالجي / الكتاب الثالث "يوم إحتواء العاصفة"


بعد نجاح الجزئيين الأول والثاني من سلسلة "أيام التغيير في العراق" للكاتب وسام الشالجي اكتسب المؤلف دفعا جديدا للاستمرار في تأليف أجزاء أخرى من السلسلة التي بدأ بكتابتها مستثمرا الزخم الذي تولد عنده من تشجيع الآخرين وإعجابهم في ما حققه من رواية فصول مهمة من تاريخ العراق المعاصر. ولأن الهدف الأساسي من إصدار هذه السلسلة هو تعريف القارئ, سواء العراقي أو العربي بوقائع أيام تغيير حاسمة حصل فيها تبديل للأنظمة والحكام بالعراق فقد قرر الكاتب الانتقال برواية وقائع يوم جديد من هذه الأيام, ذلك هو يوم 18 تشرين الثاني عام 1963 الذي سبقته سلسلة من الأحداث التي أشبه ما تكون بعاصفة مدوية أو زوبعة شديدة كادت أن توغل البلاد بحرب أهلية شرسة تسفك فيها أنهار من الدماء لا لشيء إلا من أجل وصول هذا أو ذاك إلى سدة السلطة والانفراد بها. ولأن أحداث يوم 18 تشرين الثاني انتزعت إلى حد ما فتيل إشتعال هذه الحرب, ولجمت لسان من كانوا يصبون بتصريحاتهم وأفعالهم الزيت على النار فقد قرر الكاتب إختيار تسمية "يوم احتواء العاصفة" لتكون عنوانا لكتابه الجديد كتعبير عن النجاح بتدارك الأمور باللحظات الأخيرة ومنع خروجها عن السيطرة وإنقاذ العراق من أزمة كادت أن تعصف بأمنه ومستقبله.

 

لم يكن عسيرا على الكاتب الخوض في غمار قصته الروائية الجديدة لأنه كان تقريبا بسن يعي أحداثها ويتذكر الكثير من تفاصيلها، وبمجرد أن عاد بذاكرته إلى تلك الأيام وراح يبحر في بطون صفحات الكتب الموجودة عنها حتى تولدت بذهنه صورة كاملة عن قوام وهيكل الكتاب الجديد فتوكل على الله وبدأ يخط السطور الأولى من مؤلفه الجديد.  يتألف كتاب يوم احتواء العاصفة من (22) فصلا تبدأ كما بدأ الجزء الثاني الذي سبقه بفصل موسع يتكلم عن الأوضاع السياسية في العراق بعهد البعث الأول بعد وقوع حركة 8 شباط عام 1963 التي أزاحت عن السلطة رئيس الوزراء الأسبق الفريق الركن عبد الكريم قاسم وأقامت نظام حكم جديد تربع على السلطة فيه حزب البعث- قطر العراق. وفي بدايات هذا الفصل غاص الكتاب عميقا في أصول الخلاف العقائدي والتنظيمي والسياسي الذي وجد بين حزب البعث بالعراق والحزب الشيوعي العراقي, والذي ترجع أصوله إلى المد الشيوعي الذي وصل ذروته عام 1959. كان التوغل عميقا بهذا الموضوع ضروريا لتهيئة القارئ نفسيا لفهم واستيعاب دوافع ما قام به حزب البعث لاحقا من مجازر وفظائع انتقامية بحق الشيوعيين بعد وصوله للحكم في 8 شباط. وقد استعرض الكاتب في هذا التقديم رواية حادثتين غير مشورتين مرت بأقرباء مباشرين له، واحدة وقعت مع إبن عام والده المقدم موسى الشالجي الذي سحل حيا من وحدته في معسكر الديوانية بعد ثورة 14 تموز 1958 بأيام قليلة. وحادثة أخرى وقعت لوالده المقدم الركن قاسم الشالجي حين كان آمرا لمدرسة الهندسة الآلية الكهربائية بمعسكر الرشيد عام 1959 والذي أنقذه الله بقدرة قادر من عملية سحل مماثلة. وبعد هذه المقدمة يمضي الكتاب في استعراض وقائع الشهور التسعة التي حكم بها حزب البعث العراق، بكل ما فيها من مآس وفوضى وتخبط ضاعت فيه هوية النظام الحاكم حتى كادت البلاد أن تتحول إلى مجموعة ضيعات يتحكم بها رجال لا يملكون معرفة ولا دراية بأصول الحكم وأسسه وضوابطه بقدر ما يجيدون التنكيل والتآمر على بعضهم البعض. ومن بين كل هذه الأحداث المتأججة رأى الكاتب بأن من الضروري أن يضع الأرضية والأسس المسبقة لما سيتبع الكتاب الذي يقوم بتأليفه من كتب أخرى فخصص فصل خاص بين فصول كتابه للدور السياسي والتنظيمي لصدام حسين ونشاطاته خلال عهد البعث الأول عام 1963, وعلاقاته برجال الحكم الذي كانوا سادة تلك الفترة. لم ينسى الكاتب في ما أتى لاحقا من فصول بيان وضع الرئيس الأسبق عبد السلام عارف بوسط الفئة الحاكمة فعليا للبلاد بتلك الفترة، وكيف كان يناور ويراوغ لفهم نفسية ودواخل كل فرد من تلك الفئة، وكيف راح يستثمر الخلافات الموجودة بينهم ويجير كل شيء لمصلحته ويضع أسس وقواعد ما نوى أن يفعله لاحقا.  

 

بعد كل هذه المقدمات ينتقل الكتاب إلى رواية وقائع الأحداث الرئيسية التي أدت بالنهاية إلى وقوع حركة 18 تشرين بذلك العام، والتي بدأت بانعقاد المؤتمر القطري الخامس لحزب البعث بالعراق، ثم تلاه بعد فترة وجيزة المؤتمر القومي السادس للحزب الذي انعقد في دمشق واللذان كانا معا باكورة الانشقاقات والخلافات الحادة التي وقعت بالعراق وقادت إلى ما حدث في جلسة مؤتمر الرشاشات، أو الجلسة الاستثنائية للمؤتمر القطري الخامس التي أدت إلى اقتياد علي صالح السعدي وزمرته من قاعة المؤتمر إلى قاعدة الرشيد الجوية ونفيهم بليلة ظلماء إلى إسبانيا. ثم يتنقل الكتاب بعد قص هذه الأحداث إلى رواية وقائع الأيام العاصفة بين 11 إلى 18 تشرين الثاني التي صارت بها البلاد على شفا حفرة من نار كادت أن تؤدي بها إلى هاوية سحيقة لا يعرف قرارها. وقبل أن تقع الواقعة استطاع عبد السلام عارف استثمار كل ما جرى في تغيير وجهة السفينة المتخبطة وسط الأمواج المتلاطمة، حتى نجح أخيرا يوم 18 تشرين الثاني باستلام دفتها وصار الربان الذي يتحكم بها فأرساها على الشاطئ الذي أعده جيدا بذكائه وفطنته مسبقا ليصعد بعدها إلى السلطة المطلقة ويصبح سيدها بلا منازع. ولأن تحويل الموضوع التاريخي إلى قصة روائية يتطلب إضافة سيناريو وحوار إليها كما هو الحال في إنتاج الأفلام السينمائية, لذلك فقد لجأ الكاتب إلى نفس الأسلوب الذي اتبعه بكتابيه السابقين من خلال جلب المفرادات التاريخية المكتوبة عن الفترة التي هي موضوع الكتاب واستنطاقها وجعلها تتحدث عن نفسها بحوارات مختلفة تعبر للقارئ عن كل ما كان يقال ويدور بعقول أبطال القصة ساعة وقوع الأحداث, والكلام الذي تكلموا به بطريقة تجسد الحدث الذي روته تلك المفردات أمام القارئ بشكل واضح وتجعل الأحداث تبدو وكنها مشاهد واقعية ملموسة ومنظورة. استخدم الكاتب لهذا الغرض كل ما يتمكن فيه من قدرات لجعل القارىء يتخيل كل ما يدور من وقائع وأحداث, بما في ذلك تصور اللقاءات والاجتماعات وسماع الحوارات التي كانت تجري بين شخوص الرواية وكأنه جالس معهم, بحيث يجري بالنهاية تحويل المعلومة التاريخية إلى صورة مرئية كاملة أمام القارئ.

 

يتكون كتاب يوم إحتواء العاصفة من 448 صفحة, وهو زاخر بالصور الحقيقية بالإضافة إلى تلك التي صممها الكاتب بنفسه للمساعدة بتخيل كل ما كان يجري وما يدور. الكتاب هو أحد منشورات (مكتبة النهضة العربية) في بغداد, وقدر جرى توزيعه على معظم مكتبات العراق, كما تمت المشاركة به في مؤتمرات الكتاب في شتى أنحاء الوطن العربي. يمكن طلب الكتاب لمن يقطنون خارج الوطن العربي أما مباشرة من مكتبة النهضة العربية عبر خدمة التوصيل, أو من مكتبة "نيل وفرات" الدولية عبر شبكة الإنترنت. يتمنى الكاتب بأن يكون قد وفق بإصدار هذا الكتاب المهم وأن يشكل وجوده إضافة مهمة للمكتبة العربية, وأن يكون قد نجح في تغطية وقائع وأحداث مهمة شكلت مفترقا أخرا بين عهدين مختلفين مرا بالعراق في مرحلة تعتبر من أدق المراحل التي عاشتها الدولة العراقية الحديثة, والله الموفق وهو دائما من وراء القصد.

 

  الدكتور وسام الشالجي

 

 

السلسلة الروائية أيام التغيير في العراق للدكتور وسام الشالحي / الكتاب الثاني "يوم الجمعة العصيب"

 

لاقى كتاب "يوم الصخب العظيم" الذي هو الجزء الأول من سلسلة أيام التغيير في العراق نجاحا كبيرا ونفذ من الأسواق بوقت قياسي، على الرغم من أنه أول كتاب مطبوع للكاتب ينزل إلى الأسواق. وقع المؤلف بسبب قلة الخبرة وحداثة تجربته بمضمار التأليف والنشر بخطأ كبير حين أحال مهمة طباعة ذلك الكتاب إلى دار نشر مصرية هي "دار روافد للنشر والتوزيع" من دون الانتباه إلى حقيقة مهمة وأساسية وهي أن السوق الرئيسي للكتاب يقع في العراق وليس بمصر. أدى هذا الخطأ إلى وقوع مشاكل كثيرة مع الدار الموزعة للكتاب من بينها التلكؤ في توزيع الكتاب على المكتبات العراقية ونفاذه من الأسواق العراقية من دون تحقق وضخ كميات جديدة منه, ومع ذلك فإن التجربة تعتبر ناجحة بكل الأحوال على الرغم من كل مطباتها. وبعد نجاح الجزء الأول من السلسلة تشجع المؤلف على خوض تجربة ثانية من خلال تأليف قصة يوم آخر من أيام التغيير بالعراق ذلك هو يوم قيام حركة 8 شباط عام 1963 بالعراق والتي سميت بحينها بحركة 14 رمضان، فكانت النتيجة ولادة فكرة تأليف كتاب جديد عن تلك الحركة هو كتاب "يوم الجمعة العصيب". ومع أن هذا الكتاب كأخيه الذي سبقه في كونه كتابا روائيا وليس تاريخيا وتوثيقيا، إلا أن الكاتب وجد ضرورة ملحة في أن يضيف إليه بعض المعلومات التاريخية حين رأى بأن قارئ الكتاب يحتاج لأن يطلع قبل قراءته لتفاصيل يوم الحدث على طبيعة الأحوال السياسية في العراق قبل يوم 8 شباط 1963 والضرورات الموضوعية التي أدت إلى وقوع حركة التغيير بذلك اليوم، لذلك فقد أضاف إليه مقدمة عن الأحوال السياسية التي سادت بالعراق خلال العهد الجمهوري الأول. كما وجد المؤلف بأن من المتطلبات المستجدة التي يجب أن يدخلها على الرواية هي أن يتضمن الكتاب نبذة مختصرة عن كل شخصية من أبطال الرواية لكي يعرف القارئ خلفياتهم وتوجهاتهم السياسية، ليستوعب بعدها ويفهم طبيعة الأدوار التي لعبوها في أحداث القصة.

 

يتألف كتاب يوم الجمعة العصيب من (26) فصلا تبدأ بفصل موسع يتكلم عن الأوضاع السياسية في العراق أثناء العهد الجمهوري الأول 1958 – 1963، والخلافات التي وقعت بين قائدي ثورة 14 تموز الزعيم الركن عبد الكريم قاسم والعقيد الركن عبد السلام عارف والتي امتدت آثارها لتصبح بالنهاية أحد أسباب وقوع حركة 8 شباط الانقلابية. ومع أن هذا الفصل تاريخي بحت إلا أن الكاتب ظل يحاول جهد الإمكان الحفاظ على الطبيعة الروائية في السرد، فراح يعبر عن وقائع تلك الفترة بأسلوب قصصي بقدر ما يستطيع. كانت حركة 8 شباط عام 1963 من تخطيط وتنفيذ حزب البعث بالعراق بلا منازع، ولكي يفهم القارئ كيف صعد كل من عبد السلام عارف وأحمد حسن البكر إلى رأس السلطة حيث تبوأ الأول منصب رئيس الجمهورية بينما تبوأ الثاني منصب رئيس الوزراء فقد تناول الفصلان الثاني والثالث من الكتاب الحديث عن علاقة كل منهما بحزب البعث، وكيف منحهما هذا الحزب ثقته وأوكل إليهما هذين المنصبين الخطيرين على الرغم من كونهما ليسا من قيادات الحزب المتقدمة. بعد ذلك يتجه الكتاب إلى تعريف القارئ برجال المواجهة التي حدثت من كلي الطرفان، رجال نظام الحكم الذي كان قائما ورجال حزب البعث الذين خططوا ونفذوا الحركة الانقلابية، بالإضافة إلى الرجال الآخرين من خارج الحزب الذي طرأوا على الحركة بعد وقوعها ثم أصبحوا أدوات فاعلة في نجاحها. يمضي الكتاب بعد ذلك في فصوله الأولية برواية مراحل الإعداد والتخطيط لحركة 8 شباط والأحداث التمهيدية التي جرت بالبلد والتي كانت من الأسباب المباشرة لوقوع تلك الحركة مثل اندلاع إضراب الطلبة وتسرب بعض معلومات وأسرار الحركة لأسماع السلطة مما دفع إلى الإسراع في تنفيذها.

 

بعد هذه المقدمات يتوغل كتاب يوم الجمعة العصيب في فصوله برواية وقائع حركة 8 شباط 1963 الانقلابية بالتفصيل وكما وقعت دقيقة بدقيقة ابتداء من سرد أحداث اليوم الذي سبق وقوع الحركة وتحركات الزعيم عبد الكريم قاسم المختلفة بالليلة التي وقعت الحركة بفجرها. يتطرق الكتاب بعدها إلى رواية سلسلة الأحداث التي بدأ وقوعها بالتتابع من الساعة التاسعة من صباح يوم الجمعة الموافق 8 شباط بطريقة روائية معززة بالصور تقرب إلى ذهنية القارئ استيعاب ما حدث وفهم كيف كان هذا التسلسل المعد بدقة مسبقا والذي بدأ باغتيال زعيم الجو جلال الأوقاتي قائد القوة الجوية العراقية ثم بدأ الغارات الجوية على مقر وزارة الدفاع واحتلال محطة الإرسال الإذاعي في أبو غريب من الصفحات التي ساعدت بنجاح الحركة. لم ينس الكتاب أبدا المرور على سلسلة الأخطاء التي ارتكبها الزعيم عبد الكريم قاسم ومعاونوه والتي أدت إلى إطباق الحصار عليهم في مقر وزارة الدفاع، ليتجه بعدها إلى سرد سلسلة العمليات العسكرية التي قامت بها وحدات عديدة قدمت من شتى الأنحاء للهجوم على الوزارة والقضاء على أنواع المقاومة التي أبدتها القوات الموالية للزعيم الموجودة بداخلها. استمرت معركة وزارة الدفاع طوال ما يقارب من ثلاثين ساعة عصيبة على المهاجمين بقدر ما هي عصيبة على المدافعين، وقد قام الكتاب بقدر ما هو ممكن بسرد تفاصيل المعارك الدموية التي جرت للقارئ بطريقة تجعله يعيش أجواءها بكل دقة إلى درجة يشم بها حتى رائحة البارود المنبعث من الأسلحة المستعملة، ويستشعر حتى بسحابات الغبار التي تسقط على المعدات والملابس، لتنتهي بعدها تلك المعارك باستسلام الزعيم قاسم مع أربعة من معاونيه وأخذهم من قاعة الشعب إلى دار الإذاعة والتلفزيون بالصالحية على متن مدرعتين عسكريتين.

 

وبدار الإذاعة ينتقل الكتاب إلى سرد وقائع درامية لما جرى طوال النصف الساعة التي قضاها الزعيم عبد الكريم قاسم ورفاقه أحياء فيها، والتي تناوب بها قادة الحركة الانقلابية في استنطاق الزعيم وتوجيه أنواع الاتهامات والسباب والشتائم إليه، لتنتهي المسرحية بسرعة فائقة بإصدار قرار عن المجلس الوطني لقيادة الثورة بإعدام الزعيم قاسم وصحبه في غرفة الآلات الموسيقية والذي نفذه بحقهم برشاشته الزعيم الركن عبد الغني الراوي وثلاثة ضباط آخرين. الفصل الأخير من الرواية يتضمن ملابسات عملية دفن جثة الزعيم عبد الكريم قاسم وجثث الرجال الذي يمثلون أركان نظامه في منطقة المعامل على طريق بعقوبة القديم، وكيف قام أهالي المنطقة باستخراج جثة الزعيم مما دفع بقوات من الجيش إلى مداهمة المكان وسحب جثة الزعيم قاسم ومن ثم رميها ليلا في نهر ديالى لتغيب بأعماقه إلى الأبد جثة رجل أحبه فقراء العراق واعتبروه المخلص الذي أرسلته السماء لإنقاذهم من الجوع والفقر والفاقة التي عانوا منها لعقود، إن لم يكن لمئات السنين.

 

يتميز كتاب يوم الجمعة العصيب عن سابقه كتاب يوم الصخب العظيم بأن الكاتب أدخل بين سطوره بعض ما يتذكره هو شخصيا عن تلك الفترة وعن حركة 8 شباط 1963 بطريقة لا تمس بأحداثها ولا بوقائعها. كما أضاف الكاتب إلى فصول الرواية صورا فوتوغرافية قام بإعدادها بنفسه لأجل تقريب صورة الأحداث أمام القارئ وجعله يعيش أجواءها وكأنه موجود بين أبطالها يسمع بإذنه ما يقولونه ويرى بعينيه ما يقومون به بشكل يتطابق تماما مع وقائع الأحداث بعيدا عن أي تحريف أو تزوير، وقد بين الكاتب في مقدمة الكتاب هذه الحقيقة بشكل صريح حتى لا يلتبس القارئ ويظن بأن تلك الصور مأخوذة بكاميرات حقيقية. كما وضع الكاتب في نهاية الكتاب جدولا بأهم المصادر التي اعتمدها في تأليف الكتاب بما في ذلك المقابلات الحية مع أشخاص يحملون بعض الذكريات الحية عن حركة 8 شباط وعن شخوصها. بلغت صفحات كتاب يوم الجمعة العصيب (512) صفحة، وقد قامت بطبعه مكتبة النهضة العربية الواقع في بداية شارع السعدون، وهي التي تولت أمر توزيعه داخل وخارج العراق، ويمكن الحصول عليه منها بشكل مباشر أو من خلال خدمة التوصيل. يأمل الكاتب بأن يكون الكتاب قد حقق غرضه ككتاب روائي يوثق حدث تاريخي مهم شكل انعطافة كبيرة في تاريخ العراق الحديث، وأن يكون وجود هذا الكتاب برفوف المكتبة العربية إضافة نوعية جديدة ذات فائدة للقارئ العربي بصورة عامة والعراقي بصورة خاصة، والله الموفق.

 الدكتور وسام الشالجي

 

 

 

 

السلسلة الروائية أيام التغيير في العراق للدكتور وسام الشالجي / الكتاب الأول – "يوم الصخب العظيم"

بعد معايشته لجميع وقائع حركات التغيير السياسي بالعراق منذ أن كان طفل بعقد الخمسينيات من القرن الماضي قرر الدكتور وسام الشالجي أن يخوض تجربة بعيدة عن تخصصه العلمي ويطلق سلسلة روائية لطالما راوده حلم إصدارها تتحدث عن الأحداث التي جرت أثناء وقوع حركات التغيير السياسي في العراق. هناك العشرات من المؤرخين والكتاب الذين كتبوا عن هذه الحركات إلا أنه لم يخطر على بال أي واحد منهم بأن يسطر وقائع تلك الأحداث بشكل روائي كقصة كاملة تجعل القارئ يعيش أحداثها وكأنه موجود فعلا في خضمها, أو يجعل تلك الأحداث تبدو أمام القارئ وكأنها فلم سينمائي أو مسلسل تلفزيوني يعرض أمامه كل ما دار وجرى فعلا في وقتها. كان هذا بالضبط ما يدور بخلد الكاتب حين قرر إصدار هذه السلسلة, إذ توخى بأن ينقل القارئ الذي يعيش بزمن مختلف عن زمن الحدث إلى نفس وقت وقوعه, ويجعله يطلق مخيلته في تصوره وكأنه يعيش وقائعه دقيقة بدقيقة كما جرت بالضبط, وحتى يشعر وكأنه يقف بين أبطاله يراهم ويرونه. ولكي تكون هذه القصص واقعية وذات مصداقية كان لا بد من مراعاة بعض الأساسيات بدقة عند كتابتها أهمها التزام الحيادية المطلقة وعدم الانحياز أبدا إلى أي جهة عند رواية الأحداث سواء إن كانت على حق أو على باطل. الأمر المهم الثاني الذي جرت مراعاته هو عدم الوقوف إلى صف أي شخصية من أبطال القصة مهما كان دورها بالحدث, ظالمة كانت أو مظلومة وترك تقييمها النهائي للقارئ, مع إعطائه الفرصة الكاملة في أن يكون انطباعه الخاص عن الحدث نفسه وكل ما رافقه من جزئيات. كل الكتب التي صدرت ضمن هذه السلسلة هي كتب غير سياسية, ولم يحاول الكاتب فيها أن يلعب دور المؤرخ بل ترك هذه المهمة للمؤرخين المختصين وأخذ دوره فقط ككاتب روائي يأخذ ما يكتبه المؤرخون ويحوله إلى قصص روائية شيقة وممتعة. صدر من هذه السلسة لغاية اليوم ثلاثة كتب, وهناك كتاب رابع تحت الطبع من المؤمل صدوره خلال أيام, وينوي المؤلف الاستمرار بها لغاية التغيير السياسي الحاسم الذي حصل في 9 نيسان 2003. وابتداء من الكتاب الثاني بدأ المؤلف بسرد بعض ما يتذكره وعايشه هو نفسه من أحداث عاصرها خلال مجريات الأحداث التي وقعت, وراح يحاول زجها ضمن الرواية بطريقة جاذبة لا تؤثر على الكيان العام للكتاب.

 

الكتاب الأول الذي صدر من هذه السلسة هو كتاب "يوم الصخب العظيم" الذي يروي قصة وقائع ثورة الرابع عشر من تموز عام 1958, والتي ولدت بعد مخاض عسير استمر طويلا بدأت فصوله فعليا منذ أن انتهاء حرب فلسطين عام 1948. وكان قد أعقب تلك الحرب بعد فترة قصيرة تشكيل تنظيمات سياسية عديدة بالجيش العراقي قام بتشكيلها بعض الضباط الوطنيين تهدف إلى تجاوز النتائج السيئة لتلك الحرب من خلال إسقاط النظام الملكي وإقامة نظام وطني جديد غير خاضع للاستعمار ولا يتحكم بإرادته قوى أجنبية. وفي أواسط عقد الخمسينيات توحدت هذه التنظيمات بتنظيم واحد سمي بتنظيم الضباط الأحرار, وقد خطط هذا التنظيم لمحاولات عديدة للثورة على النظام الملكي إلا أنها دائما ما كانت تتأجل ولا تنفذ لأسباب عديدة أهمها تردد قيادة هذه التنظيم وضعف عزيمة رجاله. إلا إن الثورة تحققت أخيرا من خلال تعاون ضابطين هما الزعيم الركن عبد الكريم قاسم آمر لواء المشاة 19 الذي هو عرابها والمخطط الاساسي لها, والعقيد الركن عبد السلام عارف آمر لواء المشاة العشرين الذي نفذها فعليا. كانت ثورة 14 تموز في بدايتها انقلاب عسكري بحت صيغة وتدبيرا وتنفيذا, لكنها سرعان ما تحولت إلى ثورة عارمة رافقتها مظاهرات جماهيرية حاشدة تخللتها أعمال غوغائية منفلتة دفعت أسباب كثيرة لوقوعها. كانت هذه الثورة حدثا كبيرا في تاريخ الدولة العراقية بعصرها الحديث وبحياة الشعب العراقي لأنها مثلت حدا فاصلا بين فترتين مختلفتين ونظامين متناقصين لكل منهما طبيعته وميزاته الخاصة. لم تكن تأثيرات ثورة 14 تموز بعد وقوعها محصورة بالنطاق المحلي بل امتدت أثارها بشكل مباشر للنطاق الأقليمي لتشمل علاقة العراق بمحيطه العربي, بل توسع هذا التأثير ليترك بصماته حتى على المستوى الدولي من خلال إنعكاساته على العلاقة بين المعسكر الشرقي والمعسكر الغربي في وقت كانت الحرب الباردة بينهما في أعلى وتائرها. وقد أعقبت تلك الثورة بأيام قليلة للأسف مناحرات وصراعات سياسية أدت بالنهاية إلى اصطدام أبطالها مع بعضهم البعض حتى أدى بالنهاية إلى سقوطها بعد سنوات قليلة من وقوعها بحركة تغيير سياسي أخرى جرت في 8 شباط عام 1963.

 

وبعد دراسة معمقة لثورة 14 تموز من جميع جوانبها والاطلاع على ما تتضمنه من أحداث كثيرة, منها السياسي ومنها الدرامي, ومنها الجماهيري العفوي والجماهيري الغوغائي, إضافة إلى خطط وتحركات عسكرية وسياسية مختلفة وجد الكاتب بأن وقائعها تستحق بأن تروى للقارئ بطريقة سلسة وبأسلوب روائي جاذب يستطيع من خلاله أن يفهم كيف حصلت تلك الثورة وكيف ساعدت الظروف والأقدار على نجاحها وكيف وقعت المجريات الصاخبة التي تبعتها فتبلورت عنده فكرة كتابة رواية متكاملة عنها تحولت بعد نضجها إلى كتاب "يوم الصخب العظيم".

 

 

لم يكن المؤلف عند وقوع ثورة 14 تموز بسن يمكنه من أن يعايش أحداثها فعليا, لكنه يتذكر بعض الشيء من أجواء تلك الأيام من خلال ما كان يظهر على أفراد بيته من انفعالات وردود أفعال وما يصدر عنهم من أقوال وتعقيبات عما يقع بالشارع مما جعله يفهم على الرغم من صغر عمره ماذا تعني كلمة "ثورة", وماذا يعني سقوط نظام وحلول نظام آخر محله مما سا



عده بالتالي على نقل صورة ذلك الحدث لقارئ الكتاب. من حسن الحظ الكاتب أنه وجد عند مباشرته بتأليف هذا الكتاب عن ثورة تموز بمتناول يده كتبا كثيرة جدا يمكن الاستناد عليها كمصادر في رواية ما حدث, بالإضافة إلى عدد لا يحصى من الدراسات والمقالات المنشورة التي تناولت ذلك المنعطف الخطير مكنته بعد الاطلاع عليها في أن يبني الهيكل العام للقصة التي هو بصددها, ويضع سيناريو المشاهد التي تضمنتها ويشكل أركان الحوارات التي دارت فيها.

 

لم يكن أبدا الغرض من تأليف كتاب يوم الصخب العظيم وضع دراسة تاريخية عن ثورة 14 تموز, ولا التطرق إلى منعطفاتها اللاحقة بقدر ما يهدف إلى جعل القارئ يفهم كيف وقع ذلك الحدث الكبير بيومه وما هي المخاضات التي رافقته. ولكي يبقى الكتاب محصورا بهذا الهدف وجد المؤلف بأن من الأفضل الابتعاد عن جميع الجوانب السياسية التي أدت إلى وقوع تلك الثورة, وحصر كل ما يروى بالكتاب بأحداث الأسبوع الذي وقعت به فعليا, وكذلك عدم التطرق إلى جوهر وطبيعة الخلافات السياسية التي تكونت بين أبطال الرواية لاحقا, وترك ذلك إلى الكتاب اللاحق لأنه سيساعد في فهم السبب في وقوع التغيير السياسي اللاحق الذي أسقط ثورة تموز. يتألف كتاب يوم الصخب العظيم من 14 فصلا تتحدث عما جرى بالأيام الثلاثة التي سبقت يوم الإثنين 14 تموز 1958 الذي وقعت فيه الثورة, والأيام الثلاثة اللاحقة التي أعقبتها. يروي الكتاب ضمن فصوله كل الأحداث التي وقعت بذلك الأسبوع الحاسم صغيرة كانت أو كبيرة, ولم يهمل أبدا أي مفردة مهما كانت طبيعتها, بما في ذلك الأحداث المأساوية التي رافقتها من قتل وسحل ونهب وسرقة وتدمير والتي شوهت كثيرا تلك الثورة وأساءت إلى سمعتها. وقد حرص المعد بكتابه هذا بأن لا يدع القارئ ينتهي من قراءته إلا وقد تكونت عنده صورة كاملة عن تلك الثورة وعن وقائعها الصاخبة.

 

وكما هو الحال بأي باحث وكاتب فقد واجهت المؤلف عند دراسته لثورة 14 تموز مشكلة وجود مراجع ومصادر تتقاطع وتتناقص في مضامينها عند توثيقها للأحداث مما وضعه في أحيان كثيرة وسط حيرة كبيرة. ولكي يتخلص من هذه المشكلة حاول المعد الوصول إلى خلق نوع من التوفيق بين المتناقضات الموجودة بهذه المصادر, وتقريب مضامين بعضها من بعض بقدر ما يمكن لكي يخرج بقصة روائية هي أقرب ما تكون للواقع, ومتوافقة مع كل ما حدث إلى أقصى درجة ممكنة. للأسف الشديد فإن الطبعة الأولى من الكتاب نفذت بسرعة من الاسواق بسبب الإقبال الشديد على إقتناءه, وقد يعثر على بعض النسخ المستعملة معروضة للبيع في شارع المتنبي في بغداد, ومن المؤمل عمل طبعة ثانية من الكتاب قريبا إن شاء الله. وختاما, لا بد من القول بأن الرأي النهائي بهذا الكتاب, وتقييمه بصورة عامة فيما إذا كان كتابا جديرا بالقراءة ويستحق أن يأخذ مكانة لائقة في المكتبة العربية يقع على عاتق القارئ الكريم وإن شاء الله يكون عند حسن الظن, والله من وراء القصد.

 

الدكتور وسام الشالجي 

 


 

 

 

الانطلاقة ...

منذ وقت طويل وأنا أفكر بإنشاء موقع خاص بي , فلسنين عديدة تشتت نتاجاتي في العديد من المواقع حتى ضاعت في دهاليزها وتبددت في أروقتها ولم...