الثلاثاء، 26 نوفمبر 2019

بين وثبة كانون الثاني عام ١٩٤٨ وانتفاضة الشعب العراقي في تشرين ٢٠١٩ - كلمة للتاريخ لابد ان تقال


حين عقدت معاهدة بورتسموث بين الحكومتين العراقية والبريطانية ونشرت موادها يوم 16 كانون الثاني عام 1948 خرجت تظاهرات صاخبة منددة بوزارة صالح جبر التي عقدت المعاهدة ، والتي كانت قد تشكلت في29/3/1947 واستمرت حتى سقوطها في 27/1/1948 وشغل صالح جبر فيها منصب وزير الداخلية وكالة بالبداية إلى ان أسند المنصب في 5/1/1948 إلى توفيق النائب الذي استمر بإشغاله حتى سقوط الوزارة . وتجددت هذه التظاهرات يوم 19 كانون الثاني وتصدت لها الشرطة مما أدى إلى مقتل أحد المتظاهرين تبعه مصرع ثلاثة آخرين لاحقا مع عدد من الجرحى في اليوم نفسه . استمرت التظاهرات الاحتجاجية الساخطة الى يوم 26 كانون الثاني وأحرقت الجماهير الغاضبة بعض سيارات الشرطة مع دراجتين بخاريتين ، كما هاجموا مركز الاستعلامات الأمريكية ومطبعة التايمس في شارع الرشيد ، وشددت الشرطة من إجراءاتها وحاولت جاهدةً السيطرة على الوضع لكن من دون جدوى ، بل ازداد الأمر سوء صبيحة يوم الثلاثاء 27 كانون الثاني 1948 بعد موقف وزارة الداخلية المتعسف مما ادى الى خروج تظاهرات جديدة فصدرت التعليمات من وزير الداخلية توفيق النائب إلى مدير الشرطة العام بتهيئة قوة كافية من الشرطة وتجهيزها بالأسلحة الرشاشة وتوزيعها فوق البنايات والجوامع والمنارات للتصدي لهذه المظاهرات . وعندما حاول المتظاهرون - عبور جسر المأمون(جسر الشهداء حاليا) من الكرخ نحو الرصافة أطلقت الشرطة النار عليهم فسقط عدد اضافي من القتلى والجرحى بينهم جعفر الجواهري شقيق الشاعر محمد مهدي الجواهري . انتهت الانتفاضة باستقالة وزارة صالح جبر وتكليف محمد الصدر بتشكيل الوزارة واعلن الوصي عبد الاله الغاء معاهدة بورتسموث نزولا عند مطالب الجماهير الغاضبة وقام بتشكيل لجنة تحقيقية للتحقيق في حوادث القتل حيث حملت وزير الداخلية ومدير الشرطة العام مسؤولية هذه الحوادث وجرت محاسبتهم وسجنهم . كان عدد قتلى وثبة كانون لا يتجاوز العشرة وقد حمل العهد الملكي تبعة تلك الضحايا على مدى التاريخ المنصرم بالرغم من ان اللجنة التحقيقية التي حققت حملت حكومة صالح جبر ووزير داخليته ومدير الشرطة العام كل تبعات الاحداث ومسؤولية اطلاق النار على المتظاهرين .

واليوم ينتفض الشعب العراقي بانتفاضته التشرينية الباسلة ضد الفساد والعمالة والتبعية واللصوصية وقامت السلطة باطلاق النار ورمي القنابل على المتظاهرين ، وكانت حصيلة انتفاضته مئات القتلى ومئات الجرحى ، لكن لم تستقيل الحكومة ولم يرضخ الطغاة ولم يرعوي العملاء ولم تتم محاسبة اي احد على قتل المتظاهرين واعمال العنف والخطف التي جرت فيها . فهل من منصف يقيم الحدثين ويقارن بين اعداد القتلى فيهما وبين رضوخ العهد الملكي لمطالب الجماهير واجراء التحقيق في الحوادث المؤسفة التي وقعت والمحاسبة التي جرت واستقالة الحكومة ، وبالمقابل استبداد الحكومة الحالية واحزابها رغم مئات القتلى والجرحى التي ضاعت دمائهم وآلامهم سدى ولن يعرف برقبة من ستكون ؟هل من منصف عادل يقارن بين الحدثين .
الا يستحق هذا فقط بان يتم رفع الحيف عن العهد الملكي الذي ظلمه التاريخ والناس وان يعاد له الاعتبار ؟
وسام الشالجي
٤ تشرين الثاني ٢٠١٩

وهذه مقارنة بالصور لمظاهرات وثبة كانون عام ١٩٤٨ ومظاهرات الانتفاضة التشرينية الباسلة عام ٢٠١٩ وقمع السلطة لها












الى متى يمكن ان تستمر الانتفاضة - مقال

رأي شخصي حول ما يجري بالعراق
في الاول من تشرين الاول الماضي انطلقت في العراق تظاهرات حاشدة بثورة شعبية عارمة ضد الفساد والعمالة والطائفية لم يشهد البلد لها مثيل منذ اكثر من نصف قرن . حظيت هذه الثورة الباسلة التي قام بها نشامى العراق وشبابه بتاييد منقطع النظير من كافة شرائح البلد وتدفق لها دعم ميداني كبير فاق التصورات مما ساعد على ديمومتها وتواصل زخمها لاكثر من شهر ونصف . ومع ان السلطة لم تكن محتاجة لإستخدام اي مظهر من مظاهر القوة تجاه هذه المظاهرات السلمية بطابعها العام والشرعية بعدالة ما تنادي به الا انها للاسف فزعت منها حتى فقدت توازنها بعض الشيء واخذت ترد على الهتافات والشعارات المرفوعة بقوة غير ضرورية وغير مبررة مما اوقع عدد كبير من الضحايا بلغ المئات من الشهداء والوف الجرحى في حملة لم تحدث ابدا في كل تاريخ العراق الحديث ، ولم تجري حتى في اكثر العهود الحاكمة تسلطا ووحشية . ومع ذلك حافظت تلك المظاهرات لحد الان على طابعها العام وابقت على سلميتها بالرغم من كل الاستفزازات التي تعرضت لها من مختلف الأطراف ومحاولات جرها الى منزلقات يمكن ان تؤدي بها الى غير ما تبغيه .

نجحت تلك المظاهرات في ايصال كلمتها وافلحت في بلورة مطاليبها ، خصوصا بعد اعلان الاضراب العام مؤخرا الذي شل مفاصل الدولة وبين للحكومة بان كلمة الشعب لا يعلى عليها وان الجماهير مهما صبرت على ظلم او ضيم فان صبرها لا يمكن ان يدوم الى الابد وان الانفجار قابل للوقوع في اي وقت اذا لم تلبى مطاليب الشعب العادلة ويسمع رايه في النظام الجديد الذي ينتظر ان يحل بالبلاد بعد اجراء انتخابات جديدة عادلة ونزيهة وفق قانون انتخابات جديد يلبي الطموح ويتجاوز الحزبية الضيقة والمحسوبية والطائفية البغيضة .


الى هنا والحال خير على خير ، لكن الخوف هو في ان يؤدي شل حركة البلاد بسبب الإضراب العام الحالي والاستمرار في ايقاف اعمال الناس إلى نتيجة تهدد في انزلاق الجميع في هاوية لا يعرف لها قرار . ان الخشية تكمن في احتمال ان تفقد السلطة عقلها بشكل اكبر وتتحول الى مواجهة حقيقية مع الجموع المنتفضة فتخسر الجماهير التي ضحت كثيرا في ايصال كلمتها كل ما حققته من نجاح لحد الان وتجد نفسها فجأة في مواجهة غير متكافئة ستحملها المزيد من الخسائر واعطاء ضحايا جدد ليس هناك من ضرورة لاعطائهم بعد ان ابدت الجهات الحاكمة استعدادها للنزول عند مطالب الجماهير . يجب الادراك بان للحكومة ومختلف رجال السلطة جيوش مسلحة لم يلجأ لاستخدامها لحد الان ، وان هؤلاء اذا تهدد وجودهم وتهددت مصالحهم لن يتوانوا حتما عن تحريك تلك الجيوش والزج بها في مواجهات ومعارك سيدفع المواطن العراقي وحده ثمنها باهضا . والخوف الكبير الأخر هو في ان تتدخل قوى اقليمية تراقب حاليا ما يجري بالموقف وتضخ السلاح للجماهير المتظاهرة لتعيد مشهد ما حدث بسوريا عام ٢٠١١ وتجعله يتكرر لكن بالعراق هذه المرة .


ان من المفضل الان استخدام الحكمة وترجيح العقل والتخفيف من الزخم الحاصل والإعلان بان الجماهير المتظاهرة ستعطي فرصة لقوى السلطة للاستجابة لمطالبها بعد ان اعلنتها بشكل واضح ، وإعطاء مهلة معينة لتنفيذ تلك المطالب ، واخضاع كل تشريع جديد للاستفتاء العام . وبعد فترة يتم ملاحظة ما تم انجازه والدعوة من جديد لمظاهرات جديدة ان تلكئت السلطة في تنفيذ ما يطلب منها . كما يجب بنفس الوقت مطالبة السلطات باجراء التحقيق في حوادث القتل التي وقعت بحق المتظاهرين والقبض على الجناة ومحاسبتهم قانونا وانزال اقصى العقوبات بحقهم واعتبار جميع القتلى شهداء ومنح ذويهم الاستحقاقات القانونية بموجب ذلك . قد يكون هذا الرأي غير مقبولا من قبل البعض لكنه بنظري انسب الحلول ، وليكن بعلمنا ان المظاهرات لوحدها لا تستطيع ان تقيم نظام جديد ولا ان تشرع قوانين جديدة يمكن العمل بها ، والله من وراء القصد .


د. وسام الشالجي
١٩ تشرين ثاني ٢٠١٩



جواب على السؤال المطروح "بغداد لمن ؟" - مقال

يجب أن يكون معلوما لدينا بأن مدينة بغداد قد بنيت بنوايا حضرية بالرغم من كون من بناها هو الخليفة العباسي أبو جعفر المنصور الذي هو حسب الدين ظل الله على أرضه وحامي حمى الأسلام الذي هو ولي أمره . لقد أراد المنصور بخروجه من الكوفة الى بغداد ان يغير من وجه وهوية النظام الجديد الذي حل ببقاع الدولة الأسلامية ويحوله من نظام ديني إلى نظام حضري شبه علماني , لكنه نسي بأنه وصل إلى الحكم بالأساس بناء على معطيات دينية قبل أن تكون معطيات سياسية بحتة , وإن هذا الأمر سيلاحقه ويلاحق مدينته الجديدة شاء أم أبى . وبالفعل صارت بغداد في قرنها الأول مدينة حضرية من الطراز الأول سادها العمران وإنتشرت بها المدارس والجامعات وشاع بها الفن والأدب علاوة على العلم حتى اصبحت بعالم ذلك الزمان كما هي لندن وباريس بعالم اليوم . غير إن حركة دؤوبة مضادة كانت تجري في عالم هذه المدينة الخفي بنفس الفترة جردتها بالنهاية من حضريتها وأعادتها إلى نفس طبيعة المدن الدينية الأخرى بالدولة . كانت عاصمة الدولة الإسلامية قبل بغداد هي الكوفة , وهي مدينة دينية منذ تأسيسها ومن ثم إتخاذها عاصمة من قبل الإمام علي إبن أبي طالب لدولته , وهي لا تزال مدينة دينية إلى يومنا هذا . ولكي نفهم دواعي هذا الإنتقال علينا أن نعود قليلا إلى الوراء ونعترف بأن الإمام علي بن أبي طالب ظل يسعى للوصول إلى السلطة منذ وفاة النبي محمد , وحين تولى الخلافة بعد مقتل عثمان بن عفان كانت خطوته الأولى بإتجاه تعزيز السلطة التي نالها هي في الخروج من المدينة المنورة ومكة المكرمة اللتان تعجان بالمعارضين لتوليه الخلافة والإنتقال إلى الكوفة حيث يكثر مؤيديه ومن أرادوه خليفة , فصارت تلك المدينة بذلك قلعة لشيعة الأمام علي , وظلت كذلك على مر الزمان . ويجب أن ندرك أيضا بأن العباسيين ركبوا الموجة الطائفية للوصول إلى الحكم حيث كانت شعاراتهم عند محاربتهم للدولة الأموية السنية تحمل طابع نصرة أل البيت وإعادة دفة الحكم لأيديهم لذلك فقد حظوا بتأييد ساحق من الطائفة الشيعية لمساعيهم بالبداية . وعليه فقد كان إتخاذهم للكوفة عاصمة لدولتهم يتوافق مع ما إدعوه , لكنهم لم يلبثوا وأن أفصحوا عن هويتهم الحقيقية بعد سنوات قليلة من وصولهم للحكم وظهر جليا بأنهم ليسوا غير طلاب سلطة ولا علاقة لهم بالشيعة وحركتها مطلقا , بل لا علاقة لهم حتى بالدين . لذلك فقد حاول المنصور الخروج من خيمة الدين ونفض عباءة أل البيت والنأي بنفسه بعيدا عن التدين والطائفية فبنى بغداد وإتخذها عاصمة لدولته بعيدا عن الكوفة ذات الصبغة الدينية والشيعية . غير أن أئمة الشيعة الساعين للوصول إلى الحكم لم يتركوا الأمور تمضي وفق ما أراده الخليفة وظلوا دائما يطرقون أبواب الحاكم لإثبات وجودهم فوجدناهم يتبعون الخليفة العباسي أينما ذهب فجاءوا إلى بغداد حيث مقر الخلافة , وذهبوا بعدها إلى سامراء وصار لهم اضرحة في كلا هاتين المدينتين . لم يكن أمام الخلفاء العباسيين اللاحقين في التصدي للأئمة الشيعة الذين يلاحقونهم سعيا وراء الوصول إلى السلطة غير ركوب الموجة السنية وشحنها كفعل مضاد للحركة الشيعية فتبلورت بذلك الطائفية وظلت تنموا وتترعرع على مدى قرون حكم الدولة العباسية . ولأن كفاح الحركة الشيعية ونضالها للوصول إلى السلطة كان يتخذ شكل الحرب الباردة ولم يتخذ من العنف وسيلة , لذلك لم يحصل صدام طائفي مطلقا في مدينة بغداد ولا في أي مكان أخر بالدولة الإسلامية بالرغم من أن بذروه كانت موجودة بالأرض . وكنتيجة لهذا صارت بغداد مدينة مشتركة يعيش فيها السنة والشيعة جنبا إلى جنب يرعون مذاهبهم وينظرون لعقائدهم التي أخذت تنمو وتزدهر وتتشعب , لكن لم يفكر أي منهما بالهيمنة على المدينة وفرض هويته عليها . ووفق نفس المبدأ سكن اليهود والنصارى بغداد أيضا وظلوا يمارسون شعائرهم وعباداتهم في ظل الدولة من دون أي تضيق أو محاربة , لذلك سميت بغداد بدار السلام كتعبيرعن الوئام والتأخي الموجود بين أقوامها وأديانها وطوائفها .

غير إن الأمر إختلف في القرن العشرين , ويبدوا بأن ما فشلت بتحقيقه امبراطوريات دينية متتالية وأحتلالات متكررة على مدى قرون في تغيير طبيعة مدينة بغداد أو التأثير على هوية سكانها على وشك أن تفلح به أنظمة محلية حديثة يفترض بأنها أنظمة وطنية جاءت من خضم معاناة الناس . لقد تمثل هذا الإختلاف في عدد من الأفعال وقعت خلال المئة سنة الأخيرة أدت إلى تغيير الطبيعة الديموغرافية لسكان هذه المدينة . الفعل الاول بهذا المجال كان في تهجير اليهود من سكان بغداد اواخر الاربعينات واوائل الخمسينات . لقد فقدت بغداد بهذه الهجرة 20% من سكانها الذين عاشوا بربوعها لقرون طويلة وتركوا بصماتهم عليها . الفعل التالي كان في قيام الزعيم عبد الكريم قاسم بتهجير 120 الف من فلاحي مدينة العمارة وإسكانهم في ضواحي بغداد . لم يتوقف الأمر عند هذا الفعل بل تلته نزوحات أخرى كان السبب فيها إنعدام الخدمات بالريف والمدن الصغرى وقلة فرص العمل مما جعل المزيد من السكان الجنوبيين يتوجهون للعاصمة حيث تتوفر الخدمات وفرص متنوعة للعمل . لقد كان لهؤلاء النازحين وتكاثرهم المنفلت اثرا كبيرا في تغيير طبيعة مدينة بغداد حيث زاد عددهم حتى بلغ بعد نصف قرن حوالي أربعة ملايين نسمة شكلوا 60 إلى 70% من عدد سكان بغداد حاليا . والفعل الأخر الذي وقع لمدينة بغداد هو بالهجرة المنظمة لسكانها المسيحيين إلى دول الغرب منذ ستينات القرن الماضي بسبب شعورهم بإضمحلال هويتهم وإنزواء ممارساتهم الدينية نتيجة لتعاظم أعداد النازحين الطارئين على مدينة بغداد من الذين يحملون عقائد دينية مخالفة ذات طبيعة مهيمنة , الأمر الذي جعلهم يشعرون بأنهم ليسوا بالمكان المناسب وإن وجودهم ومستقبلهم بخطر . الفعل الأخير والأكثر خطورة وقع بعد عام 2003 وكان بممارسة التطهير الطائفي والديني والعرقي , وبالذات أثناء الحرب الأهلية بالسنوات 2006 – 2008 . كان من نتائج هذا الفعل هجرة مئات الألوف من العراقيين هربا من أعمال القتل والخطف التي شاعت بالبلاد . كان أكثر المهاجرين هم من العرب السنة والمسيحيين وبعض الشيعة الذين لم يرق لهم ما أل اليه حال البلاد , وقد وقعت معظم تلك الهجرة من مدينة بغداد مع نسب أقل من بعض المدن العراقية الأخرى . أخذ هذا التطهير شكلا معلنا في سنوات الحرب الأهلية , لكنه ظل يمارس بالخفاء حتى بعد إنتهائها ولا زال مستمرا حتى اليوم , ولم تبقى دولة بالعالم لا يوجد فيها اليوم عدد من اللاجئين العراقيين . فقدت مدينة بغداد نسبة كبيرة من سكانها الأصليين بعد هذه الهجرة التي كان الكثير منهم يتوقع عودتهم إليها بعد أشهر أو حتى سنين قليلة , لكن ها قد أخذت تمضي عقود ولم تحصل هذه العودة مما يؤشر نهاية مثل هذه الأحلام , خصوصا بعد أن عاش أولادهم وولد بعض أخر منهم في بلدان ومجتمعات مختلفة .

بناء على ما تقدم فأنا أرى شخصيا بان ما حافظت عليه مدينة بغداد طوال 1200 سنة من عمرها قد فقدته خلال المئة سنة الأخيرة , وإنها لن تعود إلى طبيعتها السابقة مطلقا . أن مستقبل مدينة بغداد بنظري هو أن تستمر بوتيرة التغير التي أصابتها وستصبح بالنهاية كأي مدينة جنوبية أخرى بالعراق , لكنها ستكون مدينة مكتظة تعوزها الخدمات الحضارية الصحيحة وتسودها العشوائيات , وليس من المستبعد بأن تتحول بسبب هذا الإكتظاظ وضعف الحكومات والقوانين إلى مدينة تسودها المافيات وتعشعش في ربوعها الجريمة مما سيجعلها من أخطر مدن العالم معيشة . هناك عاملا قويا ساعد بالوصول إلى هذه النتيجة يكمن بأنه لم يحكم بغداد واحدا من سكانها طوال الألف سنة الماضية بإستثناء حيدر العبادي مما يحعل الحاكم لا يهتم أبدا بما يصيب هذه المدينة . أعتذر عن هذه النظرة التي فيها بعض السوداوية لكن هذا ما تشير إليه تكهناتي , وأدعوا الله بأن أكون مخطئا وأن تعود بغداد إلى ما عرفناها وعهدناها بصغرنا وشبابنا , والله على كل شيء قدير .

د. وسام الشالجي
14 تشرين الثاني 2019
 
 

هل كان صدام حسين حاكم طائفي - مقال

 لكي تتم الإجابة على هذا السؤال بموضوعية لابد من التطرق إلى مجموعة من الظروف التي عملت على تكوين شخصية صدام حسين كما عهدناها , ومعرفة العوامل التي بلورت نفسيته وطريقة تفكيره وصنعت كيانه العام وكيف بنى طموحاته بالحياة . الأمر الاول الذي يستوجب البحث فيه هو دراسة الاسباب التي خلقت من صدام حسين رجلا عنيفا وشديد المراس وكيف اصبح صارما بشكل خارج عن المألوف . ان النشاة الأولى التي ترعرع بها صدام والطريقة التي تفاعلت معه الحياة وتفاعل هو معها , خصوصا في طفولته الاولى , في كونه قد نشأ بدون اب وعانى بشدة من قسوة وتسلط زوج أمه وخبر قسوة أعمامه مما جعله يقاسي من صعوبة الحياة ويضطر في اخر الامر إلى اللجوء إلى بيت خاله في بغداد . وبدلا من أن يحتضنه خاله ويرعاه ويوفر له بيئة صالحة ويخلص في تربيته فقد ساهم هذا الرجل هو الاخر في أيذائه من خلال إستخدامه بخبث لتحقيق اغراضه وجعله أداة في الإقتصاص من خصومه . وفي ظل بيئة جديدة تعج بالاشقيائية ويسود بها أصدقاء السوء ترعرع الفتى صدام حسين وكبر في ظل أوضاع لا يشتهيها اي أمرؤ لاولاده فإعتاش مع تلك الحثالات لكنه نال بنفس الوقت خبرات واسعة في التعامل مع صعوبات الحياة وعرف كيف يتعامل مع الخصوم . تعلم صدام حسين في تلك البيئة القسوة والعنف وإستوعب مبدأ الغاية تبرر الوسيلة وإن كل ما يقربه من تحقيق هدفه هو امر مشروع من الجائز سلوكه مهما كان نوعه . وبالرغم من هذه الظروف الصعبة والوسط السيء فقد إنخرط الفتى صدام حسين ولو متاخرا بالمدرسة ألتي عرف منها سيرة الرجال العظام بتاريخ الامة العربية وقادة الدين الإسلامي وإعجب بهم أيما إعجاب حتى اصبحوا إمثولته بالحياة فبدأ بتقمص شخصياتهم ويرى في نفسه إمكانية أن يكون مثلهم إذا ما ساعدته الحياة على ذلك . وشهد صدام حسين وهو طالب بالثانوية وقوع ثورة 14 تموز , وشهد بيومها سحل الامير عبد الإله الذي مرت الجموع بجثته على بعد عدة مئات من الأمتار من بيته ورأى بعينه كيف تتعامل جموع الغوغاء مع الحاكم أو المسؤول إذا ما وقع في ايديهم . ترك هذان الحدثان إنطباعان قويان في نفس ذلك الشاب , أولهما هو إمكانية الوصول إلى السلطة من خلال الثورة على النظام , والثاني هو كيفية التعامل مع الشعب العراقي وكيفية حكمه إذا ما تحقق له مثل هذا الحلم . ومن يومها حلم صدام حسين بأحلام الثورة وقرر بأن يصبح ضابطا بالجيش من خلال الإنخراط بالكلية العسكرية وبناء نفسه وحياته ليكون بالمستقبل قائدا ألمعيا لكي يستطيع أن يخطط ويسعى للوصول إلى السلطة من خلال ثورة مشابهة لثورة تموز أو أي وسيلة أخرى . كما ادرك من مناظر سحل عبد الإله بأنه إذا ما وصل إلى السلطة فعليه أن يحتفظ بها بكل طريقة ممكنة ولا يجعلها تفلت من يده باي شكل من الاشكال لكي يضمن بأن لا يتعرض لإحتمال أن يحل به نفس ما حل بالأمير عبد الإله . وتشاء الصدف بعدها أن يتم كسب صدام لصفوف حزب البعث الذي راى في فكره القومي العروبي وتمجيده لماضي العرب نوع من التوافق بينما ما يحلم به ويتطلع إليه وشيء يمكن أن يرضي بداخله بعض الطموح الذي يداعب مشاعره . غير أن هذا الكسب سبب بعد فترة قصيرة إلى تعرض صدام حسين إلى أكبر ضربة ساهمت في كسر الطريق الطبيعي نحو الطموح الموجود بداخله , تلك هي في إختياره ضمن مجموعة الإغتيال التي كلفت بمحاولة إغتيال الزعيم عبد الكريم قاسم . راى صدام حسين في الإنخراط بهذه المجموعة نوع من التسريع للوصول إلى الهدف الذي ينشده , لكن تشاء الصدف بأن تفشل المحاولة ويضطر إلى الهرب إلى سوريا فتحطمت مؤقتا كل أماله وطموحاته التي كان يخطط لها . قرر صدام حسين بعدها التمسك بقوة بحزب البعث الذي كان نفسه السبب في توريطه وخسرانه للفرصة التي كان يخطط لها في الإنخراط بالجيش وأن يصير مع الوقت ضابط لامع وقائد كبير محتمل لكي يحقق من خلال تلك الفرصة كل أهدافه .

الظرف الثاني الذي لابد من التطرق إليه للإجابة على التساؤل الوارد أعلاه هو ضرورة معرفة المصدر الذي خلق من صدام حسين رجلا علمانيا . أن هذا الهدف يدفع إلى دراسة طبيعة حزب البعث ومعرفة ماهية رجاله وفهم نوعية فكره وبالتالي إدراك الطريقة التي خلقت من البعثي صدام حسين رجلا علمانيا . نشا حزب البعث بالأربعينات وقد حمل منذ بداياته فكر قومي عروبي ينطلق من مبدأ بعث تراث الامة وإحياء ماضيها وبناء دولتها العربية الموحدة . وفيما يتعلق بالدين فقد كان حزب البعث يحمل فكرا علمانيا بحتا يتلخص في إبعاد الدين عن مسرح السياسة وعدم غستخدامه لأغراض سياسية وترك رجال الدين يمارسون دورهم في دور العبادة حصريا وعدم السماح لهم باي شكل من الاشكال من تبوأ أي مواقع قيادية بالدولة . وبسبب علمانية هذا الحزب فقد كان لا يفرق ابدا في تعامله بين الاشخاص على اساس الدين أو العرق أو الطائفة , واقوى دليل على هذا هو إن  أغلب قادة حزب البعث الذين قادوه إلى السلطة في 8 شباط عام 1963 كانوا من الشيعة , وبالذات من من محافظات الوسط والجنوب . وقد ظل الحزب يسيل على هذا المنوال حتى بعد وصوله للسلطة للمرة الثانية عام 1968 . وفي عام 1973 قام حزب البعث بخطوة حاسمة منطلقا من توجهاته العلمانية تمثلت في منع ممارسة الشعائر الشيعية الحسينية بالعلن . لم تكن هذه الخطوة منطلقة من توجه طائفي أو تمييز أو إستهداف للطائفة الشيعية بأي شكل من الاشكال وإنما كانت مجرد تجسيد لفكرة إلغاء الهيمنة الدينية على المجتمع وتحويله إلى مجتمع مدني بحث . ووفق نفس التوجه فقد أصبح صدام حسين الذي صار مع الزمن صنيعة من صنائع حزب البعث رجلا علمانيا هو الاخر ولم يكن ينظر للدين بغير كونه حالة يجب أن تكون بعيدة عن الحكم ودروبه , وإذا كان هناك ضرورة فيمكن جعله وسيلة تستخدم عند الحاجة لإغراض الحفاظ على السلطة . ومع ذلك لم يكن صدام حسين رجلا ملحدا أو بدون دين , لكن كان الدين الذي يؤمن به هو دين من غير أحكام ولا حدود ولا إمام ولا ولاء , وهذه كلها أمور يضعها الحزب حسب مقتضيات مصلحته , أو بكلمة أخرى يضعها هو بعد أن صار حزب البعث هو صدام حسين , وصدام حسين هو البعث .  

وبالرغم من فكره العروبي والقومي فقد إصطدم حزب البعث على مدى وجوده بالسلطة سواء بالعراق أو في اي بلد عربي اخر بجدارين قويين أدت إلى تهشيم كل مبادئه وتحطيم كل فكره . الجدار الاول كان هو الفرق بين النظرية وهي مسطرة على الورق وعملية تطبيقها على أرض الواقع والذي كثيرا ما ينجم عنه إستحالة تطبيق الافكار والمثل النموذجية في عالم يضج بالتناقضات وتسوده الصراعات وتعم فيه الإختلافات مما يجعل النظرية بواد والتطبيق بواد اخر . لا يختلف حزب البعث بهذا الأمر عن أي حزب أخر يبتدع نظرية سياسية أو أقتصادية مثالية ويحاول تطبيقها على مجتمع لا يتقبلها بسهولة ليصبح في نهاية المطاف حاله من حال من يلبس شخص ما لباس ذو مقاسات معينة تختلف عن مقاساته . الجدار الثاني الذي إصطدم به حزب البعث هو الطبيعة الإنسانية للأفراد التي تحاول على الدوام تحقيق اغراضها وضمان مصالحها باي وسيلة , لذلك فقد ركب موجة البعث على مدى تاريخه قادة ورجال سعوا بشكل حثيث لتحقيق أحلامهم ونواياهم من خلال الحزب , وكان صدام حسين مثل واضح وصارخ على مثل هؤلاء . لم تسنح امام صدم حسين فرصة الإشتراك بحركة 8 شباط لأنه كان خارج العراق ولكنه عاد بعد فترة قصيرة من نجاح الحركة وبدأ يعمل بشكل حثيث في صفوف الحزب محاولا الصعود باسرع وقت ممكن . ولأن حزب البعث كان يضم فطاحل وقياديين لا يمكن أن يجاريهم لا بفكرهم ولا بتاريخهم النضالي ولا في اسبقيتهم بالإنخراط في الحزب رجل بسيط في فكره مثل صدام حسين , لذلك فقد ظل يبحث عن الطريقة المثلى التي تمكنه من الوصول إلى غاياته وكيف يجعل من هذا الحزب وسيلة لايصاله لاهدافه بعد أن خسر فكرة الإنخراط بالجيش . وحين قامت حركة 18 تشرين وجدناه يساهم بفعالية بها حيث ساهم هو وابن خاله عدنان خيرا الله في إحتلال الإذاعة متاملا بأن تساعده هذه الخطوة في القفز بشكل أسرع نحو السلطة لكن عبد السلام عارف الذي كان يخطط للإنفراد بالسلطة أزاحه هو وغيره من البعثيين من المشهد بسرعة . وبعد هذه التجرة الفاشلة قرر صدام حسين إستعمال إسلوب اخر بالصعود لهذا فقد زج نفسه في مؤسسات الحزب الصدامية محاولا استثمار خبراته السابقة بهذا المجال وتسخيرها لخدمة الحزب مما يمكن أن يساعده في القفز إلى الأعلى بسرعة وأن يجتاز كل من هو أمامه وأن يتخطى كل رجالات الحزب بشكل أو بأخر . وفي عام 1968 تهيأت الفرصة لحزب البعث من جديد في القفز إلى السلطة بعد أن لعب غباء عبد الرزاق النايف وعبد الرحمن الداود دورا قويا في تحديد مصيرهما ومستقبلهما فقررا بأن يشركا حزب البعث معهما بالمحاولة الإنقلابية التي خططا لها فكانت النتيجة المعروفة في إزاحتهما بسرعة من المشهد والسلطة في حركة 30 تموز التي كان بطلها بلا منازع هو صدام حسين فقفز بذلك إلى منصب قيادي رفيع هو نائب رئيس مجلس قيادة الثورة . وبعد مسلسل طويل من التهيئة وإزاحة الخصوم وتصفيتهم وتخطي الحواجز إستطاع هذا الرجل بقدرة فذة يمكن أن تثير الإعجاب إلى الوصول لرأس السلطة وتربع على عرشها قائدا أوحدا لا شريك له بالسلطة عام 1979 .

كان شعار صدام حسين بعد وصوله ألى السلطة وطريقته في الحكم تتجسد بمقولة "لقد جئنا لنبقى ولن نفرط بما وصلنا إليه ابدا" . لذلك فقد كانت من اكبر الكبائر في نظام صدام حسين هي  في منازعته على السلطة التي وصل أليها بشق الإنفس وبعد نضال مرير تضمن إزاحة وتصفية العشرات من القادة والمفكرين من رجال الحزب والجيش . ليس هذا فقط بل كان يرى بأن من الواجب القضاء على كل شخصية يمكن أن تحمل بعض عناصر القيادة ويمكن أن تصبح شخصية محتملة لأن تمضي بطريق يوصلها إلى السلطة . هناك قادة وضباط كبار اعدمهم صدام ليس لانهم قاموا باعمال أو أخطاء تهدد نظامه أو تنازعه على السلطة وإنما تمت تصفيتهم لمجرد أنه وجد فيهم عناصر متكاملة من القيادة فاعتبرهم منافسين مرشحين يتوجب ازالتهم من الوجود عملا بالمبدأ الميكافيلي . ومن نفس المنطلق كان صدام حسين لا يتاخر ولا يتردد في التصدي للدين وكل رجاله اذا ما شعر بالخطر منهم باي شكل من الاشكال . ولان صدام حسين بطش ببعض كبار قادة الشيعة وصفاهم بلا رحمة يتصور البعض بأن صدام حسين كان يمارس الطائفية وإن أعماله تمثل إنحياز للسنة والعداء للشيعة . بواقع الامر أن الشيعة وكبار قادتهم هم الذين تصدوا لصدام حسين وهم الذين عملوا ضده وتأمروا عليه بهدف إزاحته من السلطة لذلك فقد قام هو بالمقابل بالتصدي لهم وتصفية قادتهم وزعمائهم , ولو كان السنة هم الذين قاموا بذلك لبطش بهم بنفس القوة وبذات الطريقة . ان قسوة صدام حسين تتبين بوضوح من مواقفه حتى مع افراد عشيرته وابناء أسرته حين أمر بتصفية أزواج بناته وقتل رجال وأطفال وحتى نساء هم من اقرب الناس إليه , ومن هذا الموقف يمكن أخذ فكرة عن مدى  تمسكه بالسلطة وعدم السماح لاي فرد بأن يفكر في الوصول إليها حتى لو كان واحد من ابنائه .

لقد ظل صدام حسين ونظامه عصيا على كل من فكر في إزاحته من منصبه , وبعد ان يأست كل القوى المضادة له من الوصول إلى هدف إسقاطه لم يتبقى أمامهم غير التحالف مع الامريكان وإقناعهم بغزو العراق لإنهاء حكمه بحجة تهديده للسلام العالمي من خلال سعيه للحصول على اسلحة الدمار الشامل . ولقد اثبتت الوقائع وكل الحقائق فيما بعد بأن هؤلاء لم يكونوا يعادون صدام حسين بسبب يتعلق بالوطنية ومصلحة البلد , ولا ينازعونه بسبب طائفيته المزعومة بل إنما كانوا يعادونه لأجل الإستحواذ على ثروات البلاد ومسك حنفيات الذهب التي تدر الموارد على بلد يعتبر من اغنى دول العالم بمقدراته وثرواته الطبيعية وإمكانياته , وما نحن فيه اليوم هو دليل كامل على كل ما تقدم .

د. وسام الشالجي
26 تشرين الثاني (نوفمبر) 2019
  

الانطلاقة ...

منذ وقت طويل وأنا أفكر بإنشاء موقع خاص بي , فلسنين عديدة تشتت نتاجاتي في العديد من المواقع حتى ضاعت في دهاليزها وتبددت في أروقتها ولم...