الجمعة، 27 مارس 2015

ما هو مدى تأثير صالح وداود الكويتي على الموسيقى العراقية الحديثة

بقلم
وسام الشالجي



لكي نعرف مدى تأثير الاخوين صالح وداود الكويتي على الموسيقى والاغاني العراقية الحديثة لابد ان ان نتطرق الى ما قدماه واستحدثاه في مجال الاغنية والموسيقى . تدارس الاخوان صالح وداود الكويتي المقام العراقي واستطاعا بذكاء ان يوظفا مقاماته لخدمة الاغنية فخلقا بذلك اغنية عصرية تتميز بعذوبة الحانها . ليس هذا فقط بل ان الموسيقار صالح الكويتي ابتدع مقام اللامي الذي لم يكن معروفا من قبل . ولو نظرنا الى الاغنية العراقية قبل ظهورهما لوجدنا بان افضل ما فيها كان محصورا بالمقام العراقي الكلاسيكي الذي كان سائدا لعشرات السنين , اضافة الى الحان عثمان الموصلي التي تنضوي تحت اطار موسيقى القرن التاسع عشر , اضافة الى الاغنية الريفية التقليدية . ومع تأسيس الدولة العراقية الحديثة نشأت طبقة جديدة من المثقفين والضباط ورجال الاعمال والحرفيين , وصارت هي التي تسير الامور بالبلد . غير ان هوة كبيرة تولدت بين اذواق افراد هذه الطبقة المتسمة بالحداثة , وبين ما موجود من فنون موسيقية وغنائية سائدة على الساحة . وفي هذه المرحلة الحاسمة والدقيقة جاء صالح وداود الكويتي وظهرا على الساحة ليملئا هذا الفراغ بأغاني وموسيقى جديدة ذات نكهة مميزة تعبر عن مشاعر فتيان وفتيات هذه الطبقة الجديدة .

ان اول ما ابتدعاه هذان المجددان هو ادخال ألات موسيقية جديدة على طريقة عزف الموسيقى العراقية اضافت اليها طابع الحداثة والتجديد . فمن سنطور المقام وجوزته والطبك , صارت الاغنية تعزف بالكمان والقانون والعود والناي والجلو والطبلة اليدوية (الدنبك) وبتعددية رائعة صنعت منها الاغنية الحديثة المنسوبة للمدينة كما نعرفها اليوم . ومع ان معظم مؤلفات الاخوين كان ضمن اطار الاغنية البغدادية , لكننا لو نظرنا الى اين امتدت اناملهما لوجدنا بانها طالت ايضا الاغنية الريفية والاغنية الموصلية , ومن قبل هذه كله الاغنية الكويتية اولا . ان هذا ان دل على شيء فانما يدل على انهما يحملان عبقرية موسيقية فذة لم تقف عند لون واحد ولم تتحدد بنوع معين من الاغاني . لقد كان الاخوان صالح وداود الكويتي مدرسة موسيقية بحد ذاتها , ولو لاحظنا الموسيقى والاغاني العراقية في عصر الاربعينات والخمسينات لوجدنا بانها متأثرة جدا بهذه المدرسة , وان اساليب جميع الملحنين الذين عاشوا بتلك الفترة وما بعدها , مثل احمد الخليل وعباس جميل ورضا علي كانت مشابهة تقريبا لاساليب صالح وداود الكويتي . وحتى من ناحية نوع الكلمات التي لحناها وغنياها فانهما كانا متنوعان حيث نجد في اغانيهما القصيدة , البستة , الابوذية , العتابة , الموال . وبالموسيقى , فقد كانا رائعين بحق وهما أول من ألفا المقطوعات الموسيقية المنفردة بتاريخ الموسيقى العراقية .

وبهذا يعد صالح وداود الكويتي هما من وضعا اسس الموسيقى والاغنية العراقية الحديثة كما نعرفها اليوم , ولازالت الاغنية البغدادية تقريبا كما هي لم تتغير منذ ان غادرا العراق عام 1951 . كما انهما قدما الى الساحة الفنية اصوات جديدة تتناسب مع ما حدثاه بالاغنية مثل: بدرية انور وحضيري أبو عزيز وداخل حسن وزكية جورج ونجاة سالم وغيرهم . ان لمن المؤسف ان يبقى العراق متنكر لفضل هذان العبقريان لاكثر من ستين عاما , وان يتناسى فضلهما ودورهما الكبير الذي لعباه في تأسيس الاغنية العراقية الحديثة . ان الحكومة العراقية , وبالذات وزارة الثقافة مدعوة لان تعيد النظر بمواقفها من اسمين لامعين , انتشر صيتهما بين العامة بفضل عظمة عطائهما وليس بفضل من احد او من جهة ما . تحية كبيرة لهذين الفنانين الكبيرين , وليهنأ التراث الثقافي والفني العراقي بما تركاه من ارث كبير لن نستطيع الاصوات الخبيثة والحاقدة من تغييبه وطمره بعد ان وقف شامخا كالمارد نافضا عنه تراب السنين التي مرت , ولافظا الى الابد كل جهد اتخذ لتغييبهما ومسح اسميهما من ذاكرة الفن العراقي .

وسام الشالجي
27 أذار 2015   

الخميس، 26 مارس 2015

هل كان قرار صالح وداود الكويتي بالهجرة الى اسرائيل صائبا ؟



بقلم
وسام الشالجي




بعد ان اطلعنا على تفاصيل كثيرة عن حياة الفنانين الكبيرين صالح وداود الكويتي في البلدان الثلاثة التي عاشا بها , الكويت والعراق واسرائيل , حان الان الوقت للتطرق الى سؤال مهم جدا هو : هل كن قرار صالح وداود الكويتي بالهجرة الى اسرائيل صائبا ؟ لابد وان يبدر على ذهن القاريء جواب سريع بعد ان عرف مقدار المعاناة التي صادفت الاخوين بعد الهجرة بان قرارهما ذاك كان حتما خاطئا , خصوصا وانهما خسرا بسببه مكانتهما الفنية وشهرتهما وصيتهما , علاوة على ممتلكاتهما وامولهما . غير ان الامر لا يمكن النظر اليه من هذه الزاوية فقط بل يجب ان تأخذ بنظر الاعتبار جميع الظروف التي كانت سائدة ساعة اتخاذ هذا القرار , وحتى الظروف السابقة واللاحقة له وما حصل بعده من احداث .

كان صالح وداود الكويتي يعتزان بعراقيتهما ويمتلكان روحا وطنية لا تختلف عن مشاعر اي عراقي أخر . لقد كانا يشاركان في جميع المناسبات الوطنية التي تجري بالبلد , ولهما اعمال وضعت خصيصا للاحتفالات بمناسبات تتويج ملوك العراق , ومن بينها احتفالات تتويج الملك غازي بعد وفاة والده الملك فيصل الاول . وفي نفس الوقت كان الاخوان ناشطين في مجال الحفاظ على حقوق الجالية اليهودية بالعراق وحماية قيمها ومرتكزاتها . لم تكن جهودهما تلك بدافع سياسي وليس لها علاقة ابدا بقيام دولة اسرائيل . لذلك ظلت علاقة الرجلين بسياسي البلد علاقة متينة وسليمة , وكانا يدعيان لاحياء اغلب الحفلات العامة والخاصة . غير ان الحال تغير في قرارة نفسيتهما بعد احداث مايس 1941 , اذ كان للاعمال التي جرت لليهود وحوادث القتل والسلب والنهب اثر كبير اثر سلبي كبير جعلهما يشعران بان اوضاع الجالية اليهودية , واوضاعهما الخاصة ليس فيها من ضمان ابدا وان الاخطار يمكن ان تصيبهما في اي وقت ولاي سبب .

ذهبت احداث فرهود عام 1941 ونسيت من قبل العامة , لكنها لم تنسى من قبل اغلب اليهود , وعلى راسهم صالح وداود الكويتي , ومع ذلك , فقد ظل الرجلان يمارسان اعمالهما بنشاط كبير ابرزه افتتاحهما لملهى ابو نواس وكذلك قيام صالح الكويتي بتلحين اغاني فلم (عليا وعصام) وهو اول فلم عراقي . كما استمر عطاء الفنانين ولم يتوقف وظلت اغاني المطربين والمطربات العراقيات من الحانهما تصدح حتى صارا مدرسة فنية بحد ذاتها يسعى كل الملحنين الجدد للتعلم منهما والاقتباس من موسيقاهما واسلوبهما بالتلحين . اصيبت اوضاع الجالية اليهودية بالعراق بنكسة اخرى جراء اندلاع الحرب العربية الاسرائيلية بعد الاعلان عن قيام دولة اسرائيل عام 1948 . اصبح الوضع محرجا وصعبا نتيجة الصراع بين شعورين داخليين متناقضين , شعور فيه تأييد لمساعي اليهود بانشاء دولة لهم وشعور مضاد أت من الولاء للوطن الذي يعيشون فيه والذي اصبح بحالة عداء مع تلك الدولة . كان الشعور الثاني متغلبا لدى صالح وداود الكويتي , ولم يفكرا قط بانتمائهما لاسرائيل بل ظلا يتعبران انفسهما عراقيين اصيلين . كانا يزيلان من تفكيرهما اي فكرة تمر على بالهما , ولو بخاطرة سريعة بانهما يجب ان يتعاطفا مع دولة اسرائيل ويؤكدان في عقلهما بان مثل هذه الافكار يجب ان لا يكون لها وجود في تفكيرهما .

غير ان الاوضاع استمرت بالتغير والتطور بسرعة , ومن مصادر لا تتعلق بهما شخصيا . فالشعور العام في البلد اصبح معاديا لليهود , والشكوك والريبة اصبحت تحوم حول كل يهودي بانه ربما يدعم بالباطن والسر قيام دولة اسرائيل . كما ان الاخطار اصبحت محدقة باليهود من جديد , وبات من المتوقع ان تتكرر اعمال مايس 1941 باي وقت . ظل الرجلان صامدان لبعض الوقت غير مباليان بما يحدث مواصلين اعمالهما الفنية في ملهاههما . غير ان الظروف ظلت تسير نحو الاسوأ حتى وصلت الى اسوأ مستوياتها عند صدور قرار من مجلس الوزراء صادق عليه مجلس النواب في اذار عام 1951 يقضي بالسماح لليهود العراقيين بالهجرة الى اسرائيل على ان تسقط الجنسية عن كل من يقرر الهجرة . واشترط القرار ان يكون السفر برغبة شخصية مفعمة بتقديم طلب رسمي يتضمن رغبة اليهودي العراقي بالهجرة الى اسرائيل وعدم ممانعته من اسقاط الجنسية العراقية عنه . وفي معرض التعليمات التي صدرت لتنفيذ هذا القرار جاء ما يقضي بتجميد الاموال المنقولة وغير المنقولة لليهودي المهاجر وعدم السماح له باخذ اي شيء يزيد عن امتعته الشخصية كمسافر عادي .

كان صدور هذا القرار هو منعظف حاسم في حياة اغلب اليهود العراقيين , ومن بينهم الاخوين صالح وداود الكويتي . قررت اسرة زوجة صالح الاستفادة من هذا القرار والهجرة , واخذت زوجته تضغط عليه لكي يتخذ نفس هذا القرار . اخذ الرجل يفكر مليا وطويلا قبل ان يتخذ مثل هذا القرار الغير سهل . وفي اثناء التفكير قرر اخذ رأي الفنانة سليمة مراد والتي هي يهودية ايضا . قالت له سليمة (انا لن اهاجر يا صالح وسابقى هنا بالعراق . لمن اغني باسرائيل اذا ذهبت اليها ؟ ومن سيستمع لي ؟ ان حياتي في العراق مع جمهوري ولا حياة للفنان من غير جمهوره حتى لوكلفني ذلك حياتي , لذلك فانا باقية هنا ) . كان هذا الكلام ينطبق الى حد ما على صالح الكويتي ايضا , لكن هناك بعض الفروقات التي كان يفكر بها ويرى بان من الواجب ان ياخذها بنظر الاعتبار . ان صالح الكويتي رجل وليس امرأة مثل سليمة , ووضع الرجل هو حتما اخطر واكثر حساسية من وضع المرأة . كما ان لصالح اولاد يخاف عليهم وليس مثل سليمة ليس لها اي اولاد تخاف عليهم .

ظل الرجل يفكر بعمق وبقوة , وظلت ايضا ضغوط زوجته وتأثيراتها يزداد مع الوقت . كان يعلم بان عليه ان يضحي بالكثير , وكان استياء الاوضاع وكثرة اليهود الذين قرروا الرحيل يقربه باستمرار من اتخاذ قرار الرحيل ايضا . كان يناقش الامر باستمرار مع اخيه داود الذي ربط قراره بالهجرة بقرار اخيه الاكبر صالح . ظلا يفكران بكل الاحتمالات ويتصوران ما يمكن ان يحدث بالمستقبل كاندلاع حرب اخرى بين العرب واسرائيل , أو حصول نفس احداث عام 1941 مرة اخرى , او صعود حكومة اسلامية الى الحكم . وبعد دراسة عميقة قرر صالح اتخاذ قرار بالهجرة وتقديم طلب رسمي بذلك , وعلى الفور اتخذ شقيقه داود نفس هذا القرار وقدم طلب مماثل . بعد ذلك بدأ الرجلان واسرتيهما يعدان انفسهم للرحيل واتصلا بالجهات التي تنظم موضوع السفر من بغداد الى تل ابيب .

ان قرار صالح وداود الكويتي بترك العراق والهجرة الى اسرئيل هو صائب وصحيح مئة بالمئة للاسباب التالية :
1-    لم تمضي مدة طويلة بعد عام 1951 حتى اندلعت حرب عربية اسرئيلية اخرى مما فاقم في ازمة اليهود الذين يعيشون بالبلدان العربية .
2-    تعرض الكثير من اليهود الذين بقوا في البلدان العربية الى التضييق على حرياتهم ومن بينها موضوع ممارسة شعائرهم الدينية , كما اغلقت معظم معابدهم .
3-    اتهم الكثير من اليهود المتبقين بالتجسس لصالح اسرائيل وقد اعدم اعداد كثيرة منهم .
4-    كان قرار السماح بالهجرة نافذا لمدة سنة واحدة , ومن لم يستفد منه ثم قرر الرحيل بعدها تعرض الى صعوبات كبيرة في السفر .
5-    لم يكن هناك من ضمان لان يستمر مستقبل الاخوين صالح وداود الكويتي الفني كما كان من قبل , خصاص بعد تطور الاحداث واشتداد حالة العداء بين اسرائيل والدول العربية .

سافر الاخوان صالح وداود الكويتي الى اسرائيل وانطوت صفحتيهما بالعراق ولحق بماضيهما ظلم كبير ليس له من مسوغ . لم يكونا الوحيدان الذي حصل لهما مثل هذا بالعراق , فكم من مبدع مظلوم في هذا البلد تناساه التاريخ وجار عليه الزمان , وانقض الرعاع على ما تركه بكل قسوة . فكل من ياتي لحكم العراق لابد ان تطول يداه الابداع والمبدعين بالقسوة وكانهم خصوم , كما هو اليوم حال مبدعينا وعلمائنا محاربين ومطاردين ومهمشين يجوبون بقاع الارض بحثآ عن ملاذ ومكان فيه بعض الامن والامان , حتى صارت بلاد الرافدين الاولى في التنكر لمبدعيها وابنائها المخلصين .

رحم الله الفنانان العراقيان العظيمان الاخوان صالح وداود الكويتي برحمته الواسعة واسكنهما فسيح جناته . لقد كانا حقا نخلتان عراقيتان ملأ رطبهما كل ارض العراق , وتحول عطائهما الى ارث فني غني ورفيع كان ولايزال يتغنى به الاجيال . وتحية لهذين الوفيين اللذين عاشا وماتا بحب العراق واهله حتى وان جار عليهما الوطن والزمان لفترة من الزمن وصارا من المنسيين . وسلاما لكما يا صالح وداود , يا أبنا العراق وابناء دجلة والفرات , يامن شربتما منهما وارتويتما بمائهما العذب فنمت بداخلكما روح الوفاء فغرستما بالحانكما مشاعر الحب بين نفوس ابناء وطنكما الام . اليوم نقول لكما سامحوا بلدكم على ما حصل لكما فيه من غبن , واغفروا لاخوتكم على ما بدر منهم نحوكم من ظلم . وبارك الله بالمخلصين والخيرين الذين اجتمعوا هنا لكي يكرموكما ويستذكرون عطائكما وفنونكما ويعيدوا اليكما شيء مما سلب منكما , عسى ان يكونوا قد أدوا الامانة واوفوا بالعهد الذين اخذوه على انفسهم بحفظ تراث بلادهم وصيانته من كل سوء ونقله بامانة الى من سيأتي بعدهم من الاجيال , والله من وراء القصد .

وسام الشالجي
27 اذار 2015

الأربعاء، 25 مارس 2015

حياة صالح وداود الكويتي في اسرائيل

بقلم
وسام الشالجي



بعد وصول صالح وداود الكويتي الى اسرائيل شعرا بالفراغ الروحي في هذه الدولة الجديدة التي قدموا إليها وذلك نتيجة لهيمنة الثقافة والفنون الاوربية التي سادت بين مؤسسي دولة إسرائيل . فليس هناك من راديو شرقي يستمعان اليه , وليس هناك من شخص يمكن ان يحدثهما بموضوع فني عملا به ، وليس هناك من احد يتمنى ان يستمع الى غنائهما او عزفهما . وبالواقع لم يكن هناك حتى ألة لديهما يستطيعان ان يعزفا عليها , اللهم باستثناء ادوات المطبخ الموجودة في خيمتيهما والتي كانا في بعض الاحيان يدقان بها على القدور لاصدار بعض الاصوات الموسيقية .

بقي صالح وداود الكويتي في المجمع السكني التابع للمستعمرة القريبة من مدينة حيفا عدة شهور , ثم قررا بعدها محاولة البحث عن عمل في مدينة حيفا او في تل ابيب . اخذ الشقيقان يطوفان على المحلات الشهيرة والنوادي الليلية عارضين خبرتيهما باحثين عن فرصة عمل . لم يكترث لهما احد لان اغلب النوادي كانت عبارة عن مراقص تعزف الاغاني والموسيقى الغربية , او مطاعم تعزف مقطوعات من الموسيقى الغربية الكلاسيكية . لم يكن هناك قط محل يعزف اغاني او موسيقى عربية او عراقية . كانا يسألان عند مراجعتهما اي محل او نادي (هل تستطيعان العزف على الغيتار ؟ هل تستطيعان غناء اغاني غربية ؟) وحين يأتي الجواب (لا) يتم الاعتذار لهما فورا . من ناحية اخرى فان كل من كان يقابلانه يعرضان عليه خبرتهما يقول لهما على الفور (عن ماذا تتحدثان ؟ من في اسرائيل يرغب بان يسمع اغاني وموسيقى الاعداء ؟ اذهبا وغيرا من عملكما لكي تستطيعا ان تعيشا هنا) . يعود السبب في كل هذا الى المحاولات الحثيثة من قبل قادة الدولة الذين هم من اصول اوربية وامريكية الى اشاعة روح الحياة الغربية في المجتمع الاسرائيلي وعدم ترك الفرصة لاي ثقافة شرقية بالتسلل الى مفردات المجتمع . ومن جملة ما كان مخطط له هو دمج جميع القادمين الجدد من البلدان العربية بالمجتمع عن طريق صهر ثقافتهم التي يحملونها في بودقة الثقافة الغربية بسرعة  .

ادرك الشقيقان بعد مدة من البحث بان فرصة ان يشتغلا بما تخصصا به بالماضي باتت صعبة جدا , ان لم تكن مستحيلة في مجتمع تهيمن عليه الجاليات اليهودية القادمة من اوربا وامريكا . اما المهاجرين اليهود القادمين من البلدان العربية , فهم على كثرتهم ليس لهم اي تأثير لا مادي ولا اجتماعي في الدولة كما يبدوا , وليس من المنتظر على المستوى القريب ان يكون لهم اي دور في ادارة الدولة الجديدة . بعد فترة من السكن في المستعمرة الزراعية قرب مدينة حيفا قرر صالح وداود الكويتي مغادرة المستعمرة واستئجار بيت في ضواحي مدينة حيفا وفتح دكان صغير يبيعان فيه الأواني المعدنية وبعض مواد البقالة . استطاع الاخوان القيام بهذا من خلال ما كان يتوفر لديهما من مال قليل كان معهما من البداية , اضافة الى بعض ما جمعاه من عملهما بالمستمرة بالاعمال الزراعية . اشتغل المحل لكن ليس بيسر , لكنه استطاع ان يسد نفقات ايجار البيت والمعيشة , وفي بعض الاحيان يبقى شيء قليل فوق ذلك يوفرانه . ويذكر المفكر والباحث الموسيقي حسقيل قوجمان في معرض ذكرياته عن الاخوين صالح وداود الكويتي فيقول : عندما خرجت من السجن في بغداد ورحلت مرغماً إلى إسرائيل سكنت عند أختي هناك , والمكان الذي كانت تسكنه في أسرائيل كان بجوار سوق يشبه إلى حد كبير  سوق حنون في بغداد .  في ذلك السوق يجد الزائر نفسه كأنه في سوق عراقية , المأكولات والمشروبات وكل شيء هناك عراقي . أخذتني أختي إلى هناك وهناك أصابتني الدهشة والذهول حين رأيت داود الكويتي واقف في كشك صغير يبيع الأواني المعدنية , وهذا الكشك كان بالشراكة مع أخيه صالح . كان داود في حينها يتعامل مع أمرأة حول ثمن قدر وحول قرش زائد أو قرش نازل , عندها فاضت عيوني بالدموع وقلت فهل من المعقول أن يصل هذان العملاقان في عالم الموسيقى إلى هذا الحد من الفاقه .

كان اول شيء فكر به الاخوان بعد ان صار عندهما بعض المال هو شراء الات موسيقية يستطيعان العزف عليها . لم يكن من الصعب العثور على كمان لانه الة موسيقية غربية قبل ان تكون شرقية , غير ان الحصول على عود لم يكن سهلا لانه الة شرقية بحتة , غير ان المثابرة وعدم اليأس جعلتهما يجدان عود لدى احد اليهود الشرقيين فاشترياه منه . بعد توفر هاتين الألتين وضع الاخوان اعلان في محلهما يعرضان فيه استعدادهما لاحياء حفلات الزواج والخطوبة واعياد الميلاد والطهور باغاني ومعزوفات موسيقية شرقية . كانت هذه خطوة جيدة وموفقة , لانه بالفعل اخذ بعض الناس الشرقيين يترددون عليهما طالبين منهما احياء مثل تلك الحفلات , وبمرور الوقت تحول الدكان الى مكتب صغير للتعاقد على احياء مثل تلك الحفلات . وفر ذلك للاخوين دخلا اضافيا انعش حياتهما بعض الشيء , كما ادخل بعض البهجة والسرور على حياتيهما لانهما عادا يمارسان تخصصهما القديم في الغناء والعزف ولو من فترة لاخرى . صحيح ان الاوضاع لم تكن تقارن باحوالهما قبل الهجرة , لكنهما اعتبرا ما حصل خطوة على الطريق تشبه بداياتهما بالعراق في اواخر العشرينات , متأملين بان الاحوال ستتغير نحو الاحسن وان الطلب عليهما سيتوسع ويزيد مع الوقت .

باءت جهود السلطات في دمج الجاليات اليهودية القادمة من الشرق بالمجتمع الغربي الاسرئيلي بالفشل الذريع , لذلك اضطر القائمون على الثقافة والتعليم في اسرائيل بعد سنين عديدة الى اللجوء الى التعددية الثقافية في المجتمع الاسرائيلي , من خلال اتاحة الفرصة امام القادمين الجدد من البلدان العربية في اشاعة تراثها الثقافي والفني الذي أتت به من مواطنها الاصلية وخلق ثقافة الشرق - أوربية في مجتمع دولتهم الجديدة . ومن الأجراءات التي صبت بهذا التوجه هو فتح قسم عربي في دار الاذاعة الاسرائيلية انطلق عام 1951 ونسب لادارته شخص من اصل عراقي هو شاؤل بار حاييم . اخذ شاؤول يهيء البرامج التي ينوي تقديمها بهذا القسم , ومن بين ما فكر به هو اطلاق برنامج أسبوعي بعنوان "من الغناء العراقي " للتخفيف من شدة الحنين الى العراق بين المهاجرين اليهود القادمين من العراق . كانت مدة البرنامج نصف ساعة , وقد قدمه عند بدايته شفيق كباي ونعيم توينه ، وقد صمم خصيصا لكي يغني فيه المغنون والموسيقيون العراقيون المهاجرون الى اسرائيل . ما ان انطلق البرنامج على الهواء حتى أستقطب بسرعة اسماع اليهود الذين هم من اصل عراقي والذين راحوا يستمعون له بشغف بالغ لشفاء الحنين والغليل المشتعل بصدورهم الى مسقط رأسهم . لم يغب عن بال المدير شاؤول في ان يتصل بالاخوين صالح وداود الكويتي اللذان يعرفهما جيدا منذ ان كان بالعراق من اجل احياء هذا البرنامج من خلال الغناء والعزف فيه , وطلب منهما تشكيل فرقة موسيقية غنائية لكي تقدم وصلاتها بهذا البرنامج الاسبوعي . وبعد جهد وبحث تمكن الاخوان من الاتصال بمن يعرفونه من الفنانين العراقيين اليهود الذين هاجروا الى اسرئيل وشكلوا فرقة موسيقية منهم تتكون من عازف القانون يوسف زعرور الكبير , يوسف زعرور الصغير , عازف السنطور حوكي تبو , عازف الايقاع يهودا شماس , عازف الناي البير الياس , قاريء المقام سليم شبث , قاريء المقام فلفل كرجي , أضافة الى الملحن صالح الكويتي وأخيه داود الكويتي . كما تم شراء الآلات الموسيقية التي يحتاجونها من إيران وتركيا وبعض الدول العربية .

كانت هذا التطور هو بالضبط ما ينتظرانه الاخوين صالح وداود الكويتي , اذ فتحت لهم هذه الخطوة افاق عمل جديدة ووضعت بارقة أمل لهما في ان يعودا لممارسة تخصصهما القديم في الغناء والموسيقى وتعود اليهما شهرتهما وصيتهما . نجح البرنامج نجاحا كبيرا , الا ان الامال لم تتجاوز اطاره العام لان عدد ونوع من يستمعون لهذا البرنامج ظل محصورا بالمهاجرين العراقيين , ولم يتعداه الى بقية افراد المجتمع الاسرائيلي . ومع ذلك فقد حفز هذا الوضع الجديد الاخوين على مواصلة عطائهما وانتاج المزيد من الاغاني وتقديمها من خلال برنامج "من الغناء العراقي" . وفي محاولة لكسر الطوق عن محدودية السميعة والسوق المحدودة المتاحة للاغنية العراقية المؤلفة باسرائيل بعث صالح الكويتي بعض الالحان عن طريق بعض الوسطاء الى بغداد لكي تغنيها المغنية سليمة مراد . غير ان هذه الخطوة لم تنجح , اذ لم تكن سليمة مراد مستعدة للمجازفة بوضعها بالعراق ومستقبلها الفني بغناء اغاني كان سيعرف بالأخر ان ملحنها هو صالح الكويتي وقد ارسلها اليها من اسرائيل . وبعد ان فشلت هذه الخطوة عاود صالح الكويتي تلحين المزيد من الاغاني التي قدمها بصوته وبصوت اخيه داود الكويتي حتى بلغ عدد ما لحنه في اسرئيل بعد هجرته اليها من اغاني حوالي 200 اغنية ظلت معظمها غير معروفة بالعالم العربي . ومن بين هذه الاغاني أعمال جميلة مثل : "مقام صالح في ثمود" و "شيبوني وأنا شاب" التي عرضها التلفزيون الكويتي بصوت عبد الحميد السيد بالستينات على انها من التراث الكويتي . غير ان نتاجات الاخوين صالح وداود الكويتي في اسرائيل لم يكتب لها الشهرة ولا حتى السماع في الدول العربية لانهما كانا يقدمانها من راديو اسرئيل الذي عدد من يستمعون اليه من المواطنين العرب محدود جدا .

ظل الاخوان صالح وداود الكويتي يعملان ببرنامج (من الغناء العراقي) طيلة ما تبقى من حياتهما في اسرائيل بالاضافة الى عملهما بمحلهما الذي ظل هو مصدر الرزق الاساسي لهما , كما انهما لم يتوقفا عن احياء الحفلات والسهرات الخاصة في كل مناسبة يدعون اليها . وكرد فعل على هذه المسيرة المحزنة بحياتهما نجد ان الاخوين صالح واداود الكويتي حرما على اولادهما بان يدرسون او يتخصصون بالموسيقى والغناء لانهما وجدا نفسيهما لم يكسبا شيئا من العمل بهذا المجال , بل ربما قاسا وعانيا كثيرا جراء سوء الحظ وما حصل لاعمالهما من طمس وتغييب وسرقة . وكخلاصة لما تم استعراضه , يمكن القول بان هجرة صالح وداود الكويتي من العراق الى اسرائيل عام 1951 كانت بداية رحلة النهاية الفنية لهما ، فقد خبا الصيت بعدها وانطفأت الاضواء التي كانت مسلطة عليهما من يومها . فأغانيهما وموسيقاهما لم تعد تعني شيئا في اسرائيل , حيث مجتمع كانت عناصره قد اتت من كل حدب وصوب لاتعني لهم فن والحان وصوت صالح وداود الكويتي اي شيء . بينما بالخلف ,
بالوطن الام كان هناك نكران للفضل في ما قدماه من فن وتراث وسرقة للجهود والاعمال من قبل هذا وذاك . انها رحلة قصتها عنوان كبير لسوء الحظ والظلم التي يمكن ان ينالا من موهبتين كان يمكن ان تكونا قصتان كبيرتان  .



وسام الشالجي
25 أذار 2015

الثلاثاء، 24 مارس 2015

رحلة المقاساة لصالح وداود الكويتي ما بين بغداد وتل ابيب

بقلم
وسام الشالجي



كان صالح وداود الكويتي قد اعدا نفسيهما واسرتيهما جيدا استعداد لرحلة الهجرة النهائية من بغداد الى اسرائيل بعد ان اسقطت عنهما الجنسية العراقية . فقد اخذوا معهم كل ما تحت ايديهم من نوتات للالحان التي ألفوها وغنوها , وكلك كلمات الاغاني والالات الموسيقية التي يعزفون عليها استعداد لاي فرصة عمل يمكن ان يلتحقوا بها في اسرائيل , غير ان الامور لم تمضي كما كانا يتصوران . لقد مر الاخوان بيوم الرحيل بسلسلة من المواقف المحزنة والمبكية , وحتى المضحكة بنفس الوقت . ففي مطار بغداد تعرض الرجلان واسرتيهما الى حملة دقيقة من تفتيش الحقائب والأجساد بحثاً عن أي اموال او مستمسكات خاصة او معدات قد يكونوا حملوها معهم , وذلك بأمر من وزارة الداخلية . فتح جلاوزة موظفي كمارك المطار بعنف وكراهية مسعورة حقائب الاسرة فعثروا على نوتات أغاني الأخوين فصادروها شامتين بملكي الطرب العراقي والعربي الأصيل , وصادروا كل ما معهما من الاوراق التي تحمل كلمات الاغاني التي غنوها بألحانهم الشجية وهم يقهقهون بضحكات الشماتة والاستهزاء بهم . بعد ذلك انتقلوا الى صناديق الصفيح التي تحتوي على ألألات الموسيقية ففتحوها عنوة وهم يقولون لهما: "ها حسقيل ؟ شلك بهاي الألات ؟ وين موديهن ؟ مو قلنالك أسلًم (أي اعتنق الاسلام) حتى تبقى هنا , ليش ما سمعت كلام ؟" , ثم صادروها جميعها وسط ضحكاتهم العالية . وقف الفنانان صالح وداود الكويتي مع افراد اسرتيهما بوجوه وجله ومكفهره ومتوجسة , وحتى خجلة بسبب ما يجري , وروحهم ترف وتغيب بعد أن اخذوا يرون بأم اعينهم كيف ان تاريخهم وماضيهم كله اخذ يداس بالاحذية , وكيف ان فضلهم على الفنون العراقية الحديثة راح ينكر بصفاقة وجلف وبطريقة لم يكونا ينتظرانها ابدا . كانوا بتلك اللحظات يتحسرون بألم على كل ذلك الماضي الذي مرَ , متذكرين أيام عزهم عندما كانوا يحيون الليالي الملاح في قصور زعماء العراق والكويت في أفراحهم وأتراحهم . صعد الرجلان الى الطائرة ودموعهما تنهمر على خدودهما بعد ان شعرا بان اربعين عاما من حياتهما قد شطبت تماما من قبل موظفين لا يقدرون أثر ما فعلوه . سلم الرجلان امرهما الى الله وقررا ان يخنعا لما كتب عليهما , عسى ان يفتح لهما بابا جديدا يمكن ان يواصلا مسيرتهما فيه  . وقبل انطلاق الطائرة اقتربت سيارة مسرعة منها ثم هبط من رجل يرتدي زي كويتيي وصعد الى الطائرة وتحدث مع المضيفة . بعد لحظات انطلق صوت السماعة داخل الطائرة طالبا من السيد صالح الكويتي الحضور الى كابينة الطائرة لامر مهم . قام صالح وتقدم نحو المضيفة وسالها عن الامر فقالت له ان هناك شخص كويتي طلب الاذن بالتحث اليك قبل المغادرة . رافقت المضيفة صالح الكويتي الى مقدمة الطائرة حيث يوجد الشخص الكويتي واقفا مع الكابتن والذي سلم بسرعة على صالح الكويتي وقال له : ( استاذ صالح انا مبعوث خاص اليك من سمو امير الكويت لاعرض عليك العدول عن الهجرة لاسرائيل مقابل ان تأتي الى الكويت انت وافراد اسرتك وتمنحون الجنسية الكويتية وكل ما يترتب على هذا من حقوق ) .  فوجيء صالح بهذا العرض وقد اغتبطت له نفسه كثيرا , خصوصا وانه يكن للكويت محبة خاصة وان لها مكانة كبيرة في قلبه , لكنه اجاب المبعوث من غير تردد : ( ابلغ سمو الامير يا عزيزي باني اقدر عاليا عرضه هذا واشكره جدا عليه , لكني اسف على عدم تلبيته لان الظروف اصبحت معقدة بعض الشيء وأن سلامة اليهود في البلدان العربية اصبحت غير مضمونة , وهذا يعني بان امكانية الاستجابة لهذا العرض القيم صعبة جدا) . سلم صالح على المبعوث ثم عاد الى مقعده ليحدث بقية افراد اسرته عن هذا العرض الذي جاءه الان , ولكنه للأسف جاء متأخرا جدا .

انطلقت الطائرة بمن يركبها من المهاجرين وجميع من فيها تنطلق من افواههم تأوهات من الالم وصيحات خافتة من البكاء وزفرات ملتهبة من قلوب دامية تدق بقوة . كانت بعض الوجوه شاحبة صفراء من الخوف من المستقبل المجهول , والبعض الاخر محمرة من كثرة البكاء والنشيج . استغرقت الرحلة حوالي ساعتين , وقبل وصولها بقليل , وما ان بدأت بالهبوط حتى التصقت العيون كلها بشبابيك الطائرة لكي تلقي نظرة على الوطن الجديد الذي ضحوا بالغالي والنفيس بما تركوه ورائهم من اجل الوصول اليه والالتحاق به . هبطت الطائرة وعادت القلوب تدق بقوة بعد ان هدأت قليلا خلال الرحلة بانتظار ان تتوقف الطائرة وتفتح الابواب ليطلوا من عندها على منظر طالما تخيلوه , وليبدأوا يوما طالما انتظروه . انطلق صوت قائد الرحلة طالبا من الركاب عدم التحرك من أماكنهم حتى تاذن سلطات المطار لهم بذلك . تسائل كل واحد منهم مع نفسه , لماذا علينا الانتظار ؟ ولماذا التأخير ؟ اليست هي رحلة ككل الرحلات ؟ وصول الطائرة ثم هبوط المسافرين ثم تدقيق الاوراق وفحص الامتعة ثم الانطلاق . انتظر المسافرين داخل الطائرة لحوالي نصف ساعة وهم يشاهدون تجمع رجال الشرطة والعساكر حول الطائرة , وبعد برهة أذن لهم بالنزول . هبط صالح وداود الكويتي مع اسرتيهما وبقية الركاب المهاجرون درجات سلم الطائرة وما ان مست اقدامهما ارض مطار تل ابيب حتى شعرا بقشعريرة تنساب في كل جسديهما . لم يعرفا ما تلك القشعريرة ؟ أهي قشعريرة فرح ام قشعريرة خوف ؟ ام لا هذه ولا تلك ؟ . كان رجال الشرطة والعساكر في كل مكان حاملين اسلحتهم وبنادقهم يوجهونها نحو الهابطين من الطائرة . شعر الرجلان بان شيئا غريبا على وشك ان يحصل , وانهما ربما سيواجهان موقفا صعبا اخرا لا يقل صعوبة عن الموقف الذي مرَ بهما في مطار بغداد . بعد ان اكتمل هبوط جميع المسافرين من الطائرة قام افراد الشرطة والعساكر باحاطتهم من كل جانب واخذوا يصيحون بهم بان يسيروا لكي يتجمعوا في نقطة بعيدة عن الطائرة تقع بالقرب من مأوى للطائرات . تحرك الجمع الى تلك النقطة , وبعد ان انهوا تجمعهم هناك طلب منهم الوقوف بشكل صفوف متتالية , ثم اخذوا يقتادون كل صف على حدة داخلين به الى داخل المأوى المجاور لهم . دخل الصف الذي فيه صالح وداود الكويتي وافراد اسرتيهما الى داخل المأوى فاذا ببعض رجال الشرطة يوزعون عليهم كمامات ثم يطلبون منهم وضعها على انوفهم . كان الموقف غريبا ولم يعرف الواقفون ماذا يجري وماذا سيفعل بهم . ما هي الا دقائق حتى جاء بعض الرجال وهم يرتدون اقنعة واقية على وجوههم ويحملون على ظهورهم قناني تشبه مطافيء الحريق التي تعلق على الحائط تمتد منها خراطيم تنتهي بفتحات رش . توزع بعض هؤلاء الرجال مقابل الصف الواقف ثم بدأوا يرشون عليهم دخانا ابيضا يشبه الدخان المنبعث من سيارات الدخان التي كانوا يرونها في بغداد والتي تستعمل لمكافحة الحشرات . اخذ الجميع يكح ويسعل ويصيحون: ماهذا ؟ وماذا تفعلون بنا ؟ فتأتيهم الاجابة (هذا دي دي تي لتطهيركم من القمل والمكروبات التي يمكن ان تكون قد اتت معكم) . كانت دقائق عصيبة اكثر ما فيها المهانة التي أحس بها صالح وداود الكويتي بعد ان صاروا يعتبرون اشخاص يمكن ان يكونوا مصدرا للاوبئة والامراض وحاملين للحشرات . بعد انتهاء هذه العملية اقتيد الصف الى الخارج من الفتحة الخلفية للمأوى حيث الهواء الطلق وطلب منهم الجلوس على الارض ريثما تدقق اوراقهم داخل بناية المطار وتفحص امتعتهم هناك . احتج الرجلان على ابقائهم هنا بينما تفتح امتعتهم من غير وجودهم , فقيل لهم هذه هي الاوامر من وزارة الداخلية وليس هناك من سبيل غير تنفيذها بدقة . مرت ساعات طويلة وهم جالسين تحت أشعة الشمس ينتظرون الفرج منتظرين ان يأخذوا الى الصالات الدخلية كما هو حال المسافرين بكل مطارات العالم . لكن , وبعد ان تم تدقيق الاوراق وفحصت الامتعة التي يحملونها جيء بها اليهم ووزعت عليهم . بعد ان استلم كل شخص امتعته جيء بباصات وتم المناداة عليهم بالاسماء لكي يصعدوا اليها , كما صعد معهم في كل باص اثنين من رجال الشرطة مع اسلحتهم ليضمنوا بان لا احد سيتسرب من القافلة قبل وصولهم الى المكان المخصص لهم . انطلقت الباصات التي حملت المسافرين مع امتعتهم في طريق خارجي وهم لا يعرفون الى اين يسيرون بهم . سأل صالح الكويتي احد رجال الشرطة عن الوجهة التي ياخذونهم اليها فقال له بانهم ذاهبين الى احدى المستعمرات الواقعة في ضواحي مدينة حيفا . سيطر الوجوم على وجوه المسافرين الذين كان من المفروض ان يكونوا سعداء وفرحون لانهم وصلوا اخيرا الى المكان الذي حدثتهم عنه كتبهم الدينية (ارض الميعاد) , لكن الفرح تحول الى خوف وذعر لانهم اصبحوا لا يعرفون ما ينتظرهم بعد ذلك الاستقبال البشع الذي مروا به في مطار تل ابيب .

وبعد رحلة لم تستغرق طويلا دخلت الباصات الى منطقة ريفية محاطة بالبساتين يقع على احد جوانبها مجمع سكني مسيج فيها عدة عشرات من الكرافانات موضوعة بشكل صفوف متتالية . دخلت الباصات الى المجمع واستبشر الجميع خيرا ظنا منهم بان تلك الكرافانات مخصصة لاسكانهم , لكن الباصات ظلت تسير وتسير مجتازة كل صفوف الكرافانات من غير ان تتوقف , واستمرت بالمسير بعد المجمع بمسافة ليست بقصيرة حتى وصلت الى منطقة مفتوحة فيها خيام منصوبة . طلب من المهاجرين النزول وانزال امتعتهم معهم ثم جمعوا والقي عليهم بيان طويل . قيل لهم بان هذه الخيام قد اعدت لمكوثهم بصورة مؤقتة في هذه المستعمرة ريثما تمضي فترة فتجلب لهم كرافانات كتلك التي رأوها ببداية المستعمرة او تنشيء لهم دور لاسكانهم . ثم قيل لهم بان عليهم ان يعملوا بالمزارع المحيطة بالمستعمرة باشراف زراع متخصصين لكي يكونوا مؤهلين لاستلام المعونات الغذائية من الدولة مع مصروف يومي يكفيهم لشراء احتياجاتهم الضرورية . كما اخبر الجميع بان هناك سجلات خاصة موجودة لدي ادارة المستعمرة عليهم ان يوقعوا فيها يوميا لتثبيت وجودهم ولكي يستمر منح المساعدات اليهم . ثم نودي على الشباب الذين هم بسن التجنيد بالاسماء وأخذوا على جانب حيث طلب منهم ان يستعدوا للمغادرة باليوم التالي لانهم مشمولين بالخدمة العسكرية الالزامية .

استلم كل من صالح وداود الكويتي خيمة منفصلة لاسكان اسرتيهما , وحين دخلا الخيمة وجدا فيها اسرة بعدد افراد كل اسرة ومعدات طبخ وطباخ صغير وبراد صغير مع بعض المأونة الغذائية . كان الموقف كله عبارة عن صدمة كبيرة غير متوقعة , فليس هذا هو الوضع الذي كانا ينتظرانه , وليس هذا هو الحال الذي ضحيا بكل شيء من اجله , وليس هذا هو المكان الذي كانا يخططان للاستقرار به , لكن ماذا يفعلان ؟ وهل هناك من طريقة لاعادة الحال الى ما كان عليه ؟ مستحيل واكثر من مستحيل . مرة اخرى سلم الرجلان امرهما الى الله وجلسا يستريحان قليلا من عناء السفر وهما ينظران الى بعضهما البعض . كان اكثر الاشخاص حسرة وتألما هما زوجتيهما لانهما هما من كانتا السبب في كل هذا بعد ان الحتا عليهما بضرورة الهجرة الى هنا . وحين حل الليل أوى الجميع الى الاسرة الموجودة محاولين اخذ قسط من الراحة من خلال النوم قليلا , لكن لم يغمض جفن لاي واحد من افراد الاسرتين . ظل صالح وداود الكويتي يتقلبان في فراشيهما ويفكران بوضعهما الذي صارا به ويرون فيما اذا كانا قد اتخذا القرار الصحيح بالهجرة بدل البقاء بالعراق . كان كل ما توصلا اليه هو انه ليس هناك من شيء واضح بعد , وما جرى لحد الان لا يعول عليه لاعطاء جواب حاسم ونهائي على التساؤلات التي تدور بذهنيهما .

حل الصباح فاذا بصفارات تنطلق من كل مكان في المخيم طالبة من الجميع التجمع في الساحة الموجودة وسط المخيم . قام الجميع من اسرتهم وارتدوا ملابسهم بسرعة ثم هرعوا الى منطقة التجمع ليعرفوا ما في الامر . تم المناداة على الموجودين بالاسماء وطلب منهم التوقيع بسجلات معدة لتثبيت وجودهم يوميا , ثم طلب من الرجال تناول فطورهم بسرعة والتهيؤ للصعود في بيكبات جلبت لاخذهم الى المزاع المحيطة بالمستعمرة لجني البرتقال . احتج الرجال على العمل بهذا الوقت المبكر , فقيل لهم بان السبب في اخذهم بشكل مبكر هو لتفادي حرارة الشمس بعد ان يصعد قرصها الى الاعلى لانهم سيكونون بالعراء اثناء عملهم . اذن اصبح الوضع اشبه بمعسكرات الجيش , او ربما اشبه بمعسكرات الاعتقال او الاسر . سأل صالح وداود الكويتي المسؤولين فيما اذا كان من الممكن ان يأخذوا اسرهم ويرحلوا من هذا المكان فقيل لهم "نعم هذا ممكن , لكن اين ستذهبون ؟ وكيف ستعيشون وانتم لا تملكون تصاريح عمل بعد , ولا تملكون نقود لاستئجار بيوت او لشراء ما تحتاجونه من غذاء وغيره من الاشياء . لن يشغلكم احد قبل ان تأتيكم تصاريح العمل , وهذا يستغرق من 6 الى 8 اسابيع" . اذن هذا هو واقع حال , وليس هناك من مفر ولا بديل غير هذا . تناول الاخوان صالح وداود الكويتي طعامهما بسرعة فائقة ثم ركبا باحدى سيارات البيكاب جالسين بالخلف . اخذ الرجلان يضحكان على بعضهما البعض , وكل واحد منهما يقول للأخر : (ها حسقيل ؟ أشجابك هنا ؟ تكول رايح لأرض الميعاد ؟ هيه هاي ارض الميعاد , اشو صرت بيها تحوي برتقال ؟ مو كلنالك صير أدمي وأبقى , ليش ماسمعت كلام ؟) . كان الرجلان يقولان هذا وهما يضحكان بعفوية من كل قلبهما بمحاولة للتخفيف عن مسلسل الاحداث الصادمة التي مرت بهما منذ ان وطأت اقدامهما ارض مطار بغداد صباح الامس . ثم تواصل في رحلة طويلة من المقاساة لتنتهي اخيرا بهما وهما يسيران من غير موعد نحو البساتين لجني البرتقال , ليتحولا من فنانين كبيرين الى "حاويين" .

وسام الشالجي
25 اذار 2015

الانطلاقة ...

منذ وقت طويل وأنا أفكر بإنشاء موقع خاص بي , فلسنين عديدة تشتت نتاجاتي في العديد من المواقع حتى ضاعت في دهاليزها وتبددت في أروقتها ولم...