كتبت الزميلة (إسراء سالم) في موقع مجلة نادي كلية العلوم بالفيسبوك كلمة لطيفة
أسمتها (العمر الجميل) تكلمت فيه عن عمر الهرم أضفت عليه فيها صفات بديعة
لكنها خيالية وغير واقعية . لست متفقا مع الأخت إسراء وأحب أن أرد بخاطرني
هذه على كلمتها وأتكلم عن نفس العمر لكن بشكل مختلف . عمر الهرم الذي اسمته
صديقتنا "العمر الجميل" هو بالحقيقة ليس غير عمر قبيح في كل شيء لأن كل ما
فيه يسير نحو الانهيار . الهرم هو مرض خبيث أذا ركن له الانسان
ولم يقاومه ويصارعه حوله هذا المرض الى مخلوق قبيح تطمح الحياة لأن تلفظه
من سجلها اليوم قبل الغد . لن أعدد الصفات التي يكون عليها الإنسان إذا ركن
لهذا المرض وتعايش معه , لكني سأتكلم عن كيف يمكن ان يكون إذا قاومه
وصارعه وإنتصر عليه . لابد ان نعلم بأن الدنيا لا تحب القديم ولا تركن
للماضي لانها تعيش في عالم الغد وتتطلع دوما للمستقبل والأت من الحياة .
واذا عمل أي واحد منا بمبدأ القناعة والرضا بما أل إليه حاله فأنه سيتحول
بالاخر إلى مخلوق كسيح أكل منه الدهر وشرب لابد أن يزول ليريح ويرتاح
لان القناعة هي كنز لا ينفع والرضا هو طريق الضعفاء . الحياة منذ أن تبدأ
بلحظتها الاولى حتى أخر لحظاتها هي ليست غير معركة شرسة وصراع وملاواة
البقاء فيها لمن ينتصر ويتغلب على صعابها , ولو كان أي منا ضعيفا فهو كان
حتما سيخسر هذه المعركة منذ زمن بعيد ويغادر هذه الحياة . نعم ليس هناك من شك
بأن هناك اشياء لا يمكن للانسان أن يتجنبها من بين ذلك أمراض الكبر وتراجع
الصحة واللياقة وتغير الشكل وفقدان الشعر , فاذا كان بالإمكان التغلب على
هذا الحال فلماذا السكوت والإستسلام له , وكم من الناس تغلبوا على كل هذه
ألاعراض وإحتفظوا بصحتهم ولياقتهم وأشكالهم بقدر لا بأس به . من هنا يجب أن
تبدأ المعركة ويحاول اي منا أن يدور عكس عقارب الساعة ويسترجع بكل يوم ما
تحاول الحياة أن تنتزعه منه . تبدأ المعركة بأن يكون الإنسان جزءا لا يتجزأ
من الحاضر والمستقبل مهما كان عمره . أولى الخطوات نحو هذا هو عدم التوقف
عن العمل والإستمرار به بأي شكل ووسيلة . كما إن الحفاظ على اللياقة
البدنية من خلال ممارسة الرياضة بإستمرار , وكذلك مقاومة علامات الكبر كلها
أشياء تطيل العمر وتحفظ روحية الشباب بداخلنا مهما بلغ عدد سنين أعمارنا .
نعم هي ليست معركة سهلة لكن الإصرار والعزم فيها يمكن ان يؤدي الى نتائج
باهرة . لا يجب أبدا أن يركن الانسان للضعف ويؤثر الراحة على المشقة لانه
إن فعل ذلك وهجع لسريره لينام عليه مستريحا مطمئن البال سينتهي به الحال
كجزء من هذا السرير وتقترب ساعته بعد كل يوم يمر وهو مستلقي عليه . ولأنها
معركة شرسة يجب إعداد العدة لها ودخولها والإنسان واثق من النصر فيها .
لابد أن يثبت كل واحد منا بأن الحياة مخطئة بحقه وهي إن ظنت بأن زمننا قد
مضى وإننا قد اقتربنا من نهايتنا علينا أن نثبت وجودنا فيها غصبا ما عليها
. ومهما تكن النتيجة فهي حتما افضل من الرضا بالحال والموت بهدوء وسعادة
وراحة بال كما أرادت أن نتطلع إليه زميلتنا العزيزة إسراء , مع إعتزازي بها
.
السبت، 29 سبتمبر 2018
قطرت من عصارة الذات
تحت هذا العنوان سأكتب من فترة لاخرى خواطر جديدة متنوعة تخطر على بالي من وقت
لاخر , ومن الاكيد بأنها تخطر على بال الكثيرين من الأصدقاء والأحبة لأنها
على الاغلب تنبثق من ذكريات الماضي المشترك الذي مررنا به والحاضر المتماثل
الذي نعيشه والمستقبل الجميل الذي نتطلع إليه . وقبل أن ابدأ بسرد أول
خاطرة عصرتها من ذاتي أحب أن أعتذر من كل شخص لا تتفق افكاره مع افكاري أو
يخالفني بالراي لأن الإختلاف بالرأي نعمة وليست نقمة , ويا حبذا لو يكون أي
رد أتلقاه أيجابي يهدف لتطوير الفكرة وتهذيبها وتحسينها , وحتى تغييرها أن
تم دحضها بافكار وأدلة مغايرة . أحب جدا أن تدعموني بهذه الفقرة من خلال
الإكثار من الردود والتعليقات والتعقيبات على ما أكتب , ولكم مني كل التحية والحب والتقدير .
وسام الشالجي
الاثنين، 24 سبتمبر 2018
أطرف أستاذ درست على يده في كلية العلوم بالسبعينات - الدكتور جواد البدري
مرت في تاريخ كلية العلوم - جامعة بغداد شخصيات عديدة لاساتذة ومعيدين
وحتى موظفين بينهم الجدي الصارم وبينهم الطريف الخفيف الظل . ومن بين
الاساتذة الذين مروا على تلك الكلية مرت في اواخر عقد الستينات ومعظم عقد
السبعينات شخصية طريفة لاستاذ استطيع ان اقول عنه بانه ذو شخصية فريدة من
نوعها لما يتمتع به من مزايا وخصائص جميلة ، تلك هي شخصية الدكتور جواد
البدري الاستاذ في قسم الكيمياء . كان الدكتور جواد البدري متخرج من
الاتحاد السوفيتي ومتخصص في الكيمياء التحليلية ، وكان يرتدي دائما نظارة
شمسية سوداء تتوافق مع سواد البدلات التي اعتاد على ارتدائها . التقيت بهذه
الشخصية لاول مرة بحياتي بعد ان داومت بكلية العلوم في سنتي الاولى بها
عام ١٩٦٨ ، واعتقد انها كانت ايضا سنته الاولى فيها كأستاذ محاضر بالكلية .
دخلنا درسه في الكيمياء العامة لاول مرة في القاعة ١٠٨ التي كانت تقع ضمن
قسم النبات والمجاورة لمختبرات الكيمياء للصف الاول حيث دخل علينا
بابتسامته المعهودة والتي لم تفارقه في اي مرة رأيته فيها طيلة وجودي
بالكلية وكان يحمل كم كبير من الكتب وضعها على طاولة الاستاذ أمامه وابتدأ
بالتدريس متنقلا من موضوع الى موضوع اخر . كان محور تدريسه دائما يدور حول
الكيمياء التحليلية والتي يستطيع اي مستمع له ان يكتشف بسرعة بانها اختصاصه
الدقيق . وفي نهاية اول محاضرة اعطاها لنا طلب منا ان نقرأ ما يعادل حوالي
مئة صفحة من كتاب الكيمياء التحليلية النوعية للمؤلف (فوگل) وايضا ما
يعادل حوالي مئة صفحة من كتاب اخر لنفس الموضوع لكن من تأليف كاتب روسي هو
(كولثوف) .
توالت محاضرات الدكتور جواد البدري لنا بعدها وبسرعة عرفنا عنه انه انسان بسيط ومتواضع ومتساهل ولا يتشدد مع الطلاب ابدا . إستغل الكثير من الطلاب بساطته هذه وتساهله وأصبح إنضباطهم اثناء محاضراته ضعيفا ، لذا فقد اصبح من العادي جدا ان تجد هذا الطالب يتكلم مع زميله وذاك يقاطع الاستاذ ليسأل سؤال ربما حتى لا يتعلق بالموضوع ، وأخر يضحك ويتمازح مع صديقه واخر يغادر القاعة من ابوابها الخلفية حين يكون الاستاذ منشغلا بالكتابة على السبورة , الخ . ومع بساطته وتواضعه فقد كان الدكتور جواد البدري ضليعا في علمه متمكنا من تخصصه وبنفس الوقت يتمتع بروح الدعابة والطرفة والنكتة ، وكان كثيرا ما يطلق الكلمات المازحة اثناء تدريسه وشرحه لاي موضوع هو بصدده ليضحك الطلاب مما جعله يدخل قلوبهم ويحبونه بدرجة كبيرة . وكما درسنا درس الكيمياء العامة النظري فقد كان يحضر ايضا بالدروس العملية التي كنا نقيمها بالمختبرات الواقعة خلف القاعة ١٠٨ ، وكان موضوعها بوقتها فصل العناصر الفلزية عن بعضها حسب مجموعاتها . ومن ضمن عملية الفصل كانت هناك خطوة لضبط حامضية المحلول تتضمن وضع صبغة معينة ثم اضافة قطرات من حامض او قاعدة حتى يصبح لون المحلول ازرق فيه خيط من الخضار . كنا نقوم بهذه العملية ثم ناخذ قنينة الاختبار ونذهب اليه لكي نسأله ان كنا قد وصلنا الى الحامضية المطلوبة ام لا ، ومن الغريب انه كان يجيبنا على سؤالنا بعد ان ينظر الى لون المحلول بدقة دون ان ينزع نظارته ودائما ما يكون جوابه صحيحا وكنا نتعجب كيف يتمكن من رؤية اللون وهو يرتدي نظارة غامقة .
لم يدرسنا الدكتور جواد البدري مرة اخرى باستثناء تلك السنة ومع ذلك ظلت علاقتنا به قوية طيلة فترة وجودنا بالكلية ، وكثيرا ما كان يقف ويتحادث معنا حين نراه في ممرات الكلية ليسأل عن أحوالنا ودراستنا . ظل الدكتور جواد البدري بنظر معظم من عاصروه وعاشروه انسان ذو شخصية لطيفة وطريفة تبعث الراحة بالنفس ، ويبدوا ان شخصيته المازحة كانت كذلك حتى مع بقية الاساتذة ، فمما عرفته عنه انه كان يطلق النكات والطرائف في احاديثه وتعليقاته معهم في اغلب المناسبات . ومن الطرائف التي سمعتها عنه انه وبعد سن قانون الخدمة الجامعية عام ١٩٧٥ الذي فرض التفرغ الجامعي على الاساتذة لكي ينالوا المخصصات الجامعية كان يتمازح حول هذا القانون فيقول بعد كل مرة يخرج بها من المرافق الصحية انه كان يعمل على تطبيق ذلك القانون ويمارس عملية (التفرغ) .
في اواخر السبعينات نقل الى وزارة الصناعة وانقطعت عنا اخباره , وقد سمعت قبل عدة سنوات بانه انتقل للعيش في بريطانيا مع ولده . وبعد ان عرفت ذلك ارسلت له ايميل عن طريق ولده (حيدر) فاجابني مشكورا بان والده بخير لكن عمره الكبير لا يتيح له الكتابة والتواصل مع الاخرين . متع الله الدكتور جواد البدري بالصحة والعافية والعمر المديد انه سميع الدعاء .
توالت محاضرات الدكتور جواد البدري لنا بعدها وبسرعة عرفنا عنه انه انسان بسيط ومتواضع ومتساهل ولا يتشدد مع الطلاب ابدا . إستغل الكثير من الطلاب بساطته هذه وتساهله وأصبح إنضباطهم اثناء محاضراته ضعيفا ، لذا فقد اصبح من العادي جدا ان تجد هذا الطالب يتكلم مع زميله وذاك يقاطع الاستاذ ليسأل سؤال ربما حتى لا يتعلق بالموضوع ، وأخر يضحك ويتمازح مع صديقه واخر يغادر القاعة من ابوابها الخلفية حين يكون الاستاذ منشغلا بالكتابة على السبورة , الخ . ومع بساطته وتواضعه فقد كان الدكتور جواد البدري ضليعا في علمه متمكنا من تخصصه وبنفس الوقت يتمتع بروح الدعابة والطرفة والنكتة ، وكان كثيرا ما يطلق الكلمات المازحة اثناء تدريسه وشرحه لاي موضوع هو بصدده ليضحك الطلاب مما جعله يدخل قلوبهم ويحبونه بدرجة كبيرة . وكما درسنا درس الكيمياء العامة النظري فقد كان يحضر ايضا بالدروس العملية التي كنا نقيمها بالمختبرات الواقعة خلف القاعة ١٠٨ ، وكان موضوعها بوقتها فصل العناصر الفلزية عن بعضها حسب مجموعاتها . ومن ضمن عملية الفصل كانت هناك خطوة لضبط حامضية المحلول تتضمن وضع صبغة معينة ثم اضافة قطرات من حامض او قاعدة حتى يصبح لون المحلول ازرق فيه خيط من الخضار . كنا نقوم بهذه العملية ثم ناخذ قنينة الاختبار ونذهب اليه لكي نسأله ان كنا قد وصلنا الى الحامضية المطلوبة ام لا ، ومن الغريب انه كان يجيبنا على سؤالنا بعد ان ينظر الى لون المحلول بدقة دون ان ينزع نظارته ودائما ما يكون جوابه صحيحا وكنا نتعجب كيف يتمكن من رؤية اللون وهو يرتدي نظارة غامقة .
لم يدرسنا الدكتور جواد البدري مرة اخرى باستثناء تلك السنة ومع ذلك ظلت علاقتنا به قوية طيلة فترة وجودنا بالكلية ، وكثيرا ما كان يقف ويتحادث معنا حين نراه في ممرات الكلية ليسأل عن أحوالنا ودراستنا . ظل الدكتور جواد البدري بنظر معظم من عاصروه وعاشروه انسان ذو شخصية لطيفة وطريفة تبعث الراحة بالنفس ، ويبدوا ان شخصيته المازحة كانت كذلك حتى مع بقية الاساتذة ، فمما عرفته عنه انه كان يطلق النكات والطرائف في احاديثه وتعليقاته معهم في اغلب المناسبات . ومن الطرائف التي سمعتها عنه انه وبعد سن قانون الخدمة الجامعية عام ١٩٧٥ الذي فرض التفرغ الجامعي على الاساتذة لكي ينالوا المخصصات الجامعية كان يتمازح حول هذا القانون فيقول بعد كل مرة يخرج بها من المرافق الصحية انه كان يعمل على تطبيق ذلك القانون ويمارس عملية (التفرغ) .
في اواخر السبعينات نقل الى وزارة الصناعة وانقطعت عنا اخباره , وقد سمعت قبل عدة سنوات بانه انتقل للعيش في بريطانيا مع ولده . وبعد ان عرفت ذلك ارسلت له ايميل عن طريق ولده (حيدر) فاجابني مشكورا بان والده بخير لكن عمره الكبير لا يتيح له الكتابة والتواصل مع الاخرين . متع الله الدكتور جواد البدري بالصحة والعافية والعمر المديد انه سميع الدعاء .
السبت، 22 سبتمبر 2018
الثلاثاء، 18 سبتمبر 2018
كلمة في استاذ تاثرت به / الاستاذ الدكتور غازي درويش - قسم الكيمياء في كلية العلوم - جامعة بغداد
سأبدأ كلمتي هذه بالظروف التي جعلتني التقي واتعرف بشخصية كبيرة ومحترمة
من حق العراق ان يفتخر بها ، تلك هي شخصية الاستاذ الدكتور غازي درويش . في
عام ١٩٦٩ كنت قد رسبت بسنتي الاولى بكلية العلوم ولم يكن ذلك الرسوب بسبب
غباء او كسل مني بقدر ما كان نتيجة الغياب الطويل عن الدوام طيلة عامي
الاول فيها . كنت متقدما للالتحاق في بعثة لدراسة الطيران المدني في
بريطانيا وكنت بانتظار نتائجها بفارغ الصبر متاملا القبول بها وبناء مستقبل
حياتي بالشكل والطريقة التي اريدها . لم تظهر نتائج القبول الا بالشهر
الثاني من عام ١٩٦٩ وكان نتيجتي عدم القبول بها . كنت منقطعا عن الدوام
بالكلية لاني كنت متأملا جدا باني ساقبل بهذه البعثة ، وحين رفضت فيها وعدت
للكلية في اذار كانت درجاتي صفر بكل المواد لاني لم احضر اي امتحان سابق .
كانت هناك مادة في نظام الكلية تنص على فصل الطالب من الكلية في حالة
رسوبه باكثر من ثلثي الدروس . قررت بحينها ان اجاهد واكافح ليس للخلاص من
هذا المصير الذي حددته تلك المادة بل من اجل النجاح . وبعد ان اشتركت
بالامتحانات المتبقية في تلك السنة واحتسبت درجات السعي السنوي التي ظهرت
في مايس ١٩٦٩ قبل الامتحان النهائي الذي يجري عادة في اوائل حزيران كانت كل
درجاتي لم تتجاوز الرقم السحري المشؤوم ١٣ من خمسون ، او بكلمة أحرى ٢٦ من
مئة . علينا ان نتصور كيف يمكن لي ان احصل على النجاح الذي صممت عليه وهو
يتطلب مني الحصول على درجة ٧٤ في مواد انا لم احضر محاضراتها ولم ادخل
مختبراتها . صممت بارادة حديدية على النجاح وبدأت اقرأ بجد ما بعده جد ،
ودخلت الامتحانات وتفوقت فيها على نفسي واظهرت امكانية تجاوزت امكانياتي
فنجحت بكل المواد باستثناء مادة الحيوان ، وكان ذلك اول وأخر فشل اصاب به
في كل حياتي الدراسية . لم اصاب بخيبة امل وقررت ان استعد جيدا لامتحانات
الدور الثاني وقرات بشكل لم يسبق لي ان فعلته حتى اني حفظت المواد عن ظهر
القلب وكانها محفوظة . دخلت امتحان الدور الثاني واديت اداءا جيدا في
الامتحان النظري لكن كانت اكبر مصيبة واجهتها هي في الامتحان العملي حيث
كانت السلايدات تختلف كليا عن الصور التي حفظتها من الكتاب . فشلت
بالامتحان وبذلك رسبت لاول واخر مرة بحياتي .
خين ذهبت بالسنة اللاحقة للدوام كان مستواي بسبب القراءة المكثفة التي عملتها متفوقا جدا قياسا ببقية الطلاب . نسب لتدريسنا بدرس الكيمياء الاستاذ الدكتور غازي درويش وكنا قد سمعنا عنه قبل ان نلتقيه قصص كثيرة منها انه عالم في علم الذرة وكان قبلها مديرا لمركز بحوث الطاقة الذرية بالتويثة . وقصة اخرى تقول انه اصطدم بارائه العلمية مع المدير الذي عينته الحكومة لهيئة الطاقة الذرية الفريق حردان التكريتي مما دفعه الى الاستقالة من الهيئة والعودة كمجرد استاذ محاضر في كلية العلوم . وقصة اخرى تقول انه انهى دراسة البكلوريوس والماجستير والدكتوراه في بريطانيا بست سنوات . وقصة اخرى تقول انه شخصية علمية عالمية وانه مؤمن على حياته من قبل هيئة الطاقة الذرية الدولية . كما سمعنا بانه شخص ذو افكار يسارية بالرغم من كونه خريج دولة غربية .كانت هذه القصص قد كونت عندنا صورة معينة عن هذا الشخص ، وحين حضرت له محاضرته الاولى وشاهدت هيئته وشكله ورأيته كيف يدرس ويتكلم الانكليزية بطلاقة بصوته الجهوري وجدت بان كل ما سمعته عنه هو لا شيء امام حقيقته . دأبت على حضور محاضراته بانتظام والتي كانت تعقد في القاعات الدراسية الجديدة القريبة من النهر في نهاية قطعة ارض الكلية ، بل كنت انتظر تلك المحاضرات بفارغ الصبر وكنت دائما اجلس بالمقعد الاول من اليمين في السرة الاول القريب منه . كان رائعا في محاضراته ، وكان لا يملينا لكنه كان يدون كل فكرة يستنتجها من شرحه على السبورة وكنا ننقل ما كان يدونه في دفاترنا . وحين وصلنا لموضوع تركيب الذرة والمدارات الالكترونية ابدع ابداعا ما بعده ابداع لانه كما نعرف اختصاصه الدقيق فجعل كل واحد منا يعشق الذرة ويتمنى لو يصبح عالما ذريا مثله . كان يجري لنا بعض الكوزات وكان يسمح لنا ان نفتح اي شيء نريده بشرط واحد هو ان لا ننقل من بعضنا البعض . كان يدون اسئلة الكوز على السبورة ثم يتنحى جانبا يدخن البايب (الغليون) من دون ان يشعرنا بانه يراقبنا . في احدى محاضراته كان يشرح فقرة ما وقبل ان يتوصل لفكرتها النهائية ويدونها على السبورة التفت الي فجأة وناداني باسمي وسألني "فماذا تستنتج مما قلناه يا وسام ؟" . كانت هذه اللفتة منه من اروع ما مر بي بحياتي اذ لم اكن اتصور أبدا بانه يعرف اسمي قبلها لانه لم يصدف ان قمت قط اثناء محاضراته باي نشاط يدلل على اسمي ، لكن شدة انتباهي لما يقوله ومتابعتي لكل كلمة يتفوه بها ودرجاتي المتفوقة بالامتحانات ربما لفتت انتباهه وجعلته يتطلع لان يعرفني ويعرف اسمي .
انتهت تلك السنة الدراسية وحصلت على درجة عالية جدا في الكيمياء وانتظمت بقسم الكيمياء محبة بهذا الاستاذ واعجابا بشخصيته الفذة . لم يدرسني مرة اخرى ابدا حتى تخرجت من الكلية ، وبعد تخرجي كنت اشاهده كثيرا بصحبة زوجته في نادي الكيمياويين وكم كانت تلفت انتباهي ضحكاته العالية وصوته الجهوري الذي كان جميع الجالسين يسمعونه في بعض الاحيان . اخر مرة التفيته فيها كانت باواخر السبعينات حين اعلن عن عدد من البعثات العلمية فقدمت اليها وكان هو ضمن لجنة المقابلة وقد سالني بحينها سؤال لم استطع الاجابة عليه فحزنت كثيرا لاني شعرت بلحظتها باني قد شوهت بذلك الموقف الصورة التي كان ربما قد حملها عني حين كنت احد طلابه المتفوقين في الصف الاول في كلية العلوم . انقطعت اخباره عني تماما بعدها لكني سمعت في نهاية السبعينات بانه نقل من كلية العلوم الى وزارة الصناعة ضمن حملة لابعاد الاساتذة ذوي الافكار اليسارية عن سلك التدريس . ثم علمت انه سافر الى الاردن مطلع عقد التسعينات واخذ يدرس في احدى جامعاتها .
وقبل عدة سنوات شاهدته بالصدفة في مقابلة اجريت في بريطانيا ونشرت على اليوتيوب تحدث فيها عن التعليم العالي بالعراق وتجاربه في هذا المضمار . ومن تلك المقابلة تحفزت لكتابة مقال عنه نشر في جريدة الزمان ، ثم كتبت له على ايميله الذي وصلني من صديقي العزيز جعفر الحكاك لكنه لم يجبني للاسف . كما وصلتني في احد الايام رسالة من بنته تشكرني فيها على مقالي الذي كتبته عن والدها فطلبت منها ان تبلغه تحياتي وتطلب منه الكتابة لي لكنه لم يفعل ذلك ابدا .
تحية حب ووفاء للاستاذ الدكتور غازي درويش داعين الله ان يمتعه بالصحة والعافية وان يطيل عمره ، انه سميع مجيب .
خين ذهبت بالسنة اللاحقة للدوام كان مستواي بسبب القراءة المكثفة التي عملتها متفوقا جدا قياسا ببقية الطلاب . نسب لتدريسنا بدرس الكيمياء الاستاذ الدكتور غازي درويش وكنا قد سمعنا عنه قبل ان نلتقيه قصص كثيرة منها انه عالم في علم الذرة وكان قبلها مديرا لمركز بحوث الطاقة الذرية بالتويثة . وقصة اخرى تقول انه اصطدم بارائه العلمية مع المدير الذي عينته الحكومة لهيئة الطاقة الذرية الفريق حردان التكريتي مما دفعه الى الاستقالة من الهيئة والعودة كمجرد استاذ محاضر في كلية العلوم . وقصة اخرى تقول انه انهى دراسة البكلوريوس والماجستير والدكتوراه في بريطانيا بست سنوات . وقصة اخرى تقول انه شخصية علمية عالمية وانه مؤمن على حياته من قبل هيئة الطاقة الذرية الدولية . كما سمعنا بانه شخص ذو افكار يسارية بالرغم من كونه خريج دولة غربية .كانت هذه القصص قد كونت عندنا صورة معينة عن هذا الشخص ، وحين حضرت له محاضرته الاولى وشاهدت هيئته وشكله ورأيته كيف يدرس ويتكلم الانكليزية بطلاقة بصوته الجهوري وجدت بان كل ما سمعته عنه هو لا شيء امام حقيقته . دأبت على حضور محاضراته بانتظام والتي كانت تعقد في القاعات الدراسية الجديدة القريبة من النهر في نهاية قطعة ارض الكلية ، بل كنت انتظر تلك المحاضرات بفارغ الصبر وكنت دائما اجلس بالمقعد الاول من اليمين في السرة الاول القريب منه . كان رائعا في محاضراته ، وكان لا يملينا لكنه كان يدون كل فكرة يستنتجها من شرحه على السبورة وكنا ننقل ما كان يدونه في دفاترنا . وحين وصلنا لموضوع تركيب الذرة والمدارات الالكترونية ابدع ابداعا ما بعده ابداع لانه كما نعرف اختصاصه الدقيق فجعل كل واحد منا يعشق الذرة ويتمنى لو يصبح عالما ذريا مثله . كان يجري لنا بعض الكوزات وكان يسمح لنا ان نفتح اي شيء نريده بشرط واحد هو ان لا ننقل من بعضنا البعض . كان يدون اسئلة الكوز على السبورة ثم يتنحى جانبا يدخن البايب (الغليون) من دون ان يشعرنا بانه يراقبنا . في احدى محاضراته كان يشرح فقرة ما وقبل ان يتوصل لفكرتها النهائية ويدونها على السبورة التفت الي فجأة وناداني باسمي وسألني "فماذا تستنتج مما قلناه يا وسام ؟" . كانت هذه اللفتة منه من اروع ما مر بي بحياتي اذ لم اكن اتصور أبدا بانه يعرف اسمي قبلها لانه لم يصدف ان قمت قط اثناء محاضراته باي نشاط يدلل على اسمي ، لكن شدة انتباهي لما يقوله ومتابعتي لكل كلمة يتفوه بها ودرجاتي المتفوقة بالامتحانات ربما لفتت انتباهه وجعلته يتطلع لان يعرفني ويعرف اسمي .
انتهت تلك السنة الدراسية وحصلت على درجة عالية جدا في الكيمياء وانتظمت بقسم الكيمياء محبة بهذا الاستاذ واعجابا بشخصيته الفذة . لم يدرسني مرة اخرى ابدا حتى تخرجت من الكلية ، وبعد تخرجي كنت اشاهده كثيرا بصحبة زوجته في نادي الكيمياويين وكم كانت تلفت انتباهي ضحكاته العالية وصوته الجهوري الذي كان جميع الجالسين يسمعونه في بعض الاحيان . اخر مرة التفيته فيها كانت باواخر السبعينات حين اعلن عن عدد من البعثات العلمية فقدمت اليها وكان هو ضمن لجنة المقابلة وقد سالني بحينها سؤال لم استطع الاجابة عليه فحزنت كثيرا لاني شعرت بلحظتها باني قد شوهت بذلك الموقف الصورة التي كان ربما قد حملها عني حين كنت احد طلابه المتفوقين في الصف الاول في كلية العلوم . انقطعت اخباره عني تماما بعدها لكني سمعت في نهاية السبعينات بانه نقل من كلية العلوم الى وزارة الصناعة ضمن حملة لابعاد الاساتذة ذوي الافكار اليسارية عن سلك التدريس . ثم علمت انه سافر الى الاردن مطلع عقد التسعينات واخذ يدرس في احدى جامعاتها .
وقبل عدة سنوات شاهدته بالصدفة في مقابلة اجريت في بريطانيا ونشرت على اليوتيوب تحدث فيها عن التعليم العالي بالعراق وتجاربه في هذا المضمار . ومن تلك المقابلة تحفزت لكتابة مقال عنه نشر في جريدة الزمان ، ثم كتبت له على ايميله الذي وصلني من صديقي العزيز جعفر الحكاك لكنه لم يجبني للاسف . كما وصلتني في احد الايام رسالة من بنته تشكرني فيها على مقالي الذي كتبته عن والدها فطلبت منها ان تبلغه تحياتي وتطلب منه الكتابة لي لكنه لم يفعل ذلك ابدا .
تحية حب ووفاء للاستاذ الدكتور غازي درويش داعين الله ان يمتعه بالصحة والعافية وان يطيل عمره ، انه سميع مجيب .
الاشتراك في:
التعليقات (Atom)
الانطلاقة ...
منذ وقت طويل وأنا أفكر بإنشاء موقع خاص بي , فلسنين عديدة تشتت نتاجاتي في العديد من المواقع حتى ضاعت في دهاليزها وتبددت في أروقتها ولم...
-
بقلم وسام الشالجي 1- الاتجاه نحو التحالف مع الولايات المتحدة . اول الاسباب التي دفعت الى اسقاط النظام الملكي في 14 تموز عام 1958 ه...
-
بمناسبة الذكرى التاسعة والثلاثون لوفاة جدنا المرحوم عبد الحميد باشا الشالجي التي تصادف في الرابع من أب عام 2016 ارفع لحضراتكم هذا المقال ع...
-
بقلم وسام الشالجي كثيرا ما اطلقت مخيلتي في تصور الاوضاع في العراق فيما لو لم تحدث الثورات في العراق ابتداء من عام 1958 وما ب...





