الخميس، 25 أكتوبر 2018

خواطر بالأسود والأبيض - مواكب التشييع العسكرية أيام زمان

بالماضي كانت هناك مراسيم وأعراف غاية بالروعة دأبت الدولة على ممارستها تدلل فيها على عراقة الاصول الرسمية بالدولة العراقية وإرتفاع قيمة الإنسان بنظرها من بينها مراسيم التشييع العسكرية . كانت القوانين العسكرية السارية تقضي بان تقام جنازة عسكرية رسمية لكل ضابط عراقي من فئة القادة (مقدم فما فوق) يتوفاه الله سواء ان كان بالخدمة او خارجها . كان هذا الأجراء يمثل نوع من التكريم يدل على إرتفاع قيمة ضباط الجيش العراقي بنظر الدولة وعلو مكانتهم في المجتمع وسمو نظرة شعبهم اليهم . وحين سكنت في بيت جدي المطل على ساحة عنتر في بداية السبعينات إعتدت بين فترة واخرى على ان اشهد مثل هذه المراسيم الني تقام من أمام بيتنا حين يكون مكان دفن الضابط المتوفي في مقبرة الاعظمية . كانت المراسيم تبدأ من ساحة عنتر وتنتهي بالمقبرة التي تقع بجانب جامع الامام الاعظم . كان سير السيارات يقطع ويصطف رتلان من الجنود على جانبي الشارع المتوجه للمقبرة بمستوى فصيل من كل جانب . وعادة ما يتقدم موكب التشييع فرقة موسيقى عسكرية تتبعها سيارة عسكرية مكشوفة يوضع عليها الجثمان بعد أن يلف بالعلم العراقي ، يتبعها اهل وذوي الفقيد . وعادة ما تسبق الموكب فرقة عسكرية تذهب للمقبرة لحفر القبر وتهيئة مراسيم دفن الجثمان عند وصوله . يبدأ موكب التشييع حين يصدر الضابط المكلف بقيادته الأمر للجنود بالاستعداد وحمل السلاح بشكل منكوس حدادا على الضابط الراحل ثم ينطلق الموكب بمسير الجنازة على انغام فرقة الموسيقى العسكرية التي تعزف الحان خاصة بالتشييع . 

في اول مرة شهدت مثل هذا المواكب اصبت بالرهبة وسيطرت عليَ مشاعر الاعجاب الشديد بها مما دفعني لمرافقة الجنازة الى اخر مراحلها . كنت ارى الناس الذين يشهدون الموكب السائر من على جانبي الطريق يؤدون التحية للجنازة التي يجري تشييعها بينما يقرأ أخرون سورة الفاتحة لها . وحين بصل الموكب الى باب المقبرة يتوقف الموكب عن المسير وتقوم فرقة من الجنود بحمل الجثمان الى الداخل حيث القبر المحفور الذي ستدفن فيه . يرفع العلم العراقي عن التابوت ثم تجري مراسيم الدفن التي كانت تنجز بالكامل من قبل الجنود . وحين تصل عملية الدفن لمرحلة معينة يصدر الضابط الذي يقود الموكب لحملة الابواق أمرا بعزف لحن الرقود تطلق خلاله مجموعة من الجنود عدة اطلاقات نارية بينما يؤدي بقية الجنود سلام الأمراء كأخر تحية عسكرية تؤدى للضابط الراحل . وحين ينتهي كل شيء يغادر افراد الموكب العسكري المكان بينما يبقى ذوي الفقيد لتلقي التعازي من المعزيين .

ان عبرت هذه المراسيم العريقة عن شيء فانما كانت تعبر عن عظمة الدولة العراقية بوقتها وكم كانت دولة رفيعة لا تدخر جهدا في التعبير عن اعتزازها واحترامها وعلو نظرتها لرجالها ومواطنيها وخصوصا ضباط جيشها . واليوم فقدت للأسف هذه الدولة تلك العراقة وزالت من قاموسها تلك الرفعة واصبحت تافهة بكل شيء وانحطت قيمة كل مؤسساتها بما في ذلك مكانة جيشها . ليس هذا فقط ، بل ان رؤية الضابط نفسه بالشارع او المحلات العامة اصبح معدوما لأن الضابط صار يخاف ان يرتدي ملابسه العسكرية ويمشي بالشارع بالعلن ، والمؤسف أكثر أننا أصبحنا نرى من خلال الصور والفيديوات ضباط لا تليق بمنظرهم حتى الرتب العسكرية التي يرفعونها على اكتافهم مهما كانت عالية ورفيعة . رحم الله أيام زمان ورحم رجال ذلك العصر .




وسام الشالجي
25 تشرين أول (أكتوبر) 2018

الاثنين، 15 أكتوبر 2018

هل ما حدث في يوم 14 تموز عام 1958 بالعراق ثورة ام انقلاب ام حركة

يختلف الكثيرون في اطلاق الكلمة المناسبة للتعبير عن حدث يعد الأخطر في تاريخ العراق الحديث ، ذلك هو الحدث الذي جرى يوم ١٤ تموز ١٩٥٨ . يطلق المؤيدون لما حدث بذلك اليوم كلمة "ثورة" عليه ، بينما يسميه من يعارضون ما جرى بذلك اليوم بأنه "انقلاب" ، وهناك بعض اخر ممن تتملكهم الحيرة في وصف ذلك اليوم فيكتفون بإطلاق لفظة "حركة" في وصفه كنوع من الاعتراف بقيام حراك ما لكن مع التحفظ على دوافعه ونتائجه . ولكي نستقر على رأي في وصف ذلك اليوم الذي هو بكل الأحوال يوم تاريخي لابد من العودة للمعاجم المتوفرة عن المصطلحات العربية لمعرفة تعاريف هذه الألفاظ المختلفة لكي نهتدي بعدها الى الركون الى الوصف الصحيح بعد ان نستطلع احداث كل ما جرى بذلك اليوم الصاخب . 
تعرف كلمة "ثورة" باللغة العربية بانها تغيير جذري وأساسي وشامل على طبيعة النظام السياسي والاجتماعي القائم في دولة ما . ويقوم عادة الشعب هو بالثورة ، لكن يمكن ان يقوم بها بعض الاشخاص على ان تحظى بتأييد شعبي واسع وظاهر وحاسم . ليس من الضروري ان تكون الثورة على حق فهناك الكثير من الثورات التي حدثت بالتاريخ كانت اغراضها غير حسنة ولا تستند على أسس صائبة . كما ان الممكن ان تحدث الثورة في كيانات غير سياسية ، كأن تكون في ميدان الصناعة او الزراعة او العلم وغيرها لكنها يجب ان تحافظ على خاصية التغيير الاساسي والشامل في جميع الأحوال . اما كلمة "انقلاب" فتعرف بالمعاجم العربية بانها كل تغيير سياسي في نظام الحكم ناتج عن الاستيلاء على السلطة بالقوة وباساليب غير قانونية ولا دستورية . ويقوم عادة بالانقلاب رجال عسكريون يتوفر لديهم عنصر القوة مما يتيح لهم طرد الحكام الشرعيين والحلول محلهم . ولا يشترط في الانقلاب وجود تأييد شعبي له ، كما انه لا يشترط ايضا حصول تغيير جذري واساسي في طبيعة النظام القائم ، فالانقلاب يمكن ان ترافقه بعض التغييرات لكنها عادة تبقى محدودة وغير أساسية ، بل يمكن ان لا يرافقه اي تغيير باستثناء تغيير الوجوه الحاكمة . اما مصطلح "حركة" فانها تطلق على اي مجموعة سياسية او اجتماعية تحاول ان تغير بعض المفاهيم والاعراف السائدة . وتختلف الحركة عن الحزب بان الاولى تلجأ الى تنفيذ اهدافها عن طريق اقناع الرأي العام بمطالبها من خلال المظاهرات والحراك الشعبي والاجتماعات الجماهيرية ، بينما تلجأ الاحزاب الى احداث التغيير من خلال المشاركة السياسية والتنظير وبث العقائد . 
ولو نظرنا الى ما حدث في يوم ١٤ تموز عام ١٩٥٨ بالعراق بدقة وعناية لوجدناه يتمثل في قيام محاولة لتغيير نظام الحكم بالقوة وليس من خلال الوسائل القانونية والدستورية ، وقد قام بهذا العمل مجموعة من الضباط والعسكريين الذين يتمتعون بقوة عسكرية كافية لتحقيق اهدافهم وأغراضهم . هذا ما كان في بداية الحدث لكنه اسفر بعد وقوعه الى قيام تأييد شعبي عارم لما قام به هؤلاء الضباط غير تماما من طبيعة الحدث وقلب شكله رأسا على عقب . كما ان وقوع هذا الحدث نتج عنه فيما بعد الى حصول تغيير جذري وأساسي في كل طبيعة النظام ، بما في ذلك تركيبته وإتجاهاته وأساليبه ووسائله وغيرها . ولو طبقنا المساطر التعريفية التي جاءت اولا في بداية هذا المقال على الحدث الذي قام يوم ١٤ تموز عام ١٩٥٨ بالعراق لوجدناها تضعه في فئة (الانقلاب) في ساعاته الاولى ، لكنها تعود وتضعه في فئة (الثورة) بعد ان صار يتمتع بالتأييد الجماهيري الواسع وشرع بتغيير كل دقائق وجزئيات ومفاصل النظام السياسي والاجتماعي والاقتصادي الذي كان قائما ويحلل محلها مفردات جديدة غيرت من هوية الدولة ونظامها بشكل اساسي وشامل . اما مفهوم (الحركة) فلا ينطبق على ما حدث في ذلك اليوم مطلقا لا من قريب ولا من بعيد .
قد تكون هذه النتيجة صادمة ومخيبة لمحبي الملكية ومؤيديها لانها تعترف صراحة بان ما جرى يوم ١٤ تموز قد صار (ثورة) وليس (انقلاب) وهو الامر الذي يحاولون ان ينكروه باستمرار . ان الشجاعة تقتضي بالاعتراف بهذا الامر وعدم نكرانه ومحاولة البحث والتقصي عن الاسباب التي أدت الانقلاب لأن يصبح ثورة نتيجة للتأييد الشعبي الحاسم الذي ناله بعد وقوعه . ان من المؤكد بان هذا التأييد الشعبي الكبير الذي وقع بشكل عفوي للانقلاب الذي جرى بذلك اليوم وحوله الى ثورة ورائه أسباب كبيرة دفعت لوقوعه . ان فشل اي نظام سياسي يستدعي من القائمين عليه , أو ورثته ومن مؤيديه ومحبيه لان يبحثوا عن اسباب فشله ويعدوا العدة لتجاوز الاخطاء التي أدت اليها لغرض تقاديها وتجاوزها فيما لو وصلوا للحكم مرة اخرى . اما البقاء في حالة نكران الواقع واطلاق الاسماء التي لا تعبر عن الحقيقة وتوهم اشياء غير صحيحة فأنه ليس غير عمل يشبه طمر النعامة لرأسها في التراب حين تشعر بالخطر وتظن بان العدو لم يعد يراها .




وسام الشالجي
١٥ تشرين اول (اكتوبر)

الأربعاء، 10 أكتوبر 2018

صدور كتاب (يوم الصخب العظيم) للدكتور وسام الشالجي

صدر مؤخرا كتابي المعنون (يوم الصخب العظيم) عن دار روافد المصرية للنشر والتوزيع , والذي يتحدث عن أحداث يوم 14 تموز عام 1958 بالعراق بشكل روائي وقصصي , وقد شاركت به الدار في معرض أربيل الدولي للكتاب . دعوة لكل الأحبة والأصدقاء لزيارة الجناح وألأطلاع على الكتاب .






الأربعاء، 3 أكتوبر 2018

قطرات من عصارة الذات - اللواصق التي تعلق بالدماغ

العقل البشري هو معجزة من معجزات الله بقدراته وإمكانياته وأعاجيبه . ومن الصفات الخاصة بالدماغ هي قدرته على تعليق بعض الاشياء في تلافيفه حتى تصبح وكأنها لواصق يصعب أنتزاعها منه . ومن بين تلك الاشياء التي يمكن أن تعلق بالمخ كلمات أو جمل يستمر الأنسان بترديدها وكأنها ترنيمة تتكرر بوعي أو حتى من غير وعي . وأنا كأنسان علقت بذهني منذ ان نشأت بهذه الحياة ومضيت بمسيرتي فيها كلمات وجمل أستمريت بترديدها لفترات طويلة . بعض هذه الكلمات والجمل اخذت حيزا لا بأس به بين ايام حياتي ثم غابت فجأة لتحل محلها مقاطع جديدة ، بل أن بعضها أستمر دون توقف حتى اليوم . واللطيف ان معظم هذه المقاطع تحمل بين جنباتها شيء من الدعابة ، وكثيرا ما كانت تثير الضحك في نفوس اصدقائي الذين دأبوا على سماعها مني حين تقال بشكل يتوافق مع الظرف الذي نمر به في لحظة ما . ان هذا الامر موجود لدى معظم الناس لاني شخصيا وجدته ولمسته عند الكثير من الاشخاص الذين اعرفهم ، فهم عادة يكررون نطق عبارة معينة او كلمة خاصة بكثرة بين جنبات احاديثهم وكلامهم حتى تكاد ان تصبح علامة فارقة بهم . 

ان الكلمات والمقاطع التي دأبت على ترديدها معروفة لاصدقائي الذين عاشروني ، وساحاول هنا ان اذكر نفسي واذكرهم بها لانها كانت في فترات ما جزء مني بما يشبه الباج الذي يعلق على الصدور , كما صارت هي نفسها كالأصرة التي تربطني بهؤلاء الاصدقاء الاحبة . فخلال ايام الكلية كنت كثيرا ما اردد عبارة "اذا وكيلك حجي فيزي تعال اخذ مرة من (...؟...)" ، والكلمة الناقصة والمؤشرة بالعلامة (؟) لم اذكرها هنا متعمدا لاني وجدت بأن من غير اللائق ذكرها , لكن أصدقائي الذين سمعوها مني يعرفونها جيدا . كنت أطلق هذه العبارة بتغيير كلمة (مرة) , أي أمرأة الى أي شيء اخر يتوافق مع الحالة التي أنا بصددها . وخلال خدمتي العسكرية الاساسية كنت كثيرا ما أردد في وحدتي العسكرية كلمة (بالضبـــــــــــــــــــــــــــــــــــط) بتطويل حرف الباء كثيرا , حيث كنت أصف بها أي شيء أسمعه وأريد أن أثير المزاح حوله . وبعد تعييني بالوظيفة صرت أردد كلمة (بيها الخير) كثيرا لأسخر بها بشكل مبطن من الاشياء الغريبة التي تحدث في واقعنا اليومي . وحين كبرت وتقدمت بالعمر كنت دائما أصف أي شيء جميل يعجبني بأنه شيء (عالي جناب) . الكلمة التي استمرت اطول وقت في حياتي ولم أتوقف عن ترديدها منذ شبابي حتى اليوم هي كلمة (أنكس) التي اقتبستها من عديلي رحمه الله , ودائما ما استعملها وأرددها بصوت خفي لكي أبدي أستغرابي من شيء ما يحدث حولي . 


ومن اللواصق الأخرى التي تعلق بالدماغ هي الاغاني التي تبقى تعزف بالاذن وكأنها اسطوانة ثابتة لا تغادر الابرة موقعها فيها أبدا . تسمى هذه الحالة بـ "دودة الاذن" لأنها تشبه بصفتها الدودة التي تدخل للدماغ عن طريق الاذن وتظل فيه الى ماشاء الله . ليس من الضروري ان تكون الاغنية شهيرة او حلوة او جديدة لكي تعلق بالدماغ , لكن كما يبدوا أن لكلماتها أو ألحانها تاثيرات معينة تتوافق مع الدماغ بشكل ما فتظل تكرر نفسها فيه وكأنه يسمعها فعلا . كما أن الاغنية الدودة يمكن أن تستمر بالعزف بالاذن طوال يوم كامل دون توقف , أو حتى أيام عديدة . وفي حالتي أنا فأن هذه الحالة تحدث معي بأستمرار بشكل غريب , وهناك أغاني منسية ومفقودة لم اسمعها ربما منذ أكثر من أربعين عاما ومع ذلك تأتي وتصبح كالدودة في أذني من وقت لأخر . وقبل عدة ايام حصلت معي هذه الحالة حيث سمعت وأنا اقود سيارتي أغنية لليلى مراد مسجلة على اليو أس بي هي اغنية (معادنا بكرة الساعة خمسة) . هذه الاغنية عادية بكل شيء وليست متفوقة على غيرها من الاغاني أبدا ومع ذلك ظلت تتردد بمخي لعدة أيام , حتى أني كنت أسمعها تطنطن باذني حتى حين كنت أصحو من نومي بالليل للذهاب الى الحمام . عجيب هو هذا الدماغ البشري وعجيبة هي فعالياته وظواهره , فتبارك المولى الذي صنعه وجعل الانسان يختلف به عن كل المخلوقات الاخرى .




وسام الشالجي
3 تشرين أول (أكتوبر) 2018

الانطلاقة ...

منذ وقت طويل وأنا أفكر بإنشاء موقع خاص بي , فلسنين عديدة تشتت نتاجاتي في العديد من المواقع حتى ضاعت في دهاليزها وتبددت في أروقتها ولم...