الأحد، 23 يونيو 2013

تدمير التراث الثقافي العربي , هل هو مؤامرة ؟ - (2)



العراق , أو بلاد ما بين النهرين أو أرض السواد وغيرها من الاسماء ، هو تلك الأرض التي تحتضن نهري دجلة والفرات , وهو البلد الذي منح الإنسانية عطاءً ليس له مثيل ، فقد إتحدت فيه عبقرية المكان والزمان مع عبقرية الإنسان لتنتج أعرق حضارات الأرض وأكثرها أصالة وأبعدها أثراً.  الحضارات التي نشأت في هذه البقعة من الارض عديدة بدءا من أول قرية زراعية وجدت في العالم وهي قرية جرمو قرب كركوك , الى إمارة أوروك وهي أول كيان سياسي موحد نشأ على وجه الأرض عام 5500 ق.م , إلى الحضارات الأكدية ثم الكوتية ثم السومرية ثم البابلية ثم الكشيّة ثم البابلية الوسيطة والمتأخرة ثم الآشورية ثم الحضارة العربية والإسلامية. كان لهذه الحضارات الدور الفريد في صهر أبناء العراق في وحدة فكرية وإقتصادية وإجتماعية جعلت منهم ليس شعبا واحدا بل أسرة واحدة . ان هذا الادعاء هو ليس نوع من الاتجار السياسي ولا انحياز لهذه المنطقة خلقته عوامل معينة , بل هو حالة وصفية جاءت على لسان مؤرخين ومراقبين هم من خارج هذه البقعة من الارض . وقد تعرض العراق عبر تاريخه الى غزاة كثر ، وتعرض لمحاولات تقسيم كثيرة تلاشت جميعها وبقي موحدا . كانت هذه الغزوات ومحاولات التقسيم لا تهدف الى شيء غير تحطيم هذا المنبع الانساني للحضارات والقضاء على كل بذور النهضة والأنبعاث المزروعة في نفس كل فرد من أفراد هذا البلد . آخر محاولات تقسيم العراق في العصر الحديث كانت موضوعة ضمن إتفاقية سايكس بيكو عام  1916 حين خططت بريطانيا مع فرنسا وبمباركة روسيا القيصرية لأنشاء ثلاثة كيانات مستقلة ، لكن سرعان ما تيقن البريطانيون أن العراق وحدة واحدة تكمل بعضها بعضا ، وإن الكيانات الثلاث التي ينوون خلقها غير قابلة للحياة وستكون عبئا على بريطانيا وليس مصدرا لثرائها .

تأسست الدولة العراقية عام 1921 , ونالت الاستقلال عن بريطانيا عام 1932 . ومنذ تأسيسها اخذت هذه الدولة الوليدة تخطو خطوات كبيرة باتجاه اعادة بناء نفسها واستعادة دورها الحضاري المشع , ولو على نطاق المنطقة التي تحيط بها . وبالرغم من كل الصعوبات والظروف التي واجهتها فقد تحقق للعراق الكثير خلال ألـ 50 سنة الاولى من عمر الدولة من اعمار وتصنيع وتطور زراعي وتعليم وغيرها . وفي عقد السبعينات شهد العراق وثبة حضارية لا مثيل لها من بين كل بلدان المنطقة , وكانت منظمة الامم المتحدة على وشك ان ترفعه من قائمة الدول النامية وتضعه ضمن قائمة الدول المتقدمة والمتحضرة . كان هذا التصنيف موضوع على اساس ان العراق تطور بمستوى كبير في مجالات التعليم والرعاية الصحية والضمان الاجتماعي ورعاية الطفل وحقوق المرأة والاسكان والصناعة والزراعة وارتفاع الدخل القومي للفرد وغيرها . لم تكن اي دولة في المنطقة تضاهي العراق في كل هذا , فحتى وان صادف وجود دولة تتفوق على العراق في قطاع معين , نجد ان العراق كان يتفوق عليها في عشرات القطاعات الاخرى . كان اخطر ما في هذا كله هو تنامي القوة العسكرية العراقية ودخوله في ميدان التصنيع العسكري . لسنا هنا في معرض الاشادة بهذه الامكانيات وبيان مدى نجاحها وفاعليتها , لكن علينا ان لا نغفل بان حصول مثل هذا لابد وان يدفع جهات كثيرة الى القلق , ومن بينها واهمها حتما (اسرائيل) . كانت اسرائيل تنظر بعين الريبة الى كل شيء يجري في العراق , فهو الدولة الوحيدة التي لم توقع معها اي معاهدة هدنة او وقف اطلاق النار منذ عام 1948 , مما يعني بانه في حالة حرب مستمرة معها .  لذلك كان يتعين انهاء حالة التطور التي تجري بالعراق باي شكل من الاشكال .

1-    الحرب العراقية الايرانية (حرب الخليج الاولى)
بدأ مخطط تدمير العراق وايقاف نهضته الحضارية الجديدة بوضع الترتيبات وخلق الظروف والاسباب التي ادت الى اندلاع الحرب العراقية الايرانية . يمكن بسهولة ادراك بان اندلاع هذه الحرب كان فقرة في مخطط موضوع مسبقا من ملاحظة التغير في الاجواء السياسية في كل من ايران والعراق والذي حدث خلال مدة لا تتجاوز الخمسة شهور تمثل في وصول زعيمين جديدين للسطة في البلدين . ففي شباط 1979 وصل الامام الخميني للسلطة في ايران , وفي تموز من نفس العام وصل الرئيس صدام حسين الى السلطة في العراق . ولو عرفنا بان هذين الشخصين بالذات كانا السبب في اندلاع حرب مدمرة بين البلدين استمرت ثمان سنوات اكلت الاخضر واليابس فيهما لقادنا ذلك الى التفكير حتما الى الاعتقاد بان وصولهما للسلطة لم يكن قط محض صدفة بل لابد وان يكون قد رتب بدقة . وبعيدا عن البحث عن الاسباب الحقيقية لتلك الحرب وظروفها ولماذا وكيف استمرت طيلة المدة التي استغرقتها ومن غير الخوض في تفاصيلها , يمكن بسهولة ان ندرك بان تحطيم العراق وتدمير كل امكانياته الاقتصادية والعلمية والثقافية كان هو الهدف الحقيقي المتوخى من تلك الحرب . وقد يقول قائل , ولماذا لم يكن الهدف من تلك الحرب تحطيم ايران ؟ عندها يمكن الاجابة بسهولة في ان ذلك لم يكن من بين الاهداف الستراتيجية الموضوعة لتلك الحرب بدلالة الاحداث التي اعقبتها . وبالرغم من ان البلدين خرجا من تلك الحرب مدمرين ومتعبين ومفلسين , الا ان القوة التي وصلها العراق بعد تلك الحرب كانت رهيبة ضمن المقاييس المحلية , على خلاف ايران التي خرجت من تلك الحرب ضعيفة وكسيحة . اثبتت تلك الحرب بان ما كان مخططا للعراق بشكل رئيسي لم يكن بالامكان الوصول اليه بواسطتها لسببين اولهما وجود صدام حسين على رأس السلطة بالعراق , والثاني هو ان ايران لم تكن المصارع المناسب الذي ادخل لحلبة الصراع . كان صدام حسين عنيدا بشكل لم يحسب حسابه وقد صمد في تلك الحرب بشكل غير متوقع , كما ان ايران لم تكن دولة مقاتلة بمستوى احترافي يعتد به لكي تنتصر في تلك الحرب , لذلك لم تحقق الحرب العراقية الايرانية هدفها الرئيس بتحطيم العراق والقضاء على فرص الانبعاث الحضاري التي بدأت فيه قبل تلك الحرب .

وبالرغم مما تقدم فان الحرب العراقية الايرانية كانت مع ذلك بداية حقيقية لأنطلاق الفعل التأثيري الرامي لتدمير وتحطيم التراث الثقافي العراقي . ويمكن تلخيص تأثيرات تلك الحرب على هذا التراث بمختلف فروعه بالنقاط التالية :

1-    لقد سبق بدأ تلك الحرب تنفيذ حملة  تهجير ما يسمون بـ (التبعية الايرانية ) من المواطنين العراقيين بعد ان ادعت الحكومة العراقية بانهم تنكروا للعراق واصبحوا أدوات لتنفيذ ما تطلبه منهم ايران , ومن بين ذلك القيام بتفجيرات الغرض منها بلبلة الاوضاع وتهديد الامن العام . والسبب الثاني لهذا التهجير كما ادعت الحكومة هو انهم اصبحوا يمثلون طابورا خامسا لايران يستخدم في نقل المعلومات العسكرية وغير العسكرية اليها . وكان من بين المهجرين اعداد كبيرة من المثقفين والفنانين واصحاب الخبرات وغيرهم . وحتى من سلم من هؤلاء من التهجير فانه اصبح منطويا على نفسه وتوقفت نشاطاته وانزوى جانبا لكي لا يلفت اليه الانظار تحاشيا لخطر التهجير الذي كان ممكن حصوله في اي وقت . وقد شكل هذا الفعل بداية صفحة تراجع التراث الثقافي العراقي وتغلغل عوامل التاثير المدمر اليه .
2-    ادت ظروف الحرب , والظروف التي سبقتها بعدة سنوات والتي تمثلت بمنع الطقوس المذهبية للطائفة الشيعية بالعراق الى خلق فجوة بينها وبين الطائفة السنية اخذت تتعاظم بالخفاء تدريجيا . خلقت هذه الفجوة حالة من التضادد الفكري والثقافي بين الطائفتين مما افرز حالة من الاحتقان القابل للانفجار في اي لحظة . كان من النتائج السيئة المباشرة لهذه الحالة هو دخول العناصر المثقفة من كلا الطائفتين بصراع فكري وثقافي يتمحور حول البحث في خلافات قديمة مر عليها قرون تاركين دورهم الحضاري المنتظر منهم في تطوير المجتمع وتنوير افراده بما يسهم في بناء البلد وتطويره . والاسوأ من ذلك كله هو ان الحكومة نفسها اصبحت جزء من هذا التضادد الفكري كما اخذ يظهر من اجرائاتها وممارساتها . فبدلا من ان تسعى الى هدم الفجوة التي تكونت بين الطائفتين , خصوصا وانها كانت السبب المباشر في خلقها , راحت تزيد من عمقها وتساهم في تأصل الخلافات التي حصلت بينهما .
3-    وبعد فترة من اندلاع الحرب العراقية الايرانية واشتداد لهيبها ازدادت بشكل ملفت حركة هجرة الكفاءات الى الخارج اما للخلاص من ظروف هذه الحرب واحتمال التجنيد فيها , او بسبب سياسات الدولة في مختلف المجالات ومن بينها ممارساتها الطائفية وحركة التبعيث القسري للعلماء والكفاءات والاساتذة والعاملين في القطاع التعليمي . ولولا منع السفر الذي فرضته الحكومة عام 1982 جراء إدراكها لتصاعد هذه الهجرة لاستمرت بأعداد كبيرة . كما أمتنع الكثير من الطلبة الذين أكملوا دراستهم في الخارج من العودة إلى العراق في ذلك العقد بسبب عدم رغبتهم في العودة الى محرقة الحرب التي لا تتوقف ، بالرغم من أن الكثير منهم قد أرسل لإكمال دراسته في الخارج على نفقة الدولة . لقد ادى هذا الامر الى خسارة العراق لعدد كبير من كفاءاته ومثقفيه , كما انه حرم من ضخ كفاءات جديدة اليه.
4-    طال الدمار العديد من المواقع الاثرية المهمة في البلد , خصوصا تلك الواقعة بالقرب من الحدود بين العراق وايران . كما ان عدد اخر من المواقع الاثرية استخدم كمواقع لمعسكرات ومراكز للقيادة العسكرية مثل موقع (دير) في بدرة . كما استخدمت بعض المواقع الاثرية الاخرى كنقاط للمراقبة بسب ارتفاعها عن سطح الارض مثل موقع (دريهم) في الديوانية . من ناحية اخرى فان بعض المواقع التاريخية قد تضرر نتيجة لبناء منشأت عسكرية بالقرب منه كما جرى لمواقع أور الاثرية نتيجة لبناء قاعدة جوية في المنطقة .
5-    حصول عمليات تخريب متعمدة لبعض المواقع الاثرية كما حصل في مدينة بابل الاثرية لتحضيرها لمهرجانات بابل الفنية . ففي غمرة تلك الحرب , ولغرض اظهار العراق بموقف عدم المبالي منها ومن ويلاتها اتجهت الدولة الى تنظيم مهرجانات ثقافية وفنية مثل مهرجان بابل الفني . وخلال مراحل الاعداد لهذا المهرجان تم نهب الكثير من القطع الاثرية في تلك المنطقة اثناء تلك العمليات وتحت أعين الخبراء . كما تم ايضا الترميم باستعمال الطابوق العراقي (الجمهوري) ووضع اسم الرئيس صدام حسين في نجمة ثمانية على كل طابوقة استخدمت خلال حملة عرفت وقتها باسم (من نبوخذنصر الى صدام حسين , بابل تنهض من جديد) مما ادى الى فقدان هذه المدينة البابلية العريقة أصالتها التاريخية وقيمتها الاثرية فقررت منظمة اليونسكو شطبها من بين الاثار التاريخية العالمية وعدم الاعتراف بها كموقع اثري . ومنذ ذلك الوقت اصبحت بابل مجرد مدينة سياحية وليست مدينة اثرية بعد أن فقدت قيمتها الاصلية .
6-    بين عامي 1988- 1989 تم العبث بالموقع الاثري لحصن الاخيضر في محافظة كربلاء باستخدام طرق ارتجالية لترميمه في عملية تحضيرة ليصبح هو الاخر موقع للاحتفالات الوطنية في تجاهل متعمد لقيمة الموقع الاثري واهميته التاريخية . لم يقم بهذا العمل خبراء في الاثار , ولم تتبع المعايير الدولية في صيانة وترميم المواقع الاثرية كوثيقة فينيسيا(Chart of Venice)  مما اضر بالقيمة التاريخية والاثرية لهذا الموقع وشطب ايضا من قبل اليونسكو من قائمة المواقع التاريخية العالمية واصبح مجرد موقع سياحي.
7-    في عام 1989 طلب مجلس قيادة الثورة من مديرية الاثار العامة أستعارة كنز الملكة (شبعاد) التي عثر عليه الباحث الاثاري (Wooly) سنة 1933 في المقابر الملكية في أور ، لتظهر بعد ذلك بمدة زوجة الرئيس صدام حسين (ساجدة خير الله) في احتفال عام وهي ترتدي اقراطا من هذا الكنز الاثري في حادثة غريبة ومثيرة للتساؤل حيث تم التصرف بشأن تاريخي يخص الانسانية جمعاء بشكل شخصي دون وجه حق .
8-    في عام 1989 تعرف العراقيون لاول مرة على كنز نمرود الذي يحوي الف قطعة ذهبية من التيجان والورود والحجارة الكريمة التي تعود الى الالف الثامن قبل الميلاد والذي يعتبر احد اكبر واهم الاكتشافات خلال المائة سنة الماضية . هذا الكنز عرض لمرة واحدة فقط ثم اختفى بعدها . وقد اشيع بعدها بان ابن الرئيس صدام حسين الكبير (عدي) قد وضع يده عليه وتم بيعه في اسواق الاثار المهربة بعد ان كان مخزونا في البنك المركزي .
9-    بسبب ظروف الحرب تم تحويل جزء لا يستهان به من الامكانيات الفنية المتاحة لخدمة المجهود الحربي . فقد تم انتاج مئات الاغاني الوطنية المكرسة للترويج المعنوي وبث الحماس في نفوس المقاتلين . كما تحول عدد كبير من الفنانين الى العمل في المؤسسات الفنية العائدة للجيش بسبب تجنيدهم في القوات المسلحة . كان لهذه الاحداث اثر كبير في تراجع مستوى الانتاج الفني العراقي وتوجيهه باتجاهات لا تتناسب مع قيمته التاريخية المتوارثة . وبالاضافة الى هذا فان الامكاتيات الفنية تم توظيفها لانتاج افلام وثائقية عن العمليات العسكرية والمعارك التي تخوضها القوات المسلحة مما ادى الى تراجع انتاج الافلام السينمائية والمسلسلات قياسا بفترة ما قبل الحرب .
10-  نتيجة لاسباب سياسية أو حملات التهجير فقد العراق عدد من فنانيه ومثقفيه , حيث كانوا ضحية لتصفيات سياسية او تهجير قسري او ذاتي الى الخارج , او على اقل تقدير تهميشهم وعدم ترك الفرصة لهم لمواصلة نشاطاتهم .  
11-  وبسبب الضائقة المالية التي عانى منها البلد خلال سنوات الحرب نتيجة لتكاليف الحرب الهائلة توقف تقريبا تجهيز الجامعات والمؤسسات العلمية بالجديد من الاجهزة البحثية . كما توقف ايضا استيراد الكتب والمجلات العلمية والفنية من الخارج وتراجعت بشكل كبير نسبة الايفادات التدريبية مما ساهم في بدأ التراجع الفكري والعلمي والثقافي في البلد .
12-  وبسبب الحرب ومفرزاتها اتجهت الدولة الى حملة عسكرة المجتمع ككل , وتوسع التجنيد الالزامي حتى وصل الى سن 45 , وهي السن التي يعفى قانون الخدمة العسكرية من يبلغها من التجنيد بكل انواعه . وبعد هذه السن اتجهت الدولة الى خرط المواطنين في ميليشيات نظامية ضمن قواطع الجيش الشعبي والتي قتل وأسر اعداد كبيرة من الملتحقين بها بسبب ضعف التدريب والخبرة والمهارة العسكرية . وقد ادى هذا الحال الى حرمان المجتمع من كفاءات وخبرات كثيرة ضاعت جميعها في محرقة الحرب ومطحنتها .   

بالرغم من كل النتائج الوخيمة التي اسفرت عنها الحرب العراقية الايرانية يمكن القول بان تاثيرات هذه الحرب على التراث الثقافي العراقي لم تكن خطيرة جدا , وكان يمكن تجاوزها بسهولة وبمدة ليست طويلة اذا ما تمتع العراق بعدها بفترة استقرار وهدوء وفرصة ليبرأ من جراحها , وهذا ما لم يحدث ابدا . وحيث ان تدمير العراق كبلد , وتحطيم الاسس التي يمكن لها ان تخلق وضع جديد فيه يمكنه من تحقيق وثبة حضارية جديدة كانت اهداف ستراتيجية يقتضي الوصول اليها اصبح من المتعين البدأ بتجربة جديدة للوصل الى هذه الغايات بشكل وبأخر . كان من الضروري هذه المرة الاتيان بطريقة مختلفة وادخال خصوم اقوياء للقضاء على هذا البلد الذي اثبت التاريخ انه يملك بذور الوثبة لتنمو كلما سمحت له الظروف بذلك .

2-    حرب الكويت (حرب الخليج الثانية)
لم تكن التجربة الجديدة غير حرب الكويت . وبغض النظر عن واقع تلك الحرب وظروفها فأنها كانت في الواقع فريدة من نوعها في كل شيء حصل فيها . فلأول مرة تستأجر دول من قبل دول اخرى لكي تزج جيوشها في حرب ليست لها مصلحة فيها سوى استلام الاموال من الدول المؤجرة . ولأول مرة تتحالف اكثر من ثلاثين دولة بينها ثلاث قوى عظمى لتشكل حلف عسكري ليس له مثيل في قوته . ولأول مرة تتحالف دول عربية تدعي الثورية وترفع شعارات الوحدة والقومية العربية مع دول عريقة بتاريخها الاستعماري وتخوض معها الحرب ضد دولة عربية شقيقة كانت وحيدة بهذه الحرب . ولاول مرة تتحارب دول نووية مصنعة للسلاح مع دولة من دول العالم الثالث تستورد كل شيء بما فيه سلاحها وعتادها . ولاول مرة تصبح اسرائيل طرف بحرب يتحارب فيها عرب ضد عرب اخرون , وان لم تكن ظاهريا لاعب مباشر بها . ولاول مرة يتم تمويل حرب كاملة بكل نفقاتها من اموال النفط العربي . ولأول مرة تكون كفتي الميزان في حرب نظامية مختلة بشكل حاد , فلو جمعنا نفوس سكان دول التحالف على سبيل المثال لوجدنا بانها تتجاوز المليار نسمة , في حين لم يتعدى نفوس العراق في وقتها 18 مليون نسمة . ولاول مرة تدفع الرشاوي على مستوى دول لضمان سكوتها ووقوفها بشكل محايد كما جرى حين قدم للاتحاد السوفيتي اكثر من اربعة مليارات دولار لضمان عدم وقوفه في مجلس الامن ضد هذه الحرب . ولاول مرة تستعمل اسلجة جديدة لم تجرب سابقا مثل قذائف اليورانيوم المنضب ضد الدروع التي لا تزول اثارها الاشعاعية لألاف السنين .

بدأت الحرب بعملية قصف جوي يمكن وصفها بانها اكبر عملية قصف في التاريخ , فطوال 45 يوما لم تكف الطائرات عن القصف ليل نهار بألاف الطلعات , بالاضافة الى دك العراق بمئات الصواريخ التكتيكية والستراتيجية العابرة للقارات . وبعد ذلك القصف بدأت معركة برية استمرت بضعة ايام تقدمت فيها قوات التحالف داخل الاراضي العراقية في عملية توغل التفافي متحاشية المواجهة المباشرة مع القوات العراقية الموجودة داخل الكويت . بعد ان شعر العراق بان قواته ستحاصر اذا ما اكتملت عملية الالتفاف قام بسحب قواته من الكويت في عملية ارتجالية كانت اسوأ عملية انسحاب على مدى التاريخ العسكري واكثرها فوضوية . كانت هذه الخطوة فرصة ذهبية لقوات التحالف في القضاء على القوات المتقهقرة فحدث ما يشبه المجزرة اذا كانت قوات التحالف تقصف القوات المنسحبة التي لا حول لها ولا قوة موقعة بها افدح الخسائر فقتل عشرات الالاف من الجنود العراقيين وتركت مئات الالاف من اطنان المعدات والتجهيزات العسكرية . بعد انسحاب القوات العراقية من الكويت جرى اعلان وقف اطلاق النار بشكل مفاجيء من قبل الحلفاء . لكن بعد توقف العمليات العسكرية مباشرة حصلت احداث تمرد على الحكومة في شمال وجنوب العراق سميت من قبل الحكومة بصفحة الغدر والخيانة بينما سميت من قبل الحركات المعارضة بالأنتفاضة الشعبانية . كان هذه الحركة تهدف الى اسقاط النظام بالعراق وقد استمرت لمدة تقارب الاسبوعين سقطت خلالها 14 محافظة من بين 18 محافظة يتكون منها العراق , لكنها فشلت بالاخر في تحقيق اهدافها لانها ووجهت بقمع شديد من قبل الحكومة بما تبقى لديها من قوات نظامية .    

خرج العراق من تلك الحرب مدمرا بشكل فظيع , فقد تحطم كل شيء فيه وابيدت معظم قواته البرية وخسر من المعدات ما لا يمكن حصره . القوات الوحيدة التي نجت من هذه المجزرة هي قوات الحرس الجمهوري لانها كانت بالاساس خارج الكويت . اما لماذا توقفت تلك الحرب فجأة من غير القضاء التام على العراق كنظام ودولة فلذلك سببين محتملين . السبب الاول هو ان الحلفاء كانوا يظنون بان نظام صدام حسين لن يصمد طويلا بعد هذه الخسائر وان فرص سقوطه باتت ممكنة وبمتناول اليد , لذلك اعتقدوا بان من الافضل ترك الامر ليتحقق طبيعيا بدلا من القتال لاجل للوصول الى هذه النتيجة . والسبب الثاني هو اسلحة الدمار الشامل التي كان الحلفاء على ثقة بان العراق يملكها وانه لن يتوانى عن استخدامها اذا ما دعته الضرورة لذلك . كان العراق خاليا من الجواسيس تقريبا , وما كان يعرف عن اسلحة الدمار الشامل الموجودة في العراق قليل جدا . لذلك كان امر المجازفة بادخال جيوش الحلفاء بحرب يمكن ان تستخدم بها اسلحة الدمار الشامل شيء غير مقبول , ليس لان تلك الدول غير قادرة على خوضها بل لانها يمكن ان تسبب لها خسائر كبيرة . ولان تلك الحرب كانت تخاض بالنيابة وهي مدفوعة الثمن وجميع دول المشتركة بها كانت دول مستأجرة , لذلك فان تكبد خسائر كبيرة بالارواح كان امر غير مقبول وقد يؤدي الى سقوط أغلب حكومات تلك الدول , لذا فقد تم ايقاف تلك الحرب بشكل مفاجيء . وكما اسلفنا فان الوصول للهدف النهائي من هذه الحرب ترك بانتظار حصول احد أمرين , اولهما هو احتمال سقوط النظام من الداخل , والثاني هو تأجيل التقدم الى بغداد لحين التأكد من عدم امتلاك النظام لاي اسلحة دمار شامل .

كانت هذه الحرب هي حرب تدمير للعراق اكثر بكثير من كونها حرب لتحرير الكويت . ومما يدل على ان هذا هو ما كان مقصودا من هذه الحرب ان وزير الخارجية الامريكي جيمس بيكر قال لوزير الخارجية العراقي طارق عزيز اثناء لقائه به قل الحرب بأيام قلائل بان قوات التحالف ستعيد العراق الى عصر ما قبل التصنيع . كما وصف اللواء أركان حرب محمد علي بلال قائد القوات المصرية تلك الحرب بأنها كانت حرب "تدمير العراق"، معللا ذلك بأن فترة التمهيد النيراني لاي عملية عسكرية والتي عادة لا تتجاوز 45 دقيقة ، استمرت في حرب الكويت لمدة 6 أسابيع لأول مرة في تاريخ العسكرية . وفي أخر يوم من الحرب اتصل قائد قوات التحالف نورمان شوارتسكوف برئيس الولايات المتحدة جورج بوش الاب وقال له بانه لم يعد هناك في العراق أي هدف يمكن قصفه . قامت الطائرات العائدة لقوات التحالف بهجمات واسعة النطاق على كل مناطق العراق دون أي مواجهة ‏تذكر , وقد قدرت تلك الطلعات بحوالي 110 الف طلعة جوية اسقط فيها 88.500 طن من القنابل . ولو تجاهلنا الاهداف العسكرية التي استهدفت , فأن هذه الطلعات استهدفت ايضا البني التحتية في البلد مثل أنظمة ‏الكهرباء والاتصالات ومرافق الموانيء ومصافي النفط وخطوط الأنابيب والسكك الحديدية والجسور والطرق . ‏وبالإضافة إلى ذلك تم تدمير إمدادات المياه الصالحة للشرب مما فاقم من معاناة السكان المدنيين , كما ‏دمرت القنابل أنظمة السيطرة على جميع السدود الكبيرة ومحطات الضخ ومحطات معالجة مياه ‏الصرف الصحي مما أدى الى تدفق مياه الصرف الصحي مباشرة في نهر دجلة وهذا افضى الى انتشار ‏الأمراض الوبائية بين السكان .

اما على مستوى تدمير التراث الثقافي العراقي فان هذه الحرب كان لها ايضا نصيب في تحقيق هذه الغاية . توغلت قوات التحالف خلال هذه الحرب حتى وصلت على مشارف عدد مدن العراق الجنوبية ومن بينها مدينة الناصرية والتي تعد متحفا مهما للآثار لكونها تضم آثار السومريين التاريخية . كما ان حالة الفوضى والتمرد على الحكومة التي اعقبت وقف اطلاق النار كان لها اثرها ايضا في تدمير جانب من التراث الثقافي العراقي . فقد تعرضت سبع متاحف عراقية رئيسية في المناطق التي خرجت عن سيطرة الحكومة إلى سرقات كبيرة خلال هذه الفترة وهي متاحف دهوك , كركوك ، الكوفة ، البصرة ، السليمانية ، القادسية ، ميسان , فضلاً عن متاحف محلية في آشور ، سنجار ، بابل , واسط  . تمكن لصوص الآثار خلال عمليات السلب والنهب من سرقة آلاف القطع الأثرية النادرة التي بلغ عددها حسبما كشفت الهيئة العامة للآثار العراقية النقاب في وقتها نحو 4000 قطعة . ضمت المسروقات لوحات جدارية وأختام وحلي وتماثيل وأدوات منزلية اثرية ومسكوكات . وفي المنطقة الشمالية , وبعد فرض منطقة الحظر الجوي وخروجها عن سيطرة الحكومة المركزية تسللت بعثات أثرية من جنسيات مختلفة بإشراف ومساعدة منظمة من الحكومتين الأمريكية والبريطانية وأجرت عمليات مسح وتنقيب عن الآثار العراقية لاستخراج الآثار التي يعثر عليها وتهريبها إلى خارج البلاد . وقد بيعت الآثار العراقية المسروقة في مزادات عالمية منها مزاد "كريستي" حيث بيعت فيه قطعة أثرية تمثل وجه فتاة في مدينة الحضر . وفي مزاد "درو" عرضت أختام أسطوانية عددها 108 وهي أختام آشورية وبابلية . ولعل من أكثر القضايا المثيرة للجدل بشأن تهريب الآثار العراقية إلى الخارج بعد حرب الخليج الثانية ما تردد حول تورط تجار إسرائيليين في تنظيم عمليات منظمة لتهريب هذه الآثار إلى العواصم الأوروبية وإسرائيل . فقد أشار تقرير أوردته صحيفة الوحدة الأسبوعية الأردنية إلى أن من بين الآثار العراقية التي تم تهريبها إلى إسرائيل ست مخطوطات جلدية كتبت عليها بعض أسفار التوراة يعود تاريخها الى القرن الرابع عشر الميلادي ومسكوكات ذهبية صدرت في حقب تاريخية مختلفة.

-   يتبع -

الاثنين، 17 يونيو 2013

تدمير التراث الثقافي العربي , هل هو مؤامرة ؟

دراسة من اعداد
وسام الشالجي

(1)

مقدمة

التراث الثقافي هو كل ما أورثته لنا الأجيال السابقة في مختلف الميادين  المادية والفكرية والمعنوية , او بكلمة اخرى هو كل ما ينتقل من عادات وتقاليد وعلوم وآداب وفنون ومعارف وابداعات ونحوها , او ما يسمى بالثقافة المادية والثقافة الغير مادية من جيل إلى جيل . أن حضارة أي شعب او مجتمع لا يمكن تقوم وتدوم وتستمر بدون وجود تراث اصيل لكي لا يعتمد افراد ذلك الشعب على ما تنتجه الحضارات الأخرى . وحين يحفظ التراث للامة فان في ذلك حفظ لكيانها وادامة لبقائها واستمرار لوجودها مهما تعرضت للعدوان والتفرقة والتشرذم والضغط السياسي والاجتماعي والقومي . ويشمل التراث الثقافي المفردات التالية :

1-    التاريخ : وهو الصفحات المختلفة التي مرت بها حضارة الامة بما فيها فترات الازدهار والانحطاط بالاضافة الى الاثار والمعالم والصروح التي تركتها الاجيال السابقة وورثتها الاجيال اللاحقة
2-    الثقافة المادية : وهي تشمل المهارات والقدرات والنتاجات التي تنتقل عبر الاجيال بما فيها المهارات والقدرات الصناعية والزراعية وغيرها
3-     الثقافة الغير مادية:  وتشمل الاداب والفنون والعلوم والموروث الشعبي والعادات والتقاليد وغيرها

وتستخدم مواد التراث الثقافي المختلفة في إعادة بناء الفترات التاريخية للامم , وهو كل ما تحتاجه لكي تنهض جديد , خصوصا حين تتعرض الى فترات مظلمة او انحطاط تمر في حياتها . كما انه يستخدم أيضا لإبراز الهوية الوطنية والقومية والكشف عن ملامحها . وكما ان التراث هو نتاج حضارة الامة فهو ايضا الباعث لها , اي بمعنى أخر "لا حضارة بدون تراث" لأنها بدونه ستصير حضارة طفيلية ترتوي من تراث الآخرين دون تراثها شأنها بذلك شأن الطفيليات التي تتقوت على مما تنتجه الأشجار الأخرى , فما إن تحبس عنها الأشجار قوتها حتى تندثر وتزول مهما بلغت قوتها وقدراتها . وبوجود التراث في الامة تصبح الحضارة فيها أصيلة لا تبعية عندها ، ومستقلة تملك جذورها العميقة التي ستمتد وتغور في الارض .

 ولكي تبقى اي امة وتدوم , وتستمر حضارتها بالتواصل والتجدد يجب عليها ان تديم وترعى تراثها الثقافي وتصونه وتحفظه سليما وغير محرفا بمختلف فروعه لكي يستلم من قبل الاجيال المتعاقبة دون مساس او تحريف . ويقصد بمفهوم الحفاظ على التراث الثقافي للامة هو المحافظة على الموروثات بمختلف اشكالها دون تغيير او تعديل يمس جوهرها او تلف يشوه معالمها او اضافات تغير حقيقتها , وحمايتها من التدمير او التحطيم او السرقة , وكذلك عدم ترك ظروف التطور الحضاري والتنمية الجديدة التي باتت تغزو كل مكان وكل شيء بالتأثير عليها . كما يمتد مفهوم الحفاظ على التراث الثقافي الى معنى احياء ذلك التراث وابرازه والتعريف به . والحفاظ على التراث الثقافي بهذا المعنى لا يعني تحنيطه ووضعه في خزانة زجاجية لغرض العرض والتذكير بالماضي , بل يعني اعادة توظيف التراث توظيفا ناجحا واعادة انتاج الجيد والصالح منه باعتباره يمثل القاعدة والخلفية الاساسية للتكوين الحضاري للامة .  ان الحفاظ على التراث الثقافي هو حفاظ على الذات لان حياة الفرد والمجموع ليست الا تطور منطقي للماضي . وقد يظن البعض بان الحفاظ على التراث الثقافي ما هو الا شكل من اشكال الرجعية والرغبة بالعودة الى الماضي وتجسيد مفرداته في الزمن الحاضر . ان الحفاظ على التراث الثقافي وحفظه وصيانته واعادة انتاجه اينما كان ذلك ممكنا ليس معناه استنساخ الايام الغابرة ولا هو ردة ذهنية او عودة خيالية للماضي , ولا هو حنين عاطفي اليه وانما هو ببساطة نقل واستمرارية لما كان موجودا مما ثبتت صحته وصلاحيته . ان هذا النقل التلقائي لما هو مفيد من التراث هو تماما ما يعكس الشخصية الوطنية للفرد والحس الجماعي للمجتمع لانه سيعبر في النهاية عن هويتهم وكيانهم ووجدانهم .

وعلى العكس مما تقدم نجد ان تدمير التراث الثقافي لاي أمة , او على الاقل تشويهه وتحريفه وتزويره يعتبر واحدة من افضل واقوى وسائل الانقضاض على تلك الامة لتحطيم مكانتها الحضارية بين الامم وأطفاء اشعاعها الفكري الذي تميز به .  أن تدمير التراث الثقافي للامة يعني بشكل ادق تدمير لهوية المجتمع وتحطيم لمكانة كل المرجعيات الموجودة به وابعادها عن دورها التاريخي بما يفقد المجتمع خصوصيته التي ظل يتصف بها عبر الازمان . ان هذا الحال سيؤدي بدوره الى تساقط جميع القيم والاخلاقيات التي يؤمن بها افراد هذا المجتمع بما يجعل الانسان فيه عاريا من دون رداء يحصنه ضد اي غزو فكري وثقافي يأتي من الخارج قادما من الحضارات الاخرى ذات الطبائع والسلوكيات والمفاهيم المختلفة . ليس من الصعب بعد ذلك الادراك بان هذا الوضع سيعني موت هذا الانسان وتحويله الى مجرد حزمة نمطية من الرغبات الاقتصادية والجسمانية التي يمكن التنبؤ بسلوكها , وبالتالي يمكن التحكم بها والسيطرة على صاحبها وتوظيفه داخل المنظومة الجديدة التي يجري خلقها على انقاض المجتمع السابق .   

ان أي رؤية موضوعية لما جرى في عالمنا العربي خلال  المئة سنة الماضية يمكن ان يجعل اي مراقب يستنتج بان المنطقة تمر تقريبا في حالة تغير كبرى كل 50 سنة تقريبا . فبعد معاهدة سايكس بيكو عام 1916 وانتهاء الحرب العالمية الاولى عام 1918 مرت الاقطار العربية في فترات انتداب متباينة المدة , اعقبتها حالات استقلال ظلت فيه الدول العربية مرتبطة بنفس الدول التي استعمرتها . كما كانت اغلب الانظمة التي جرى تشكيلها خلال فترات الانتداب او بعدها هي انظمة مستنسخة عن انظمة الدول المستعمرة نفسها . فلو اطلعنا على الدول العربية التي استعمرتها بريطانيا سنجد بان جميع الانظمة التي خلقت فيها كانت انظمة ملكية او اميرية الحكم فيها محصور بأسر معينة . وعلى الجانب الاخر نرى بان الأنظمة التي وجدت في الدول التي كانت من حصة الاستعمار الفرنسي كانت انظمة جمهورية تشبه الى حد كبير نظام الحكم الفرنسي الجمهوري . بقيت تلك الأنظمة بالحكم فترات مختلفة كانت فيها مرتبطة بمستويات متباينة مع الدولة المستعمرة الاصلية . ولكن بعد مضي فترة نصف قرن تقريبا تساقطت معظم تلك الانظمة بالتتابع كما تتساقط قطع الدومينو , وجرى تنصيب انظمة بديلة محلها . كانت الانظمة الجديدة انظمة قومية في هويتها وثورية في اساليبها يفترض انها انبثقت عن قواعد جماهيرية لكنها لم تسفر بالنتيجة عن غير تكوين انظمة شمولية دكتاتورية تسلطية . وعلى انقاض الحكومات السابقة قامت هذه الانظمة الجديدة بتغيير كل شيء في الدول التي تسلطت عليها واخذت تبني تجارب جديدة تعكس افكارها ومبادئها . وبعد مضي عدة عقود في الحكم كانت الحصيلة كوارث متلاحقة الحقت الويل بتلك البلدان . وبعد ان قاربت الـ 50 سنة الثانية من بعد معاهدة سيكس بيكو على الانتهاء اخذت الانظمة القومية في الدول العربية تتساقط ايضا بالتتابع بشكل او بأخر مع وصول حركات دينية الى الحكم متشددة بدرجات تتفاوت بين دولة واخرى . واستنادا الى ما مر , فان من المنتظر ان تتربع هذه الانظمة على الحكم الى نصف قرن قادم لتخوض تجاربها الخاصة والتي لا توحي الامور بانها ستكون افضل مما مر بل اسوأ منه بكثير .  

ومن يطلع بدقة على ما حدث , خصوصا في السنوات الاخيرة يرى بوضوح ان واحد من اهم الموروثات التي يجري ذبحها والقضاء عليها هو التراث الثقافي العربي , سواء ان كان ماديا او غير مادي . ان هذه الحقيقة لا تحتاج الى ادلة ولا براهين بل يكفي مراقبة ما يجري عن كثب للأدراك بان هذا التراث هو من المستهدفات الرئيسية ضمن الاحداث التي تجري بالمنطقة . ونظرا لتكرر الحالة وتشابه الظروف والاعمال والنتائج في اكثر من مكان على الساحة العربية فان المرء سيرغم على التساؤل مع نفسه قبل ان يفعل ذلك مع الاخرين , هل ان ما يجري من تدمير للتراث الثقافي العربي هو مؤامرة ؟ وهل ما يجري لهذا القطاع هو مؤامرة صغرى ضمن مؤامرة اكبر تهدف الى تحطيم كل المعاني الحضارية لهذه الامة والتي توارثتها منذ ان وجدت على ظهر الارض حتى يومنا هذا . لو عددنا ما جرى تحطيمه فعلا , وما وضع في القائمة لتحطيمه في المستقبل القريب والبعيد سنتأكد بان التراث الثقافي لهذه الامة هو من الاولويات المستهدفة , وان تحطيمه والنيل منه هو فصل في غاية الاهمية موضوع لكي يجري تنفيذه ضمن المخطط المعد للمنطقة , وانه موضوع بعناية ودقة .

قد يقول البعض بان هذه النظرة هي تكرار لمفهوم نظرية المؤامرة الذي يجري تداول مصطلحه على الالسن باستمرار لاظهار اي مفكر وكأنه يمتلك عقلية نابعة من روح مرتابة وغير واقعية . ان خلق هذا الأعتقاد لدى الناس هو نفسه قد يكون جانب من هذه المؤامرة لانه يهدف الى ابعاد الذهن عن ادراك حالة الاستهداف المخطط له ودفعه باتجاه الظن بان كل شيء يحدث هو في الواقع ليس الا وليد الظروف والصدفة وناتج عن تسلسل الوقائع التي تجري بعفوية . لكن هذا بعيد جدا عن الحقيقة , لانه ليس هناك ابدا من شيء متروك للصدف والاقدار , وانما كل شيء يمضي حسب سيناريو معد باحكام لا ينتظر فيه حصول مفاجأت غير متوقعة . ولكي نفهم ما يجري ونعرف تفاصيل ما يحدث ونصل الى جواب للسؤال المطروح بعنوان هذه الدراسة سنمضي بدراسة وتحليل الوقائع التي حصلت في عالمنا العربي بصورة عامة وما جرى ويجري للتراث الثقافي العربي بصورة خاصة خلال العقود الماضية لكي نخرج في نهايتها بنتيجة مرضية لهذا التساؤل .

سيبدأ هذا المبحث بدراسة الحالة العراقية لعدة اسباب , اولها هو ان هذه الحالة يمكن اعتبارها حالة نموذجية مثالية قابلة للتكرار على اكثر من ارض عربية . السبب الثاني هو ان الحالة العراقية تتضمن اكثر من تطبيق لتعدد فصولها حسب الظروف والوقائع التي مرت بها . السبب الثالث هو ان الحالة العراقية كانت الحالة الاصعب من بين كل الحالات التي جرى تطبيقها ضمن فصول ومفردات المخطط السايكس بيكوي الذي يجري تطبيقه في كل مرحلة . السبب الرابع هو ان تحطيم الارث الثقافي العراقي اتخذ اكثر الفصول تجسيدا ونجاحا في تحقيق اهدافه واغراضه , وانه يصلح جدا لان يؤخذ كمثال يمكن استنساخه وتطبيقه في اي مكان اخر ضمن هذه التجربة . وبعد العراق سيتم استعراض حالة البلدان العربية الاخرى المشابهة ورؤية العمليات التي جرت وتجري , خصوصا تلك المتعلقة بموضوع هذه الدراسة . نحب ان نبين للقاريء العزيز بان هذه الدراسة لا تهدف الى تقييم الظروف والاحداث السياسية التي مرت ببلد معين او بالمنطقة , ولا الانحياز الى جهة معينة على حساب اخرى , بل سيتم تناول الوقائع بحيادية تامة وبطريقة استعراضية بقدر ما يسمح به الموقف دون الاخلال بالحقائق الثابتة التي حصلت سواء كانت لصالح هذا الطرف او ذاك , او تقف بالضد من هذه الجهة او تلك .

- يتبع -

الانطلاقة ...

منذ وقت طويل وأنا أفكر بإنشاء موقع خاص بي , فلسنين عديدة تشتت نتاجاتي في العديد من المواقع حتى ضاعت في دهاليزها وتبددت في أروقتها ولم...