الجمعة، 20 يونيو 2014

مالذي ازاح الشعور الوطني عن وجدان المواطن العراقي؟

بقلم - وسام الشالجي
 


ان اي انسان لا يكتسب في حياته من قناعات ومشاعر غير ما يتربى عليه ويسكب في بودقة عقله من افكار . ومن بين هذه الافكار: الوطنية والدين والفكر السياسي والقيم الاخلاقية والاعراف وغيرها . ان من الممكن جدا ان تضيع الوطنية بين دهاليز العقائد الانسانية التي يجدها الانسان سائدة حوله , وقد تغيب تماما نتيجة لهيمنة عقيدة معينة وتسيدها في المجتمع على حساب المعتقدات الاخرى . ان من اولى الملاحظات التي يسجلها اي مراقب لما يجري بالعراق هي ان "الوطنية" قد اصبحت غائبة عن وجدان المواطن العراقي وانه لم يعد يملك اي شعورا وطنيا حقيقيا تجاه بلده كما كان في السابق . ففي عراق اليوم نشهد بشكل واضح غياب المباديء الوطنية الصادقة عن فكر ساسة البلد اولا وعن الجماهير ثانيا وحلول شعارات واهداف بديلة اخرى في الخطاب الموجه لا تمت للوطنية بصلة , في الوقت الذي يجب ان يوضع أمن البلد وسلامة ترابه فوق كل الاولويات . ان التردي في الوضع السياسي حاليا وشيوع مبدأ الانهزامية في اهم مؤسسات الدولة الذي هو الجيش والقوات المسلحة , وتفاقم النزعة الطائفية وتفشي الخيانة في اروقة المؤسسات السياسية الذي يصل الى حد عقد الصفقات والاستعانة بالقوى الخارجية لتمرير او تحريك قضايا معينة , وتفشي الفساد وتغليب المصالح الخاصة على المصالح الوطنية يعود بالدرجة الاساس الى غياب الحس الوطني في نفوس القيادات المتنفذة بالدولة وزوال "الوطنية" عن معظم ابجديات السياسات المطروحة . ترى مالذي غيب هذه "الوطنية" وازاح الشعور الوطني عن وجدان المواطن العراقي ؟ للجواب على هذا السؤال لابد ان نتبحر قليلا في بحر الافكار والمعتقدات التي تتلاطم امواجها في عقلية المواطن العراقي لكي نستطلع اي منها تصب في مصب الوطنية , واي منها تقف سدا مانعا ضدها .
لن نحتاج الى تعب كبير وتقصي واسع ولا الخوض في غمار التحليل والاجتهاد لغرض الوصول الى الجواب , بل يكفي ان نرجع الى التعاريف الاساسية الموجودة في اغلب المراجع اللغوية والعلمية لمصطلحي "العقيدة" و "الوطنية" وسنجد انفسنا قريبين جدا من الجواب . نشأت كلمة "عقيدة" في اللغة العربية من مفهومين ليسا ببعيدين عن بعضهما , اولهما هو مفهوم"العقد" اي الربط والشد والأحكام بقوة فيما بين مجموعة من الافكار والامور والقضايا بما يخلق نظرية متراصة ومتماسكة لا تقبَل الجدال ولا المناقشة . والمفهوم الثاني هو مفهوم "الاعتقاد" والذي يعني الأيمان واليقين الجازم الذي لا يتطرق إليه شك لدى معتقده بفكرة معينة سواء أن كان هذا الاعتقاد حقا أم باطلا . وبامتزاج هذين المفهومين يمكن تعريف "العقيدة" بانها نظرية تتكون من مجموعة من الافكار والامور والقضايا المرتبطة ببعضها والتي يؤمن بها ايمانا يقينيا مجموعة من الناس بشكل لا يتطرق اليه اي نوع من الشك . ويزداد فعل العقيدة على الفرد ويتعمق تأثيرها عليه كلما كانت العقيدة واضحة ومتجذرة عند صاحبها وكلما كان مستوى تصديقه لها وايمانه بها قويا . والعقيدة على انواع تتباين حسب اختلاف الفكرة الاساسية التي تشكل جوهر النظرية التي يؤمن بها الناس , وهي تقسم الى :
1-    العقيدة الدينية : تعرف العقيدة الدينية (او الدين) بانها مجموعة من الأمور التي تشكل أساس الايمان بفكرة روحية تحدد نوع العلاقة بين الانسان والخالق , وما يترتب على كل جانب من طرفي هذه العلاقة تجاه الاخر . وتعد العقيدة الدينية ضرورة من ضروريات الإنسان التي لا غنى له عنها , ذلك أن الإنسان بحسب فطرته يميل إلى الاعتقاد بوجود قوة عليا تفوق امكانياته وتتمتع بطاقة خارقة ولديها القدرة الكاملة للسيطرة عليه وعلى جميع المخلوقات الموجودة من حوله وتسيره بالشكل الذي تريده وحسبما تشاء . ويمكن ان تكون العقيدة الدينية توسعية , اي تسعى لجعل الاخرين ينخرطون فيها سواء بالترغيب (تبشيرية) او بالترهيب والقوة , او قد تكون منغلقة وتكتفي بمن يؤمنون بها او من يدخلون اليها طوعا .
2-  العقيدة السياسية : تعرف العقيدة السياسية (او الفكر السياسي) بانها مجموعة من الافكار المنظمة الموضوعة ضمن نظرية يمكن ان تشكل بمجموعها رؤيا معينة لكيفية خدمة الوطن وتطويره وتحقيق الازدهار له ولشعبه . وتحدد عادة مثل هذه النظرية اهداف معينة ثم ترسم طبيعة السلوك والطريق الذي سيتبعه من يؤمن بها لتحقيقها . والعقيدة السياسية يمكن ان تكون قطرية اي خاصة ببلد واحد فقط , او اقليمية ترتبط بمجموعة من الدول تجمعها خاصية معينة تصبح اساس للعقيدة السياسية , او أممية (عالمية) تمتلك نظرة شمولية تجعل من الممكن تطبيقها في اي دولة من دول العالم .
3- العقيدة القومية : وهي نوع من الاواصر والروابط بين اناس لهم لغة واحدة وتاريخ مشترك وحضارة واحدة وتراث مشترك . ولا يشترط في العقيدة القومية ان تضم افراد ينتمون الى بلد واحد بل يمكن ان تضم اناس من بلدان متعددة , اي بمعنى اخر بان العقيدة القومية يمكن ان تتعدى الحدود القطرية , لكنها لا تتجاوز في كل الاحوال الحدود الاقليمية . كما ان العقيدة القومية لا تشترط ان تكون العقائد الاخرى السائدة بين من يؤمن بها متشابهة لان اركانها تقتصر على الثوابت التي مر ذكرها . واذا تغلبت العقيدة القومية في المجتمع وسادت على حساب العقائد الاخرى فانها يمكن ان تتحول بسهولة الى تعصب عنصري يشعر فيه ابنائها بانهم ارفع واعلى من القوميات الاخرى , لكنها لا تبلغ الا بحالات نادرة درجة الاعتداء على القوميات الاخرى . 
4- العقيدة الاجتماعية : وهي عباره عن سلوكيات وتقاليد واعراف تسود في مجتمع او وسط معين في وقت ما يسير عليها كل او بعض أفراد ذلك المجتمع او الوسط ويمتثلون لها ويتقيدون بها في واقع حياتهم . وترتبط العقيدة الاجتماعية على الاغلب بالجوانب الأخلاقية والسلوكية والتربوية والنفسية للفرد والمجتمع على نحو ما ، بحيث تكون حاضرة في مختلف النشاطات الحياتية وتعاملاتها اليومية . وتظهر قوة العقيدة الاجتماعية ومدى ديمومتها من المستوى الذي تترك فيه آثارها وبصماتها على نفسية الفرد وعلى سلوكه بشكلٍ تلقائي . وخير مثال على العقيدة الاجتماعية هي التقاليد والاعراف العشائرية او العائلية , والتي يمكن ان تتغلب في بعض الاحيان على بقية العقائد السائدة . والعقيدة الاجتماعية لا ترتبط بدولة معينة ولا بزمن ما , فهي يمكن تسود في اي وقت في بلد واحد او في مجموعة بلدان , وبعد مدة تختفي تماما ولا يبقى لها اثر . 
من جانب اخر , تعرف "الوطنية" بانها الشعور بالارتباط بارض معينة تسمى الوطن , والذي يتمثل بالفخر بحمل هويته والتباهي بتاريخه وثقافته وابراز معالمه وانجازاته على الصعيد الانساني . كما تعني الوطنية ايضا الاحساس بالانتماء الكلي للوطن والولاء الكامل له وارتباط المصير الشخصي بمصيره . وتنشأ الوطنية وتنتشر بين الناس بحكم عيشهم في وطن واحد والتصاقهم به ، فتأخذهم غريزة البقاء بالدفاع عنه كنوع من الدفاع عن  النفس . والوطنية هي شعور انساني بحت ولا يمكن ابدا ان تكون صادقة وحقيقية اذا ما تقاطعت مع وطنية الاخرين , اي بكلمة اخرى فان الوطنية لا تدفع ابدا المواطنين الى الاعتداء على اوطان الاخرين . من ناحية اخرى فأن الوطنية يمكن ان تثلم ثلمة قوية قد تفقد بموجبها بعض او كل مقوماتها في النفس وذلك حين يصبح الانسان يحمل جنسية وطن اخر , او حتى بمجرد عيشه لفترة طويلة في بلد اخر . السبب في هذا هو ان واحد من اهم مقومات الوطنية الاساسية سيفقد في مثل هذه الحالة والذي يتمثل بالارتباط بارض الوطن والتفاخر بحمل هويته وارتباط المصير الشخصي بمصيره , وسينشأ بدله او الى جانبه نوع من الولاء والارتباط بالوطن الجديد او الارض التي جرى العيش فيها .
لنأتي الان الى تحليل هذه المعلومات لنرى كيف يمكن ان تؤثر كل عقيدة من العقائد التي جاءت اعلاه على الشعور الوطني لدى الفرد , صعودا او هبوطا . يلاحظ من تعريف العقيدة الدينية بانه لا يوجد اي ارتباط بينها وبين فكرة الوطن لان مفهوم الدين ليس له علاقة مطلقا بمفهوم الوطن , وهو يسعى لأن يجمع اناس من اوطان مختلفة ضمن فكر ديني واحد . ومن الامور التي تستدعي الانتباه هو ان العقيدة الدينية يمكن حتى ان تتقاطع في بعض الاحيان مع مبدأ "الوطنية" , وبالذات اذا كانت الاولى من النوع التوسعي , اي تسعى للانتشار من اجل جعل الاخرين يؤمنون بمعتقداتها . فحين تكون العقيدة الدينية من النوع الذي يؤمن بالانتشار والتوسع بالقوة والترهيب فانها ستدفع اتباعها بالضرورة الى غزو اوطان الاخرين بغرض نشر الدين في بلادهم , وبالتالي ستحولهم الى غزاة معتدين مما يفقدهم واحد من اهم شروط الوطنية الذي هو حب الوطن مع عدم الاعتداء على اوطان الاخرين . كما ان العقيدة الدينية ستتقاطع في مثل هذه الحالة ايضا مع وطنية الشعوب الاخرى من الذين تسعى الى التوسع فيهم لانهم سيتصدون لها حتما بناء على ما ستدفعهم وطنيتهم اليه في الدفاع عن اوطانهم ومعتقداتهم . وحتى لو كانت العقيدة الدينية من النوع التبشيري فانها لا يمكن ان تحافظ في حيثياتها على شعور وطني بحت لدى افرادها لانها ستدفعهم الى ترك الاوطان والانتشار في كل البلدان وبين جميع الاجناس بغرض بث عقيدتهم الدينية , وبالتالي سيكون الوطن عندهم غير مهم مقارنة بدوافع العقيدة الدينية . العقيدة الدينية الوحيدة التي يمكن ان تحافظ على شروط الوطنية ويمكن ان تنمي الشعور الوطني لدى افرادها هي العقيدة الدينية المغلقة التي لا تسعى الى الانتشار بين الاخرين . نخلص للقول بان العقيدة الدينية لا تنمي الشعور الوطني ولا تزرع  المفاهيم الوطنية بنفوس من يؤمن بها لان الوطن في نظرها هو ليس جنسية بل كل الارض التي تمارس فيها هذه العقيدة . لا يعتبر هذا قصور في العقيدة الدينية ولا خلل في الدين لان المفهومين مختلفين كليا عن بعضهما ولا يمكن ان يجمعا في بودقة واحدة .
اما بالنسبة للعقيدة السياسية , فان تعريفها يشير لنا بانها ترتبط بشكل او بأخر بمفهوم الوطنية . ومع ان العقيدة السياسية مرتبطة بالوطنية غير ان العكس ليس صحيحا بالضرورة , اذ يمكن ببساطة ان نرى الكثير من الناس يحملون شعور وطني حقيقي لكنهم غير مؤمنين بعقيدة سياسية معينة . وبالرغم من وطنية مثل هؤلاء لكنهم غالبا ما يكونون غير مؤثرين بقوة في الجهد الوطني العام بسب عدم امتلاكهم لرؤية معينة في كيفية ترجمة وطنيتهم الى واقع ملموس يعطي نتائج مفيدة للوطن . وعادة ما يكون مثل هؤلاء المواطنين هدفا لمحاولات الكسب والاستقطاب من قبل الحركات السياسية الموجودة على الساحة . وتختلف درجة ارتباط العقيدة السياسية بالوطنية , فهي ترتبط ارتباطا كليا بها اذا كانت العقيدة من النوع القطري , لكن الوطنية تبدأ بفقدان عناصر مهمة من اركانها اذا ما اصبحت العقيدة السياسية اقليمية , وقد تفقد معظم اركانها حين تكون العقيدة السياسية من النوع الاممي . نسنتنتج من هذا بان العقيدة السياسية القطرية هي اكثر العقائد ارتباطا بالوطنية , وهي ربما الوحيدة التي تنمي بقوة الشعور الوطني في نفوس الأشخاص الذين يؤمنون بفكرها . 
ولو انتقلنا الى العقيدة القومية , سنجد بان ارتباط هذه العقيدة بالوطنية لا يتجسد بشكل حقيقي وواقعي الا اذا كان افراد القومية المعنية يسكنون بلدا واحدا , كما هو على سبيل المثال حال البريطانيين والايطاليين والسويديين وغيرهم . ان الشعور القومي سيمتزج بمثل هذه الحالة بشكل كامل بالشعور الوطني ويصبح حالة واحدة . اما اذا كان افراد القومية المعنية يسكنون في اكثر من بلد , كما هو الحال بالألمان والاتراك والعرب فان الشعور الوطني سيتناقص لحساب النزعة القومية التي ستكون ممتدة على مساحة اكثر من دولة . لكننا في كل الاحوال لا يسعنا القول بان العقيدة القومية تلغي الشعور الوطني , لكن يمكننا القول بانها اقل تأثيرا في تنمية الشعور الوطني لدى الناس قياسا بالعقيدة السياسية القطرية . اما العقائد الاجتماعية فيمكننا القول بان  تاثيرها على الاحاسيس الوطنية متساوي من الاتجاهين , اي انها لا تزيده ولا تقلل منه بذات الوقت , والسبب الرئيس في هذا هي انها تعني بشؤون تكاد تكون ليست ذات علاقة بفكرة الوطنية . لم نسمع ابدا في حياتنا بان هناك اعراف وتقاليد اجتماعية وقفت بالضد في يوم من الايام امام المشاعر الوطنية . فمع ان الانسان يمكن ان يتبع عرف او سلوكية معينة في حياته لكنه يمكن في نفس الوقت ان يبقى محافظا على شعوره الوطني تجاه بلده لعدم وجود تناقض بين الحالتين . كما ان العشائر دائما ما تهب للدفاع عن الوطن الذي تعيش فيه بمجرد ان يأتي اي نداء لهذا الغرض , أو يدق اي ناقوس ينذر الوطن بالخطر .
بعد هذا الاستعراض نخلص للقول بان اقوى عقيدة انسانية يمكن ان تنمي الشعور الوطني داخل المواطن وتحفزه وتدعم عناصره هي العقيدة السياسية  , بشرط ان تكون عقيدة  قطرية خاصة بالوطن الذي يعيش فيه من يتبعها . اما بقية العقائد فهي اما عديمة التأثير , او ربما تضعفها بسبب تقاطعها معها . من هذه النتيجة المهمة والخطيرة يمكننا ان ندرك لماذا فشلت الاحزاب الدينية في قيادة وادارة العراق لانها وببساطة اضعفت الشعور الوطني لدى المواطن العراقي وخلقت بدلا منه مشاعر دينية ومذهبية مختلفة . ان هذه المشاعر ازاحت فكرة الوطن من عقل المواطن وأحلت محلها فكرة الدين والمذهب . ومن نتائج وحصيلة هذا الامر هي ان الانسان العراقي اصبح لا يهمه كثيرا مصير الوطن طالما ان مقدساته الدينية لم تمس , وطالما ظل بامكانه ممارسة الطقوس الدينية في المكان والشكل الذي يريده . وبدلا من ان يصبح العراق كله خط احمر امام اي غازي او معتدي , اصبحت الأماكن الدينية ومواقع المقدسات المذهبية هي المهمة فقط وهي التي يقتضي الدفاع والذود عنها . لذلك ليس من الغريب ان نجد الانهزامية قد تفشت في روح الجنود وافراد القوات المسلحة لان ما زرع في عقولهم هو ان ما من شيء اهم من حماية المعتقد الديني والمقدسات الدينية . بل ان بعض هؤلاء اصبحوا يشعرون حين يرسلون الى محافظات بعيدة عن سكنهم بانهم في ارض غريبة , وان من الظلم ان يقتلوا دفاعا عن ارض لا تعنيهم بشيء . ان مثل هذا الشعور يمثل خلل خطير في مفاهيم الوطنية التي تعني بمفرداتها بان كل شبر من ارض الوطن يجب ان يكون له نفس المعنى ونفس القيمة لدى المواطن , وان عدم وجود مثل هذا الشعور لدى المقاتل سيؤدي حتما للتفريط بالارض بسهولة . ما من شك بان العقيدة الدينية والمواقع المقدسة لها اهمية قصوى وفائقة في نفس اي انسان , لكنها لا يجب ان تصبح اهم من الوطن لان ضياعه سيؤدي بالنتيجة الى ضياعها بينما بقائه سيحميها ويعزها . من جانب اخر فان تسيد العقيدة الدينية في بلد ما يمكن ببساطة ان يفرق الناس ضمن البلد الواحد لانها ستتقاطع مع عقائد دينية مختلفة لمواطنين اخرين من نفس الوطن , وهذا ما حصل لدينا بالضبط والذي ادى الى تفشي الطائفية المقيتة . ان اي حزب سياسي ديني يستلم السلطة سيكون منحازا بالضرورة الى طائفته دون بقية الطوائف مما سيؤدي الى خلق الاحتقان الطائفي الذي سيصبح قنبلة موقوتة تهدد دائما بالانفجار واشعال الحرب الاهلية . هذا هو ما موجود في العراق فعلا الان , بينما نجد انه خلال ثمانين سنة من عمر الدولة العراقية لم يتهدد العراق ابدا بشبح حرب اهلية او طائفية لسبب بسيط هو ان الاحزاب والحركات السياسية التي حكمت البلد خلال تلك الفترة لم تكن دينية . ان الحل النافع لمشاكل العراق في الوقت الراهن هو لا شيء غير ابعاد الدين عن السياسة وتسليم الحكم الى حركات ديمقراطية ليبرالية تدين بالولاء الكامل الى ارض وتراب العراق وتنظر الى جميع المواطنين بصورة متساوية وترفع شعار (العراق اولا واخرا , ولا شيء سوى العراق) . ليس هذا موقف معادي من الاحزاب الدينية في العراق ولا دعوة مضادة لها لكنها ضرورات الحال الذي وصلنا اليه والذي لا يختلف اثنان بانه صعب وخطير للغاية . بل ان من المؤسف ان تصل تجربة عشر سنوات من حكم الاحزاب الدينية التي ناضلت طويلا الى هذه النتيجة . قد لا يقتنع بهذا الحل قادة هذه الاحزاب ولا حتى الكثير من الناس لكن ليس هناك ابدا من حل أخر . ان العراق بكل ارضه ومدنه مهدد الان من قبل هجمة ظلامية فاشية وغزو خارجي سيحرق الاخضر واليابس ان لم يتصدى له . وان ترك الامور على ما هي عليه وعدم حل المشكلة سيضيع ربما الوطن برمته وتضيع معه كل مكتسباته الحضارية , أو على اقل تقدير سيخيم على البلد شبح التقسيم الذي لو حصل فربما لن تتوفر فرصة لجمعه من جديد حتى اخر الزمان .   

وسام الشالجي
العراق

المقال منشور في جريدة الزمان على:

http://www.azzaman.com/?p=74960

لماذا يكره البعض الحكم الملكي والعائلة المالكة العراقية؟

بقلم
وسام الشالجي

لقد لمست من اطلاعي على مئات المقالات والكتب والدراسات المنشورة عن الفترة الملكية بالعراق بان هناك من يكره الحكم الملكي في العراق والعائلة المالكة العراقية بسبب او بدون سبب . قد يكون لمن يحمل سببا في هذا الكره بعض التبرير , لكن هناك من يكرههم لمجرد الكره , وربما حتى لا يعرف لماذا . ترى ما هو سبب هذا الكره تجاه الحكم الملكي في العراق , ومن هؤلاء الذين يكرهون العائلة المالكة العراقية ؟ لقد فكرت كثيرا بهذا الامر واستعرضت الشرائح الموجودة في البلد في محاولة للأجابة على هذا التساؤل , وسنحاول بما سيلي ان نستعرض هذه الفئات التي تكره النظام الملكي مع التطرق الى اسباب هذا الكره مبرراته .

1- الكارهين بدون سبب : كثيرا ما نجد هذه الفئة من كارهي النظام الملكي يخترعون شتى الاعذار والمسببات لتبرير كرههم له وتفسير حقدهم عليه . اول الاشياء التي يدعيها هؤلاء هو التشكيك بوطنية الرجال الذين حكموا البلد خلال العهد الملكي , سواء من رموز العائلة المالكة او من السياسين الذي تبوأوا المراكز العليا بالدولة . ما من شك بان في الحكم الملكي هفوات واخطاء ومساويء وزلات حاله من حال جميع العهود التي مرت بالعراق , لكن العهد الملكي تعرض للأساءة والتشويه مالم يتعرض له اي نظام اخر مر بالعراق . والشيء الثاني الذي يتمسك به هؤلاء هو الادعاء المستمر بعمالة العائلة المالكة للمحتل والمستعمر البريطاني , وكأن العراق لم يكن محتلا لمئات السنين من تاريخه , او لم يمر عليه من قبل نظام غارق لاذنية بالعمالة والتبعية للمحتل . وقد رأينا في اكثر من فرة سابقة كيف ان ملةك العراق حاولوا كثيرا التخلص من التبعية للاجنبي  لكن محاولاتهم باءت اكثرها بالفشل , وحتى كلفتهم حياتهم . الشيء الثالث هو الادعاء بان العائلة المالكة ليست عراقية وهي دخبلة على هذا المجتمع , متناسين باننا لو استعرضنا التاريخ العراقي خلال الالف واربعمائة سنة الماضية لوجدنا عشرات الحكام الذين حكموا هذا البلد من غير ان ينتموا اليه . وقد بينا في فقرة اخرى بان اول ملوك العراق (فيصل الاول) تجنس بالجنسية العراقية حين تم منحها عام 1927 مثل كل العراقيين الاخرين لانطباق شروط التجنس عليه . من جهة اخرى فاننا نرى من وقت لاخر مقالات ودراسات تشكك حتى بنسب اسرة الشريف علي بن الحسين , بل وتدعي بانها اسرة منحدرة من اصول يهودية , الامر الذي اعتاد على تلفيقه كل حاقد على الاصول الشريفة والنسب العريق . ان هذا الادعاء تافه وحتى سخيف وبعيد جدا عن الواقع . وهل يمكن لنا بان نصدق بأناس يتكلمون اللغات الاعجمية ويأتون من شتى بقاع الارض وهم يدعون بانهم سادة وينتسبون للرسول الاكرم (ص) , ولا نصدق عائلة شريفة تسكن مكة المكرمة وتتكلم العربية الاصيلة حين تدعي بانها تنتسب الى العترة النبوية الشريفة . 

2- الشيوعيون : مع احترامنا الشديد للحزب الشيوعي العراقي ورجاله ورموزه , الا اننا مضطرين لاستعراض بعض تاريخ هذا الحزب في العراق دون التعرض لاحد . لا يختلف اثنان في ان الحزب الشيوعي العراقي كان يلتزم بالتبعية للأتحاد السوفيتي والمعسكر الاشتراكي خلال الحقب الاولى من تاريخه  . يتذكر الكثير من الناس الذين عاصروا الفترة التي تنفذ بها هذا الحزب في الدولة العراقية عام 1959 , وكيف كانت تخرج المظاهرات التي تنادي بشعار (اتحاد فدرالي ويا الصين الشعبية) , فما علاقة العراق بالصين الشعبية , ولماذا الاتحاد معها ؟ اليس هذا نوع من التبعية التي كان يعاب بها الحكم الملكي نفسه . كان الشيوعيون يكرهون الحكم الملكي والعائلة المالكة العراقية لاقصى درجة , ويعود السبب الرئيسي في ذلك الى موقف ذلك النظام منهم ومن قادتهم . كان الحكم الملكي يدرك تبعية الحزب الشيوعي العراقي للدول الشيوعية ورغبة المعسكر الاشتراكي بالتمدد الى الجنوب للوصول الى المياه الدافئة . كما كان النظام الملكي يدرك شراسة الشيوعيين فيما لو وصلوا للحكم , ولنا فيما جرى في روسيا في عقد الثلاثينات والدول الاوربية الشرقية بعد الحرب العالمية الثانية , وما جرى في العراق لاحقا خير امثلة . لذلك كان موقف النظام الملكي صارما منهم ومن قادتهم . ان اكبر سبب لكره الشيوعيين للنظام الملكي هو بسبب اعدام يوسف سلمان يوسف (او كما يعرف باسمه الحركي فهد) , وهو مؤسس الحزب الشيوعي العراقي اضافة الى بعض رفاقه من قادة الحزب (حازم وصارم) في يوم 14 شباط 1949 . لذلك ليس من الغريب ان نرى شدة كره الشيوعيين للنظام الملكي وشراسة الانتقام الذي قام به الشيوعيين من رجال الحكم الملكي بعد ثورة 14 تموز ودفعهم باتجاه اصدار احكام الاعدام بحق كوكبة من كبار المسؤولين في النظام الملكي , على رأسهم المرحوم سعيد قزاز . 

3- الفارين من جور الاقطاع : ان جميع العوائل ذات الاصول الفلاحية والتي هربت من جور الاقطاع ونزحت الى اطراف المدن الكبيرة , وكذلك هؤلاء الذين نزحوا بعد 14 تموز 1958 يكرهون الحكم الملكي على اساس ان هذا الحكم كان يؤيد الاقطاعيين ويمدهم بوسائل البقاء ويدعم اساليبهم الرامية الى زيادة الانتاج على حساب مصالح الفئات الفقيرة من الفلاحين . يضاف الى هذا ان قادة العهد الجمهوري الاول تقربوا الى هذه الشرائح ووزعوا عليهم الاراضي بدون مقابل مما حولهم الى مؤيدين لذلك الحكم ومن المحبين لقادته . كما ان قادة العهد الجمهوري الاول نظموا حملات كبيرة في تشويه سمعة العهد الملكي والطعن بنزاهة ووطنية واخلاص قادته ضمن عملية منظمة لغسل الادمغة والتي أتت اكلها وحققت ما يراد من ورائها في زرع الكره في نفوس البسطاء ضد العهد الملكي . وحتى بعد ان زال الحكم الملكي فان هؤلاء اورثوا كرههم له الى ابنائهم واحفادهم . وفي ايامنا هذه , وبعد ما يقارب الستون عاما على اسقاط الحكم الملكي لا زالت هذه الفئة من اكثر الشرائح العراقية كرها للنظام الملكي . والغريب في الامر ان هؤلاء تصالحوا مع الاقطاعيين انفسهم بسبب ما تربطهم بهم من شتى انواع الاواصر والعائلية والعشائرية , بينما ظل كرههم للعهد الملكي ثابتا .

4- كارهون متفرقون : يكره بعض العراقيين ذوي الميول القومية العهد الملكي لقيامه باعدان الضباط الذين قاموا بحركة 1941 . ان تلك الحركة لم تكن وطنية في نظري ابدا . صحيح ان ظاهرها كان التخلص من السيطرة البريطانية , لكن ما قام به قادة الحركة من انحياز كامل نحو الالمان يدلل على انهم كانوا على استعداد لتسليم العراق لألمانيا بدلا من بريطانيا . كل هذا يشير على ان هؤلاء لم يكونوا غير اشخاص طموحين لاستلام السلطة , والسلطة فقط مقابل اي ثمن حتى وان كان استبدال استعمار باستعمار اخر . كما يكره بعض الاكراد الحكم الملكي لانه استطاع لاكثر من مرة في قمع ثوراتهم الانفصالية واخمادها , وفي اخر واحدة منها قام بنفى زعيمهم مصطفى البرازاني الى روسيا . وهناك ايضا من يكره الحكم الملكي لمجرد انه حكم ملكي . والسبب في هذا ان هناك طبقات سياسية لا تميل الى نوعية الحكم الملكي وتفضل بدلا عنه الحكم الجمهوري . 

   وبعد استعراضنا للشرائح الواردة اعلاه ممن كانوا يكرهون الحكم الملكي بالعراق يجدر بالقول بان هؤلاء لم يكونوا يشكلون اكثر من 10% من مجموع الشعب العراقي الذي بلغ تعداده في احصاء عام 1975 حوالي سبعة ملايين نسمة . اما الباقين , وهم النسبة العظمى من الشعب العراقيين فكانوا من محبي العهد الملكي , وان قسم كبير منهم تألم كثيرا عند اسقاطه وحزنوا اشد الحزن على المصير الذي ألت اليه الاسرة المالكة في العراق , وخصوصا مقتل صاحب الجلالة الملك فيصل الثاني .  



الأحد، 8 يونيو 2014

الى مليكنا المعظم فيصل الثاني

أيه مما وقع بك يا فيصل الثاني
أيه من شعب ظننته عليك حاني
وأيه من وطن اردت انت تكون له باني
لكنه لم يكن فيك غير قاتل وجاني

******
 
سرقوا منك بخبث طفولتك
وخطفوا منك بدناءة شبابك
وحطموا بنيران حقدهم احلامك
وبدلا من ان يرقصوا فرحا بزفافك
اخذوا يرقصون حول جثمانك

******

كم هي وديعة كانت طفولتك
وكم هي حالمة كانت فتوتك
وكم كبيرة كانت كل امنياتك
وكم ظالما كان فيك شعبك

******

اردت لهم حياة ورفعة
وارادوا لك زوال وموتة 
اردت لهم شموخ وعزة
وارادوا لك خزي وذلة

******

لم يكفيهم ابدا قتلك
بل ازالوا كل اعتبار لاسمك
وشطبوا كل طيبة تقترن بذكرك 
فغضب عليهم رب العزة ربك

******

فعذرا يا مليكنا المعظم عما اصابك
وكن سمحا وعفوا بنا وادعوا لنا الهك
بان يخفف فينا انتقامه لك ولاهلك
فبعد اليوم سنعيد لك كل اعتبارك
وسنقرن باسمك الجميل كل القابك
وستكون باذن الله اول شهيد لبلادك











وسام الشالجي
8-6-2014

الانطلاقة ...

منذ وقت طويل وأنا أفكر بإنشاء موقع خاص بي , فلسنين عديدة تشتت نتاجاتي في العديد من المواقع حتى ضاعت في دهاليزها وتبددت في أروقتها ولم...