منذ بدأ فرض الحصار الاقتصادي على العراق عام 1990 انتشرت حالة بالعراق فرضتها الظروف الاقتصادية السيئة ألا وهي تفشي ظاهرة الرشوة والابتزاز. ظن الناس بالبداية بأن هذه الحالة هي أمر طارئ فرضته الظروف الاقتصادية والتضخم وتدني قيمة العملة النقدية، وأنها ستزول حتما بمجرد انتهاء الحصار وعودة الأمور إلى طبيعتها. هذا ما اعتقده الناس بتلك الفترة, لكن الأمور على حقيقتها كانت مختلفة تماما بدليل بقاء الحال على ما هو عليه، بل حتى تفاقمه وتزايده وتطوره بعد العام 2003، ورفع الحصار الاقتصادي، وارتفاع قيمة العملة والتحسن الكبير الذي وقع بسلم الرواتب. ما حدث عام 1991 بحقيقة الأمر هو أن الدولة صارت تغض النظر بعض الشيء عن حالات الرشوة، خصوصا تلك المتعلقة بممارسات الموظفين اليومية مع المراجعين؛ لأنها كانت تعرف وتدرك مدى التدني الخطير الذي وقع بقيمة الرواتب التي تدفعها لهم، ومردوداتها المادية، وبالتالي، صارت لا تحاسب الموظف على ما يأخذه من المراجعين من رشاوٍ وإتاوات لقاء تمشية معاملاتهم. نعم، ما من شك بأن الأوضاع الاقتصادية بالتسعينيات كانت تبرر مثل هذه الممارسات، لكن من المستحيل تبرير استمرار هذه الظاهرة، وحتى تزايدها بالسنوات التي تلت سقوط النظام السابق وزوال مسبباتها الاقتصادية.
كانت هذه الممارسات الفاسدة بالتسعينيات لا تتجاوز قيام الموظفين العموميين بأخذ العطايا والرشاوي من المواطنين أصحاب المعاملات الحكومية لقاء تمشية معاملاتهم، لكن بعد العام 2003 تطورت وازدهرت الأحوال، وتحول الفساد من مجرد أخذ رشوة إلى مد اليد للمال العام بعمليات اختلاس أخذت تتطور وتكبر هي الأخرى حتى وصلت ببعض مراحلها إلى أرقام فلكية يصعب تصورها. كانت الدولة بالعهود التي سبقت العام 2003 لا تتساهل مطلقا مع أي حالة من حالات سرقة المال العام، فقد كانت تحلق رأس المسؤول وتعرضه بالتلفاز حتى لو كان المبلغ المسروق لا يتجاوز العشرة دنانير، علاوة على اعتبار هذا النوع من الجرائم من الجرائم المخلة بالشرف. لم يتوقف الأمر عند هذا الحال بل امتد إلى غير الموظفين حيث صار بعض المنتفعين يتقدمون إلى مناقصات المشاريع الحكومية، ويتوسطون للفوز بها، وحين ترسو عليهم يبدءون ولو ظاهريا ببعض الأعمال التي تصور شروعهم بالتنفيذ مما يسهل عليهم الحصول على سلف حكومية لإكمال العمل، لينتهي الأمر بفرار المقاول أو المتعهد لخارج العراق حاملا معه كل ما حصل عليه من أموال تاركا المشروع يترنح في مكانه، وهناك مئات إن لم يكن الآلاف من مثل هذه الحالات.
ولكي نحصر الموضوع بزاوية ضيقة سنعتبر كلمة "الفساد" في المجتمع العراقي بالوقت الراهن مرهونة بحالة امتداد اليد إلى المال العام، أما كل حالات الكسب غير المشروع الأخرى مهما اختلفت، فسننظر إليها كجرائم وتجاوزات عادية يوجد لها قوانين وتشريعات تعالجها وتقتص ممن يمارسها. الكثير من الكتاب والخبراء حاولوا تحليل ظاهرة الفساد لاكتشاف أسبابها ومعرفة دوافعها، فخلص البعض إلى أنها ليست غير وباء مستشرٍ ينتقل من فرد لآخر كما ينتقل المرض بالعدوى، بينما يعتقد البعض الآخر بأنه مرض معدي بدأ ضيقا لكنه تفشى وتحول مع الوقت إلى وباء قاتل يفتك بالمجتمع بلا هوادة. أما كاتب هذه السطور، فهو يرى بأن الفساد بالعراق هو داء متأصل يرجع إلى وجود أمراض اجتماعية خطيرة متفشية بالمجتمع العراقي ترجع منابعها إلى قلب الكيان الأسري. يبقى هذه الداء مزروع ومكبوت بالنفس، وما أن يجد منفذ لكي ينطلق من القمقم الذي يحبسه حتى ينطلق إلى العلن، ويكشر عن أنيابه، بالضبط كما جرى حين تساهلت الدولة عن حالات الرشوة البسيطة، وغضت النظر عن مرتكبيها. يبدأ هذا الداء بالتكون حين يغض الأب أو الأم الطرف عن أي تجاوز يقوم به الطفل في المراحل المبكرة من حياته حين يجدون بحوزته أشياء لا تعود إلى البيت، ويعتبرون عمله بالحصول عليها من أنواع الشطارة، فهنا يكونون قد وضعوا الحجر الأساس لأي تجاوز يقوم به هذا الطفل بالمستقبل. وهناك حالات يطلب فيها بعض الآباء من أبنائهم الخروج من البيت، وألا يعودوا إليه إلا ومعهم بعض الأموال أو الأشياء التي يمكن بيعها، فما المتوقع أن تصبح عليه الأحوال حين يكبر هؤلاء غير أن يصبحوا حرامية وسراقا. أما الكيان الأسري فبالتأكيد سيصبح بمثل هذه الحالات كله مريضا، ولن يتوقف الأمر عند الأبناء الذي وقع عليهم الضرر بصورة مباشرة، بل حتى الأبناء الذين نجوا من مثل هذه الضغوط لن يكونوا بمأمن من الداء الذي زرع بنفوس أمثالهم ممن يعيشون معهم وحواليهم، وحين يكبر هؤلاء، وينخرطون بوظيفة أو مصلحة لن يكونوا أمينين عليها حتما، وسيصبحون فاسدين بالضرورة.
الفساد بتعريفه الذي حددناه لا يقتصر على المسؤولين الكبار فقط بل هو ممتد حتى الى أصغر موظف بالدولة, حتى وإن كان قد تعين للتو بوظيفة حكومية. والفساد لا يقتصر على سرقة المال العام فقط، بل أن أي نوع من الاستحواذ على الممتلكات الحكومية مهما كانت بسيطة حتى ولو كانت قلم كتابة هو نوع من انواع الفساد. لو تم إلقاء نظرة عميقة إلى موجودات أي مؤسسة حكومية او مصنع بعد إنتهاء الشركة المتعاقدة من بنائها أو إنشائها، ثم جرى إلقاء نفس النظرة عليها بعد سنة أو أكثر وعملنا مقارنة بين الصورتين لتملكنا العجب وحتى الفزع من الفروقات التي حصلت بتلك الموجودات, لأن ما لا يقل عن نصفها أو أكثر سيكون قد سرق وإختفى. تحدث احد مدراء المستشفيات الحكومية الجديدة للكاتب وقال له بأنه باليوم الأول الذي تسلم به إدارة المستشفى من الشركة المنفذة ألقى نظرة من شباك غرفته على كادر المستشفى وهم يغادرونها بعد نهاية الدوام الرسمي فوجد بأن قاطبتهم يحملون بأيديهم أكياس سوداء لا يعرف ابدا ماذا بداخلها. إن هذا المثل هو تجسيد حي للفساد المزروع بالنفس العراقية, حتى يمكن أن يقال بأن كل عراقي يحمل بين اضلاعه مشروع فساد قابل للظهور بيوم من الأيام.
وسام الشالجي
31-5-2026
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق