الجمعة، 29 مايو 2026

دعوات علي الزيدي بالخصخصة طريق واعد لابد من المضي به

 نادى مؤخرا رئيس الوزراء العراقي الجديد علي الزيدي بضرورة خصخصة قطاعات واسعة في العراق مثل الكهرباء والماء والتعليم، وغيرها. وما إن انطلقت هذه الدعوى حتى ارتفعت أصوات معارضة شديدة تجاه هذه النيات بذريعة عدم تمكن شرائح كبيرة من أفراد الشعب العراقي على دفع تكاليف مثل هذه الخدمات فيما لو أصبحت بإدارة القطاع الخاص. عرفت بعض التوجهات الاشتراكية بالعراق منذ وقت طويل يعود إلى عهد تأسيس الدولة العراقية الحديثة عام 1921، فعلى مدى عمر هذه الدولة كان التعليم مجانيا، والرعاية الصحية مجانية، وحتى أسعار بعض الخدمات مثل الكهرباء والماء كانت أقرب لأن تكون رمزية فيما لو قورنت بمثيلاتها بالدول الأخرى. شكلت كلفة هذه الخدمات ثقلا كبيرا على ميزانية الدولة، ولولا وجود العائدات النفطية لأفلست الدولة منذ وقت بعيد؛ لأن كل مصادر الدخل القومي الأخرى كانت قليلة تكاد لا تسد نفقات تشغيل دولة مثل العراق. ونتيجة للسير بهذا الخط الاقتصادي اعتاد أفراد الشعب العراقي على هذه الفوائد والتسهيلات، واعتبرها حقا من حقوقه التي يجب ألا يتنازل عنها في أي حال من الأحوال. واستمرارا بهذا النهج ظلت كلف هذه الخدمات العامة تأكل نسبا كبيرة من العائدات النفطية مما عطل في مراحل كثيرة عجلة التنمية والتطور، وبقي العراق دولة متأخرة، خصوصا إذا ما قورن بدول أخرى مجاورة قطعت أشواطا بعيدة في سلم التقدم والازدهار.

 

أثبتت الاشتراكية على مدى تاريخها بالعالم بأنها نظام اقتصادي فاشل، فعلى الرغم من أنها تضمن لقمة العيش والرعاية الصحية بحدها الأدنى لشرائح الشعب كافة، إلا أنها بنفس الوقت أداة فاعلة مسببة للتأخر والتراجع على المستوى الحضاري والإنساني والترفيهي لسبب بسيط هو أنها تحارب الملكية الخاصة مما يقتل عند الفرد الرغبة بالتطور والتميز. أعظم تعريف عملي للاشتراكية هي أنها النظام الاقتصادي الذي يوزع الفقر بعدالة على الجميع. وبالعراق كانت أغلب النظم الجمهورية التي حكمت الدولة بعد عام 1958 هي أنظمة اشتراكية، وقد تبنت هذا الخط؛ لأنها عرفت مبكرا بأن المال هو قوة هائلة لا يستهان بها يمكن أن يفعل أي شيء، وخوفا من أن تستخدم هذه القوة ضدها صارت لا تريد أن تتكون داخل الدولة قوى مالية يمكن أن تهدد مضاجعها. ومع أن العهد الجمهوري الأول بقيادة الزعيم عبد الكريم قاسم كان نظاما يساري التوجه، إلا أنه لم يطبق حقيقة أي مفردة اشتراكية بشكل مباشر على مدى سنوات ذلك النظام. عرف العراق الاشتراكية لأول مرة بوجهها الكالح عام 1964 حين أمم عبد السلام عارف مقتديا بمصر جميع شركات ومؤسسات القطاع الخاص. كانت تلك الشركات والمؤسسات كيانات ناجحة ومزدهرة تعزز الاقتصاد العراقي بشتى المجالات من بينها تصدير منتجاتها إلى الخارج مما كان يحقق مصادر دخل إضافية للعراق، إضافة إلى تشغيل شرائح واسعة من أفراد الشعب. وبعد تأميم تلك الشركات والمؤسسات وتحويلها إلى القطاع العام أصبحت شركات فاشلة وخاسرة، فأخذت الدولة تدعمها وتبقيها واقفة على أرجلها من عائدات النفط العراقي التي حققت قفزات مالية كبرى في أواسط السبعينيات، وما بعدها. ظل هذا الحال على ما هو عليه حتى عام 2003, فمع أن الدعوات قد انطلقت بعده لتصحيح المسار الاقتصادي وترك الاشتراكية إلا أن هذا لم يتحقق بسبب الرفض الجماهيري الواسع لأي محاولة جادة لتطبيقه, وظل الاقتصاد العراقي شبه مشلول بسبب تكبيله بالتزامات مالية ضخمة.

 

واليوم يطل علينا رئيس الوزراء الجديد، العقلية الاقتصادية المجربة والواعدة بإحياء الفكرة من جديد وينادي بإلغاء الغطاء العام، وخصخصة كل النشاطات الاقتصادية بالدولة. ألا يكفينا بأن قطاع الكهرباء مشلول منذ حوالي ربع قرن؟ ألا يكفينا أن المواطن لا يصل لبيته ماء نظيف وصالح للشرب والإستعمال؟ ألا يكفينا بأن أولادنا يذهبون لمدارس لا رحلات فيها ولا صفوف تحمي من برد أو حر؟ وبالمقابل، يبتز جيوبنا أصحاب المولدات الكهربائية الأهلية، ونشتري ما نشربه من ماء بدوارق وقناني بلاستيكية، ونسجل أولادنا بالمدارس الأهلية التي تضمن الرعاية والتربية الصحيحة، ونرسل أبناءنا وبناتنا الكبار ليدرسوا بالجامعات والكليات الأهلية. لماذا نفعل كل هذا ولا نشتكي؟ بينما نحتج وننفعل إذا ما قالت الدولة بأن هذا ما يجب أن يصبح عليه الحال. لماذا ندفع الأموال بإختيارنا وبطيب خاطر لأصحاب هذه النشاطات، بينما نغضب بشدة إذا ما صار هذا هو الحال الرسمي بالدولة؟ لا تقفوا بوجه دعوات رئيس الوزراء، بل ساندوه، وادعموه لكي يبني تجربته في خلق عراق جديد ويسير بمسار نجحت كل الدول التي اختطته طريقا لها. من المؤكد بانه لو تحققت الخصخصة فعلا كما يريد لها هذا الرجل أن تكون عليه فمن المتوقع بأنه خلال عشر سنوات قادمة سيقفز العراق خطا واسعة بعجلة التطور والتقدم والازدهار، وكل آت قريب، وإن غدا لناظره قريبا.

 

 

وسام الشالجي

29-5-2026

ليست هناك تعليقات: