الثلاثاء، 26 مايو 2026

غلطة محمد شياع السوداني في خذلان الناخبين, هل يستفيد منها علي الزيدي؟

 حقق محمد شياع السوداني خلال فترة ولايته كرئيس وزراء للعراق شعبية كبيرة انعكست بشكل إيجابي على الكتلة التي شكلها لخوض الانتخابات، وهي كتلة الإعمار والتنمية. وتعود هذه الشعبية إلى نجاح حملات الإعمار التي شهدها العراق خلال ولاية السوداني، وكذلك استطاعته إلى حد ما في الوقوف بالضد من المتلاعبين بالمال العام. ومع أن السوداني لم يستطع حل مشكلة السلاح المنفلت، ولم يتمكن من حصر السلاح بيد الدولة إلا أن غالبية المواطنين يعرفون بدقة مدى حساسية هذه الملفات وخطورتها لذلك، فهي لم تترك آثارا سلبية كبيرة على شعبيته. خاض السوداني الانتخابات العامة التي جرت بالعراق في شهر تشرين الأول عام 2025 على رأس قائمة ائتلاف الإعمار والتنمية، وليس عبر حزب الدعوة الذي ينتمي إليه مباشرة، أو كتلة المالكي التي كان ينتمي إليها بالسابق، واستطاع أن يحقق فوزا كاسحا نتيجة لشعبيته متغلبا على كل القوائم المنافسة. وقد حصل السوداني على حوالي 46 مقعدا من أصل 329 مقعدا في مجلس النواب، متقدما على تحالفات وقوائم كثيرة مثل قائمة تقدم التي يرأسها الحلبوسي وغيرها. جعلت هذه النتيجة كتلة السوداني الكتلة الشيعية الأكبر من حيث عدد المقاعد بالبرلمان، ومنحته موقعا قويا في مفاوضات تشكيل الحكومة مرجحة استمراره برئاسة الوزراء لدورة ثانية، لكنها لم تمنحه الأغلبية التي تمكنه وحده من ذلك، فقد ظل يحتاج إلى تحالفات مع قوى شيعية وسنية وكردية أخرى تدعمه لتشكيل الحكومة الجديدة.

 

وبعد الإعلان عن فوز الإطار التنسيقي بأكبر عدد من المقاعد بالبرلمان، وصار من واجبه تشكيل الحكومة الجديدة بدأت المفاوضات بين الكتل السياسية المنضوية تحت ظل هذا التشكيل لاختيار الشخصية التي ستتولى تشكيل الوزارة من أجل الإعلان الرسمي عنها كشخصية مرشحة عن الإطار لهذا الغرض. كانت كل الأنظار متجهة نحو محمد شياع السوداني لكونها الشخصية الأكثر ترجيحا من غيره لتشكيل الحكومة؛ لأن كتلته هي الفائزة بأكبر عدد من الأصوات بين الكتل الشيعية أولا، ولأنه صار يملك أكبر عدد من المقاعد في البرلمان ثانيا، خصوصا وأن أول كتلة تليه بعدد المقاعد بالبرلمان هي كتلة ائتلاف دولة القانون بزعامة نوري المالكي التي حصلت على 29 مقعدا فقط. وفي مرحلة مبكرة من المفاوضات والمداولات التي جرت لاختيار الشخصية المرشحة لاحتلال منصب رئيس الوزراء، فأجيء السوداني كل ناخبيه وجميع مؤيديه بأنه قرر التنازل عن استحقاقه الانتخابي لمصلحة نوري المالكي، وإنه سيؤيد بقوة اختياره رئيس للوزراء لفترة جديدة ستكون الدورة الثالثة له بهذا المنصب. كان هذا الإعلان من قبل السوداني غريبا بشدة، وصعب الفهم، لأن الأسباب وراء هذا الإعلان تبقى غير مبررة أبدا. فلو كان السوداني يعتقد بأنه جزء من الكتلة التي يتزعمها المالكي، فلماذا من الأساس كون كتلة مستقلة له، وخاض الانتخابات تحت ظلها؟ وإذا كان السوداني قد تعرض لضغوط معينة، أو حتى إجبار، فلماذا لم يكتف بالانسحاب من المنافسة فقط، ويترك الساحة للمتنافسين حتى يفوز أحدهم بالمنصب بدل إعلانه عن التنازل عن حقه لصالح المالكي والوقوف خلفه بقوة وتأييد ترشيحه لمنصب رئيس الوزراء؟ ثم كيف يمكن للسوداني أن يبرر وقوفه خلف شخصية شهد ماضيها بهذا المنصب عن وقوع أخطاء جسيمة وإخفاقات كبرى جعلت كتلته لا تحقق نتائج كبيرة وحاسمة بالانتخابات؟ يبقى هذا الموقف الغريب صعب الفهم، ولا يمكن تبريره أبدا.

 

لا يمكن وصف ما فعله محمد شياع السوداني في التنازل عن استحقاقه الانتخابي بغير أنها عملية "خذلان" كبرى لناخبيه، وأنها كانت أيضا عملية خداع سياسي يبدو أن الغرض منها كسب الأصوات لتوجيهها لاحقا لمصلحة شخصية فقدت شعبيتها منذ وقت طويل وهي شخصية نوري المالكي. وبالإضافة لما تقدم، يمكن القول ايضا بأن السوداني انتحر سياسيا بهذا الفعل، فمن سينتخبه أو ينتخب كتلته مرة أخرى إذا ما خاض الانتخابات مرة ثانية بعد خذلانه لناخبيه. لذلك وجدنا بأن كل النواب الذين انضووا تحت جناح كتلته (كتلة الإعمار والتنمية) سارعوا بالانسحاب منها بعد أن شعروا بأن مستقبل هذه الكتلة ميت بكل الأحوال، وأن البقاء فيها سيقضي على مستقبلهم السياسي. كان يمكن للسوداني أن يضمن حتى دورة ثالثة بمنصب رئيس الوزراء لو تصرف بحكمة، وأظهر شيئا من الشجاعة والصرامة في الإصرار على نيل استحقاقه الانتخابي كما يجب أن يكون. وحتى الدول الأخرى ذات التأثير القوي بالمشهد السياسي العراق مثل الولايات المتحدة وإيران ما كان لها أن تستطيع أن تغير النتائج على الأرض بعد الفوز الساحق الذي حققه. لكن بعد الإعلان عن تنازله عن منصب رئيس الوزراء ووقوفه وراء نوري المالكي لاحتلال هذا المنصب سارعت الولايات المتحدة إلى الإعلان عن رفضها لهذا الترشيح والتهديد بفرض عقوبات سياسية واقتصادية إذا ما وصل المالكي مرة أخرى لهذا المنصب. فماذا كانت النتيجة بعد كل هذا العبث والأخطاء، لا المالكي صار رئيسا للوزراء كما أراد السوداني، ولا هو حظي بالمنصب حسب استحقاقه, لينطبق عليه المثل العراقي القائل: (لا حظت برجيلها، ولا خذت سيد علي).

 

والآن، وبعد نيل علي الزيدي لمنصب رئيس الوزراء، وهو شخصية واعدة لها باع طويل بعالم الاقتصاد الذي هو عصب السياسة بعالم اليوم ليس بوسعنا غير أن ننصحه بعدم الوقوع بخطأ محمد شياع السوداني القاتل. نعم، من المتوقع أن يواجه الزيدي حتما الكثير من الحواجز والمصدات التي سينصبها له زملاءه بالإطار التنسيقي قبل غيرهم لما عرف عنهم من حقد وحسد لكل ناجح يتولى المسؤولية، ويحقق المنجزات للبلد منذ تجربة حيدر العبادي حتى محمد شياع السوداني. كما ننصح الزيدي بأن يكون لنفسه كتلة برلمانية تقف خلفه لأن البقاء منفرد بمكان تتوالى عليه العواصف، ومحيط يعج بالمنافسين المفترسين فيه خطورة كبيرة عليه وعلى مستقبله السياسي، والأيام القادمة سترينا الكثير، وإن غدا لناظره قريبا.

 

 

وسام الشالجي

26-5-2026

ليست هناك تعليقات: