الاثنين، 25 مايو 2026

القاسمية لماذا وجدت بالعراق؟ والصدامية لماذا لم توجد؟

 ظهرت بمنطقة الشرق الأوسط في النصف الثاني من القرن العشرين تيارات سياسية تنتسب في تسمياتها إلى قادة وحكام ظهروا بتلك المنطقة, مثل: الناصرية بالوطن العربي، والخمينية في إيران، وغيرها. ويمكن تعريف هذه التيارات بأنها تنظيمات سياسية أو فكرية تحمل اسم زعيم أو قائد أو مفكر لعب وجوده وطبيعة توجهاته السياسية وأعماله دورا محوريا في تأسيس هذه التنظيمات وإلهامها، فاختزلت تسمياتها وأفكارها باسمه. ويمكن أن تولد هذه التنظيمات بحياة الزعيم، أو بعد رحيله حسب قوة تأثيره وسعة جماهيريته, وهي تتصف بعدد من الصفات أهمها ماهية الخطاب السياسي أو الفكري الذي نادى بها الزعيم, خطبه أو كتبه أو قراراته وأعماله, وغيرها من الصفات. وغالبا ما يجمع فكر هذه التنظيمات بين مشروع أيديولوجي يهدف إلى مواصلة أعمال الزعيم وتطبيق نظرياته، وبين رمزية هذا الزعيم بوصفه قائدا جماهيريا ثار أو نادى بالتحرر لفئة معينة من الناس أو لشريحة اجتماعية ما، أو إلى نشر الفكر العقائدي السياسي أو الديني الذي حمله. فعلى سبيل المثال تبنت "الناصرية" (نسبة إلى الرئيس جمال عبد الناصر) في مصر مبادئ التحرر من الاستعمار، ومناهضة النفوذ الغربي وإسرائيل، والنهوض بالقومية العربية، والعمل على وحدة الأقطار العربية، وأخيرا، تطبيق الاشتراكية بالمجال الاقتصادي. وكمثال آخر, تبنت الحركة الخمينية (نسبة إلى الإمام روح الله الخميني) في إيران مبدأ ولاية الفقيه، ومعاداة "الاستكبار العالمي" ممثلا بالولايات المتحدة ودول أوربا الغربية، والمزج بين الهوية الدينية والهوية الثورية، وأخيرا، تصدير الثورة إلى خارج إيران من خلال خلق حركات شيعية بالخارج كما حصل في لبنان والعراق واليمن. توسعت بعض هذه الحركات وانتشرت إلى خارج بلدانها, وصارت أفكارها وطروحاتها أكثر رسوخا وعمقا مما جعلها تكبر وتصبح حركات لا يستهان بها وبعدد المنضويين تحت لوائها. وبكل الأحوال, تحمل مثل هذه الحركات السياسية ميزة خطيرة تكمن فيها بؤرة زوالها بآخر المطاف وهي ارتباطها العاطفي باسم الزعيم كقائد أو ثائر أو مفكر مما يجعلها قابلة للتفكك والتلاشي بعد وفاة القائد أو سقوط نظام حكمه أو مع مرور الوقت. وضمن نفس المنوال وجدت في بعض البلدان حركات سياسية مماثلة لكنها أقل انتشارا وتوسعا, ولم تتحول إلى مدرسة تنظيمية مستقرة بل سادت فقط على المستوى الشعبي والإعلامي, وليس كاسم تنظيم أيديولوجي راسخ, من بينها القاسمية بالعراق والساداتية في مصر والأردوغانية في تركيا.

 

ارتبط اسم الحركة القاسمية، أو "التيار القاسمي" بمرحلة حكم الزعيم عبد الكريم قاسم- قائد ثورة 14 تموز ورئيس الوزراء في العراق (1958 – 1963)، وبالناس والقوى الشعبية التي تعاطفت مع مشروعه، ثم بقيت وفية لذكراه. وتتصف الحركة القاسمية بأنها فئة وطنية عراقية قوية تنادي بمبدأ "العراق أولا"، مع شيء من الحذر تجاه المشاريع الوحدوية مما يجعلها على نقيض تام من الحركة الناصرية في مصر. ويميل فكر هذه الحركة وتوجهاتها إلى القيام بتشريع قوانين إصلاحية مثل قوانين الإصلاح الزراعي، وتحسين أوضاع الفقراء والطبقات الدنيا مما يجعلها تصنف ضمن الحركات اليسارية القريبة من فكر الحزب الشيوعي. وتتميز الحركة أيضا بالبقاء على استقلالية تامة من المحاور الإقليمية، واتخاذ موقف متحفظ تجاه الانخراط الكامل في المحاور العربية أو الغربية، والسعي لخلق قدر من التوازن ضمن المحيط العراقي. وبكل الأحوال، لم توجد قط للحركة القاسمية مدرسة فكرية، أو عقيدة وتنظير مكتوب، بل ظلت مقتصرة على الارتباط الفكري بحقبة الزعيم قاسم وتحويله إلى رمز وطني. أما القاسميون (وهم المنضوون تحت جناح الحركة القاسمية) فهم في الأغلب سياسيون ومثقفون, وبعض الفئات السياسية الصغيرة التي تتبنى تقييما إيجابيا لتجربة الزعيم عبد الكريم قاسم، وتستحضر رمزيته التي اشتهر بها كالنزاهة، وبساطة العيش، والقرب من الفقراء، ومعاداة الاستعمار. وهناك فئة مهمة غير منظمة تميل بقوة إلى الفكر القاسمي ويمكن تصنيفهم أيضا ضمن القاسميون، وهي الشرائح الفقيرة والمعدمة من العراقيين، خصوصا في بغداد والمحافظات الجنوبية. لم تتطوّر القاسمية بقدر كاف وتتحول إلى أيديولوجيا مكتملة لها كتب ومنظّرون, وتفرعات ممتدة في المنطقة كما حصل مع الناصرية أو الخمينية, بل ظلت محصورة فقط في استحضار مرحلة سياسية تعتبرها فرصة ذهبية, أو فرصة ضائعة في تاريخ العراق الجمهوري كان يمكن أن تتطور وتنمو لتصبح مشروعاً ناجحا ينظَر له كخيار للمستقبل. لذلك فقد بقي استخدام القاسمية كمصطلح إعلامي يرمز إلى الحقبة القاسمية أكثر من كونه تياراً عقائدياً منظماً له أيديولوجيا مكتملة على غرار الناصرية وغيرها. أما القاسميون فهم حصريا أنصار الزعيم عبد الكريم قاسم الذين يحملون إرثه السياسي والاجتماعي في العراق, ويمجدون صورته كقائد نزيه قريب من الشرائح المعدمة من الشعب.

 

وعلى غرار ما جاء أعلاه يستعمل بعض المؤرخين والمحللين السياسيين بالعراق مصطلحي الصدامية والصداميين للإشارة إلى مؤيدي الرئيس الأسبق صدام حسين (1979-2003)، لكن هذه التسميات لم تتحول قط إلى عنوان لتيار أيديولوجي وعقائدي كما هو الحال بالناصرية والناصريين، ولا حتى اسم رمزي تاريخي كالقاسمية والقاسميون، والسبب في ذلك هو ليس سببا لغويا بقدر ما هو سبب سياسي وتاريخي. يعود السبب بهذا إلى وجود أيديولوجيا سابقة جاهزة تتمثل في الفكر العقائدي لحزب البعث الذي كان يسود في عهد الرئيس صدام حسين. ففي حالة القاسمية على سبيل المثال، فإنها كانت، ولا تزال تمثل المشروع الكامل الذي حمله الزعيم، ولا توجد تحتها أي أيديولوجيا أخرى، على خلاف حالة صدام حسين الذي يوجد تحته إطار فكري جاهز هو حزب البعث. وحتى مع تسلط صدام حسين على فكر حزب البعث، فقد ظلت مصطلحات أخرى مثل "البعثية" "والبعثيين" هي التسميات الغالبة على مؤيدي ومعتنقي الفكر الصدامي، ولم تحل قط مصطلحات مثل الصدامية والصداميين كتسميات إعلامية لهم. وعدا عن هذا السبب، فإن الحقبة الصدامية حملت بين طياتها كوارث كبيرة على الشعب العراقي، وحروب عبثية لم يجن منها البلد غير الخراب والضحايا مما يجعل أي نوع من الانتساب لصدام حسين هو مثلبة سياسية، وليس صفة وطنية. لذلك نجد في الأوساط الإعلامية شيوع تسميات أخرى فيها انتقاص من هؤلاء، مثل "أزلام صدام" أو "فلول النظام الصدامي". وحتى لو أجرينا نوعا من المقارنة السريعة فإن القاسمي هو شخص عراقي وطني، نزيه، بسيط، قريب من الناس والشرائح المعدمة، يسعى لاستقلال العراق وتحرير ثرواته الوطنية. بينما نجد الصدامي على النقيض مما تقدم لا يمثل ضمن التداول العام غير معاني قهرية شرسة، مثل القمع، العنف، تسلط الأجهزة الأمنية، نشوب الحروب، شيوع الفاقة والفقر والرشوة، وغيرها، وهذا بحد ذاته يجعل من صفة صدامي شتيمة أكثر منها هوية سياسية قابلة لأن يعلنها شخصا على نفسه بفخر واعتزاز. لذلك نجد أن القاسمية موجودة بالعراق منذ وقت طويل، وستبقى وتستمر لفترة طويلة أخرى، بينما الصدامية زالت تقريبا مع زوال صدام حسين، والسقوط المدوي لنظامه, وستنتهي كليا مع استمرار الرغبة الشعبية القوية في محو كل آثارها من المجتمع.

 

 

 

وسام الشالجي

25 – 6 - 2026

ليست هناك تعليقات: