مرت علينا بحياتنا أشكال عديدة ومظاهر مختلفة للقيادة تتباين في أنواعها وأوصافها الخارقة، الملك العظيم، الزعيم الثائر، القائد الفذ، البطل الملهم، الرئيس القائد، القائد الضرورة، الزعيم الأوحد، القائد المبدع، نصير الفقراء، القائد المؤسس، وغيرها من الصفات الكثيرة. على الأغلب، لم يكن ظهور القائد بصورته التقليدية المتسلطة بالأزمنة السابقة حالة مفاجئة أو أمرا طارئا، بل كان ظهور مثل هؤلاء القادة بأي دولة، أو وسط ما عادة ما يصاحبه مبكرا ظهور مستمر ومتواصل ترافقه هالة من الالقاب والتمجيد والتبجيل، وحتى القدسية إذا كان الوسط المعني دينيا أو عقائديا لتجعل من شخصية القائد المنتظر حالة واعدة تلوح ملامحها بالأفق، وحلا ضروريا للمشاكل والأزمات, مع بشائر بمستقبل زاهر حين يشغل هذا القائد موقع الصدارة. وفي حالات أخرى غير متهادنة، خصوصا بدول العالم الثالث فإن صعود القائد الجديد قد يكون مصحوبا بعملية عنفية كثورة أو انقلاب، أو إزاحة بطريقة ما لمن يشغل القيادة قبله غالبا ما تكون بعملية تصفية وإجهاز على الخصم. الأمر المهم في كل هذا هو أن هذا القائد يتحول على الأغلب بعد مدة من تبوأه موقع القيادة إلى قائد مستبد ودكتاتوري شديد البطش متبعا الطرق الميكافيلية في تصفية المنافسين والخصوم، والقضاء على كل من يهدد موقعه. السبب في هذا التحول هو قناعة القائد الجديد بأنه جاء ليبقى، مما يجعله غير مستعد لتقبل أي تغيير بالموقع وتدميره لكل الفرص التي تتيح صعود قادة جدد وشطب كل إمكانية لتداول السلطة بأي طريقة من الطرق. وفي جميع الأحوال يجب ألا نغفل دور المنافقين والانتهازيين في صنع القادة الدكتاتوريين, لأن مثل هؤلاء دأبوا على الدوام في أن يكونوا ضباع بشرية تستفيد من افتراس الضحية والبطش بها لكي تنعم بالآخر بشيء من الفتات مما يترك لها القائد مقابل شيء من التعظيم وتثبيت أركان حكمه بقدر المستطاع. سادت مثل هذه القيادات والزعامات في دول أوربا الغربية بالنصف الأول من القرن العشرين، ثم انتشرت عن طريق الثورات والانقلابات بمعظم دول العالم الثالث بمستهل النصف الثاني من ذلك القرن، لكنها بدأت تتلاشى مع حلول القرن الواحد والعشرين. من أبرز الأمثلة على مثل هؤلاء أدولف هتلر وموسوليني والجنرال فرانكو في أوربا الغربية, وجوزيف ستالين وماو تسي تونغ وبريجينيف في المعسكر الشرقي, وكيم أيل سونغ, وجمال عبد الناصر, وعبد الكريم قاسم, وفيدل كاسترو, وصدام حسين, ومعمر القذافي, وجعفر النميري, وعيدي أمين, وبوكاسا, وموغابي, وعمر البشير, وحافظ الأسد وابنه بشار, وغيرهم في دول العالم الثالث. لم يتبقى من القادة الدكتاتوريين بعالم اليوم إلا حالات قليلة لا تتجاوز عدد أصابع اليد, مثل فلاديمير بوتين في روسيا, وكيم جونغ أون في كوريا الشمالية, وميغيل دياز كانيل في كوبا. إن أهم عامل في انحسار ظهور أشكال جديدة من القيادات التي عرفت بالماضي بعالم اليوم هو انتشار المبادئ الديمقراطية بمعظم دول العالم، وندرة وقوع الانقلابات والثورات بعد أن أصبحت تجابه بردود أفعال قوية مضادة وعقوبات اقتصادية موجعة، وعدم اعتراف دول العالم بأي نظام حكم جديد يحل بالقوة في أي دولة بالعالم. العامل الثاني المهم في انحسار القيادات الدكتاتورية هو تطور المجتمعات بحيث أصبح المنافقون والانتهازيون، وغيرهم من صانعي الدكتاتوريات منبوذين بالمجتمع، ويتعرضون لحروب لا هوادة فيها بمجرد أن يظهر صيتهم، وتعلو أصواتهم مما يجعل البيئة التي كانت صالحة بالماضي لنشوئهم وبروزهم غير موجودة، أو على الأقل ليست أرضا خصبة الآن كما كانت بالسابق. سبب آخر أسهم في انحسار الدكتاتوريات هو التطور العلمي، ووجود شبكة الإنترنت، وإنتشار مواقع التواصل الإجتماعي مما جعل بالإمكان إيصال الأصوات وسماع الصرخات عند وقوع أي نوع من الظلم والبطش، وفضح مجريات الأحداث بما يجعلها عارية أمام المجتمع الإنساني، ويسهل إدانتها والوقوف بالضد منها. الشيء الجديد أيضا هو أن المجتمع الدولي صار لا يتوانى عن فرض العقوبات ومحاصرة النظم الدكتاتورية وإصابتها بالعجز الاقتصادي والشلل لتسهيل وصولها إلى نهايتها، وتمكين الشعوب المقهورة من نيل حريتها مرة أخرى، ولنا بما جرى بسوريا مؤخرا خير مثال على هذا الحال. لذلك, وبظل هذه الاحوال تصبح فرص عودة الدكتاتوريات التي كانت سائدة بالماضي ضئيلة جدا بعالم اليوم.
ومع تواري القيادات الدكتاتورية بصورتها التقليدية, وغيابها عن السلطة تحولت الدول إلى كيانات جديدة لا تشبه الكيانات التي كانت سائدة بالماضي، ووجد نوعا جديدا من الحكام يختلفون كليا عن حكام القرن العشرين. صارت الدول كأنها شركات استثمارية، وصار من يصعد للحكم فيها ليسوا غير مدراء يحملون بجعبتهم برامج عمل لتحسين الأحوال وتطوير الإمكانات والنهوض بالمجتمعات لما هو أفضل وأحسن. ليس هذا فقط، بل تم بقوة تفعيل النصف المعطل من المجتمع ليأخذ دوره بالحكم، وصار من المعتاد جدا صعود النساء إلى المواقع الأولى بالدول والمؤسسات الدولية، ولو ألقينا على سبيل المثال نظرة سريعة على مقاعد مجلس الأمن حاليا لوجدنا نصفها تقريبا مشغولة بنساء. ما من شك بأن هذا الحال يمثل قفزة من التطور لا مثيل لها، ويبشر بعصر إنساني جديد سيكون أفضل بكل الأحوال من العصر السابق الذي لم يتمخض عنه سوى الحروب والمنازعات والأزمات. وكعادة بعض البشر بكل الأزمان في رفض ما هو جديد، لا زال هناك من يحن للماضي، ويتمنى عودة النظم الدكتاتورية إلى سابق عهدها، ويُسمع من حين لآخر أصواتا نشاز تنتقد ما هو موجود الآن، وتصف حكام اليوم بالعجز والضعف، وتنادي بعودة مظاهر القوة والتسلط لإدارة أنظمة الحكم والدول بحجة أنها أصلح لقيادة سفينة البلاد، وأفضل من يحميها من الغرق. ليس هناك ما يقال لمثل هؤلاء غير أنهم على خطأ جسيم، وأنهم ليسوا غير صور جديدة من المنافقين والانتهازيين, فكم هناك من قيادات أغرقت السفن ولم تحمها من الغرق, ودمرت البلدان وقضت على الشعوب. لذلك، يجب عدم ترك أي مجال لعودة الدكتاتوريات مرة أخرى بعالم اليوم، ويجب ألا يسمح لأي لحاكم مطلقا مهما كان وضعه بالبقاء بكرسي الحكم لأكثر من دورة، أو دورتين كحد أقصى، فهناك من العقول والإمكانات ما يجب أن تأخذ فرصتها ودورها في سكب ما تحمله من ذكاء وفطنة وعلم في دورق التقدم، وتضع لبنتها في سلم البناء والتطور.
وسام الشالجي
24 – 5 - 2026

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق