الخميس، 23 نوفمبر 2051

الانطلاقة ...

منذ وقت طويل وأنا أفكر بإنشاء موقع خاص بي , فلسنين عديدة تشتت نتاجاتي في العديد من المواقع حتى ضاعت في دهاليزها وتبددت في أروقتها ولم تجذب الاهتمام كما أشتهي. وبين كثرة النشاطات التي دأبت على القيام بها وتنوعها ما بين كتابة المقالة والقصة وإنجاز الدراسات والبحوث والعديد من الاهتمامات الأخرى, كان دائما ما يخطر على بالي بضرورة أن أجمعها في موقع واحد لكي يستفيد منها الأخرون اولا ولكي يشجعني تكثفها على المضي في إنتاج المزيد ثانيا. وبعد طول انتظار ها أنذا أبدأ خطوتي الأولى في إنشاء هذا الموقع الخاص بي, والذي اخترت له بالبداية تسمية (أيامي) لحبي الشديد لمقطوعة للموسيقار محمد عبد الوهاب التي تحمل نفس هذا الاسم والتي تأثرت بها وولعت بها منذ صغري .

أسأل الله تعالى بأن يوفقني بهذه الانطلاقة وأن يجلب الاهتمام إلى نشاطاتي المتنوعة, وأن يحقق غايتي في خدمة الآخرين دون أن أسأل من وراء ذلك أجرا أو فائدة, والله من وراء القصد .

 

وسام الشالجي

26 ايلول 2012

_____________________________________

 

سأكتب , لا يهم لمن

سأكتب هذه الأسطر  ...

فحسبي أن أبوح هنا 

لوجه البوح لا أكثر ....

حروف لا مبالية

أبعثرها على دفتر ...

بلا أمل بأن تبقى

بلا أمل بأن تنشر ...

 

نزار قباني

 




الثلاثاء، 14 يوليو 2026

بمناسبة الذكرى الثامنة والستين لثورة 14 تموز 1958 - دعوة لرد الاعتبار لأفراد العائلة المالكة العراقية

 تمر علينا هذه الأيام حلول الذكرى الثامنة والستين لثورة 14 تموز 1958 التي تم فيها إسقاط النظام الملكي وإعلان النظام الجمهوري في العراق. وبعيدا عن محاولة تقييم هذه الحركة من الناحية السياسية، وبعيدا أيضا عن أي مسعى لوضع وطنية رجال تلك الحركة أو وطنية الرجال الذين سقطوا بسببها في الميزان؛ لأن ذلك متروك للتاريخ، وقد قال هذا التاريخ كلمته بهذا الموضوع في أكثر من موضع. غير أن من غير شك بأن عملية قتل الملك فيصل الثاني وأفراد عائلته، ومن بينهم خاله الأمير عبد الإله ابن علي وعدد آخر من أفراد الأسرة رحمهم الله، وكذلك بعض رجال ورموز النظام الملكي، ومن بينهم المرحوم نوري السعيد، وولده صباح قد جرى بطريقة غير قانونية، ولا شرعية، وبعيدا عن أي إجراءات قانونية أصولية. كما أن الأعمال المؤسفة التي رافقت عمليات القتل تلك، والتي تمثلت بالتمثيل بجثث القتلى وتمزيقها وسحلها بالشوارع كانت هي الأخرى أعمالا منفلتة لا تنسجم مع قيم ومبادئ الدين الإسلامي، ولا تتوافق مع صفات وأخلاق الشعب العراقي، ولا تمت بصلة إلى أي من الأعراف الإنسانية والحضارية، بل وحتى تتقاطع مع الأهداف التي أعلنتها الحركة بصباح ذلك اليوم. 

إن أي مطلع مؤمن بالله، وبرسله وكتبه يتتبع ما جرى في العراق منذ تلك الواقعة السيئة الصيت حتى يومنا هذا يستطيع أن يدرك بأن غضب الله قد حل على هذا البلد، وأن هذا الغضب أخذ صورا مختلفة وظهر بأشكال متباينة، وهو مستمر من غير توقف من يومها حتى الآن. فمظاهر الموت قد انهمرت على أرض العراق، وكأنها سيول من المطر المتقاطر من سحب سوداء لفت أرجاء بلادنا من كل ناحية. كما أن رياح الحركات الانقلابية وأعاصير الحروب وويلاتها ملأت كل أيام السنوات التي تلت وقوع حركة تموز حتى أصبح الشعب العراقي لا ينعم بأي يوم سلام في حياته وأيامه. كما أن مظاهر التأخر والتراجع والانحطاط والفوضى وفقدان الأمن قد أحاطت بالبلد من كل جانب كالسيول المتدفقة من بركان ثائر غاضب لا يهدأ أبدا. وعلاوة عل كل هذه الويلات، فإن تبديد ثروات البلاد وإغراقها بالديون وهدر المال العالم، وصرفه في غير أماكنه وشيوع الفساد والسرقة والنهب بكل أوساط المجتمع ظلت ملازمة لكل العهود التي تلت التغيير الذي حصل بذلك اليوم المتوزي الساخن. وبدلا من الرفاهية والغنى التي وعدت حركة تموز الناس بها نجد أن الفقر والعوز والفاقة والمرض أصبحت صفات شائعة في كل أرجاء البلاد وزواياها في بلد يحتل مرتبة متقدمة بين أغنى دول العالم، ويفترض بأن يكون متنعما بكل مظاهر التقدم والإزدهار والرخاء. وحتى خارج العراق، نجد أن المواطن العراقي صار لا يحطى بأي احترام، وكثيرا ما يعامل بطريقة مهينة لكرامته وشخصيته، ويجري إذلاله بطرق صارت تمارس في الكثير من بلدان العالم التي يطأ أرضها العراقي بقدميه.

 

ترى، هل من نهاية لهذا الحال؟ يغلب الظن على أنه ليس هناك من كاشفة لكل هذا الضر الذي وقع على بلادنا، ولن تهدأ السماء أبدا، ولن يتوقف غضبها على شعبنا من غير أن يرد الاعتبار لكل من قتلوا بطريقة غير شرعية في يوم 14 تموز والأيام التي تلته. لذا؛ فاني كمواطن محب لبلده ادعوا الحكومة العراقية، وعلى رأسها السيد رئيس الوزراء إلى إصدار إعلان رسمي برد الاعتبار إلى الملك فيصل الثاني والأمير عبد الإله بن علي، وبقية أفراد أسرة الملك الذين قتلوا يوم 14 تموز رحمهم الله واعتبارهم قد قتلوا عن طريق الخطأ. ليس هذا فقط، بل من الضروري أن يقدم لهم ولذويهم أيضا الاعتذار الرسمي عن ذلك القتل الخطأ، وعن كل الأعمال المؤسفة التي رافقت عملية القتل وإعادة كافة حقوقهم إليهم ومناداتهم بألقابهم الرسمية أينما ذكروا. كما ادعوا الحكومة بأن يشمل بهذا الإجراء أيضا المرحوم نوري سعيد الذي تعرض إلى نفس الأعمال المؤسفة في وقتها من غير وجه حق. كما ادعوا أيضا المنظمات الإنسانية والخيرية إلى إقامة أضرحة رمزية, أو مجرد نصب تذكارية لهؤلاء الضحايا في حديقة المقبرة الملكية في الأعظمية، وأن تفتتح باحتفال رسمي وشعبي كتعبير عن الاعتذار لأرواح هؤلاء الضحايا. إن ثقافة الاعتذار موجودة في كل دول العالم، وقد مارستها أكبر الشخصيات بالعالم، لذلك ليس من المهين أو الانتقاص أن تمارس هذه الفعالية من قبل حكومتنا وشعبنا، بل بالعكس، فإن هذا سيجعلهما في موضع احترام وتقدير من قبل كل دول العالم وشعوبها. كما أن من الضروري بأن تصدر توجيهات رسمية بالتوقف عن كيل الإتهامات التي لا أساس لها لرجال العهد الملكي وإعتبار ذلك العهد مجرد مرحلة سياسية مرت بتاريخ العراق حالها من حال كل العهود السياسية التي تلته. بهذه الإجراءات فقط ستهدأ أرواح هؤلاء الضحايا، وسيزول إن شاء الله الغضب الذي تحمله السماء ضد بلدنا وشعبنا، وسيعم السلام في ربوع أرضنا وديارنا، والله من وراء القصد.

 

 

الدكتور وسام الشالجي

14 تموز 2026       

النزعة اللصوصية في المجتمع العراقي, هل هي حالة طارئة, أم ظاهرة مرضية؟

 

دراسة إجتماعية من إعداد

د. وسام الشالجي

 مقدمة:

 منذ مدة طويلة، وأنا أفكر بالكتابة عن هذا الموضوع لكني لا أخفي بأن كنت أتردد من ذلك بسبب وجود موانع موضوعية وأخلاقية كانت تردعني من الكتابة فيه. أول هذه الموانع هو خوفي الكبير من أن يفسر الأمر على أنه محاولة للطعن بشخصية المواطن العراقي، وتشويه كينونة هذه الشخصية من خلال إلصاق صفة سيئة بها تبدو وكأنها أقرب للسبة أو الشتيمة. في الواقع، إن هذا الأمر يمكن أن يبدوا كذلك إذا كان ما يجري كتابته هو ليس أكثر من مقال صغير يقتصر على عرض حوادث سرقة معينة مأخوذة من هنا أو من هناك، ومن ثم جعلها كواقع، وتعميمها كصفة عامة على العراقيين. لكن أن يظهر هذا الموضوع بشكل دراسة علمية واجتماعية هي أقرب إلى أن تكون مبحثا اجتماعيا شاملا معززا بقرائن وأدلة موضوعية ملموسة مأخوذة من وقائع تاريخية وتحليلات علمية، فإن الأمر لا بد، وأن يصبح في خانة أخرى، ولا يأخذ أبدا الشكل الأول من التصور. وبعد انطلاق حملة مكافحة الفساد الأخيرة التي أطلقها رئيس الوزراء العراقي الجديد علي الزيدي، واكتشاف سرقات هائلة طالت المال العام على الرغم من تواضع هذه الحملة حتى الآن وعدم تعرضها لرؤوس كبيرة. ومن هذا المنطلق تشجعت على أن أبدأ بالخوض في هذا الموضوع، وأدركت بأنه ربما قد حان الوقت المناسب لنشر هذه الدراسة التي هي موجودة بين ملفاتي منذ وقت طويل، خصوصا وأن العراق يعيش اليوم في طوفان جارف من الفساد المتمثل بالسرقة والنهب للمال العام، وحتى الخاص، واختفاء شبه كامل للعناصر النزيهة والمستقيمة، خصوصا في ساحة تبوأ المناصب العليا في البلد. ومع ذلك فإن الموضوع يبقى فيه حرج شديد؛ لأني حتى أنا نفسي كمعد لهذه الدراسة أشعر بالمهانة من وجود مثل هذه الصفة في البلد الذي أنتمي إليه والذي هو في كل الأحوال، وقبل كل شيء وطني الأم، ولأن هذه الصفة المهينة حتما تمسني كمواطن من هذا البلد قبل ان تمس أي شخص آخر. لذلك فقد قررت بأن تكون كتابتي لهذا الموضوع أشبه ما تكون بطبيب يشخص حالة مرضية لدى أحد مراجعيه، ثم يقرر أن يفعل كل ما بوسعه لأشفائه منها. وبناء على ما تقدم أرجو من القارئ الكريم أن يقرأ هذا الموضوع بعناية وتأني، وأن يتدارسه بشكل واعي بعد قراءته, وأن يعتبر ما سيقرأه هو حالة مرضية، وأن يفعل هو الآخر من جانبه كل ما بإمكانه لتفهم هذه الحاله، وبالتالي المساهمة بحلها، وبنفس الوقت شرح المقاصد من هذه الدراسة لمن حوله علنا لنستطيع جميعا في الآخر أن نخلص مجتمعنا من هذه الآفة الخطيرة. وعلينا أن نعي أيضا بأننا حين نقول كلمة (العراقيين) في أي مكان من هذا المبحث، فإننا بالتأكيد لا نعني صفة الجزم العام أبدا، أي أن ما يجري الحديث عنه لا ينطبق مطلقا على جميع العراقيين، بل إن المقصود هو نسبة معينة منهم قد تكون صغيرة أو كبيرة، لكنها حتما نسبة معتبرة لا يمكن إغفالها. بل إن إغفالها والسكوت عنها قد يجعلها تكبر لمستويات خطيرة بحيث لن ينفع معها أي علاج أو فعل تداركي لإحتوائها. وفقنا الله فيما نسعى إليه، وأعاننا، وهو من وراء القصد.

 

 

1-  مفهوم السرقة:

 

السرقة هي عملية الاعتداء على ممتلكات الآخرين من أموال أو مواد وأشياء، وسلبها منهم بغير وجه حق. والمقصود بـ (الآخرين) في هذا التعريف هم إما أشخاص، أو جهات معينة تحمل صفة عمومية، كأن تكون مؤسسة أو مصرفا أو دائرة، وغيرها. وفي الحالة الأولى تعتبر السرقة عملية استحواذ على مالا خاصا، أما بالحالة الثانية فهي استحواذ على مال عام. وعادة ما تقترن السرقة بأخذ الشيء خفية، أي الاستحواذ على الحاجة المسروقة دون علم صاحب الحاجة، ودون إذن منه، لكن هذا ليس بالضرورة هو ما يحدث دائما، فقد تحدث السرقة في بعض الحالات بالعلن، وحتى أمام صاحب الحاجة نفسها. كما أن السرقة تعني أيضا أخذ الشيء دون وجه حق، ويأتي عدم الحق هنا في عدم الاستحقاق، أي معرفة السارق بأن الشيء الذي يسرقه هو ليس من حقه، وما كان صاحب الشيء؛ ليعطيه له طواعية لو طلبه منه. والسرقة هي سلوك غير سوي، ولا يقدم عليه فاعله إلا عند وجود انحراف سلوكي في شخصيته, أو عند وجود أسباب تدفعه لذلك. كما أن السرقة هي فعل غير عادي، وغير مقبول، وأن كل القيم والمبادئ الاجتماعية والدينية المعروفة ترفضها رفضا قاطعا، وتضع كل الاعتبارات لمحاربتها والتصدي لها، وهي تعتبر جريمة بنظر القانون وعملا دنيئا بنظر الناس. ويطلق القانون على من يسرق اسم (سارق)، بينما يطلق المجتمع عليه (لص أو حرامي) كطريقة لتحقير وامتهان من يقوم بمثل هذا العمل. وقد تكون السرقة سلوكا فرديا يقوم بها شخص واحد، أو قد تكون سلوكا جمعيا يخطط لها، وينفذها مجموعة من الأشخاص يطلق عليهم عادة اسم (عصابة). كما أن هناك حالة خاصة من حالات السرقة الجماعية تتمثل بقيام عدد كبير من الأشخاص تجمعهم ظروف طارئة بارتكاب عمليات سرقة عامة تجري عادة بالعلن، ومن غير تخطيط مسبق يوفرها حصول ظرف أو حدث معين. والسرقة ظاهرة موجودة في كل المجتمعات صغرت أم كبرت، لكنها قد تكثر في مجتمعات معينة، وتتضاءل نسبها في مجتمعات أخرى تبعا للظروف السائدة في المجتمع ومدى الرقي الاجتماعي وتحضره وتطور الحالة الاقتصادية فيه.

 

2-  أنواع السرقة:

 

هناك أنواع عديدة من السرقة تتباين حسب قيمة المادة المسروقة وحجمها وكميتها، فمنها البسيطة التي لا يتعدى ثمنها مبلغا صغيرا، ومنها الضخمة التي تصل قيمتها إلى الملايين. ويمكن تصنيف السرقة استنادا إلى بعض المعطيات التي شاعت في المجتمع العراقي إلى الأصناف التالية:

 

أ‌-      النشل: النشل هو عملية سلت حاجة أو مبلغ من المال من شخص ما من قبل شخص آخر يتمتع بمهارة يدوية عالية تمكنه من عملية السلت من غير أن يشعر حامل الحاجة بذلك. ويمكن أن تجري عمليات النشل في أي مكان, لكنها تكثر عادة في المناطق المزدحمة كالأسواق والباصات ودور السينما حيث يضطر الناس بسبب الزحام إلى الاقتراب من بعضهم البعض, فتسهل بذلك عملية النشل. ويسمى من يقوم بعملية النشل بـ (النشال), وهو يمكن أن يكون محترفا, أي يمتهن هذه المهنة ويعتاش عليها, أو يكون نشال بالصدفة, أي يجد الحاجة متاحة أمامه بالصدفة فيقوم بنشلها حتى وإن لم يكن معتاد على النشل. والنشل عادة ما يكون عملية فردية يقوم بها شخص واحد يمكن أن يكون رجلأ أو إمرأة. والنشل موجود في كل دول ومدن العالم, ولا يقتصر وجوده على مكان معين بالذات. وبالعراق يوجد نشالون محترفون يعملون ضمن مناطق محددة خاصة بهم. وعند وقوع عملية نشل لشخص ما، وأراد أن يسترد حاجته، فهو يُسأَل عادة عن المنطقة التي افتقد بها تلك الحاجة لتشخيص نشال تلك المنطقة، ثم يجري التفاوض بينه وبين ذلك النشال عبر وسطاء لإعادة الحاجة لصاحبها مقابل مبلغ من المال يكبر أو يصغر حسب أهمية الحاجة.

ب‌-     التقفيص: التقفيص هو عملية سرقة تجري عن طريق النصب والاحتيال، كعملية بيع حاجة مغشوشة أو معطوبة, أو أخذ مبلغ من المال لقاء خدمة ناقصة أو لا تقدم أبدا، او القيام ببيع أو شراء أو عرض خدمة زائفة عن طريق أوراق مزورة، وغير ذلك من العمليات. ويسمى الشخص الذي يقوم بالتقفيص في المجتمع العراقي بـ (قفاص)، وهو نفسه الذي يطلق عليه في مجتمعات أخرى باسم (نصاب). وعادة ما يكون ضحية التقفيص شخص غشيم تنطلي عليه بسهولة عملية الاحتيال، لكن هناك قفاصة يتمتعون بذكاء عالي وحيلة تمكنهم من التقفيص على أذكى الناس، وأكثرهم حذرا. والتقفيص عادة ما يجري من قبل شخص واحد، لكن يمكن أن يتفق مجموعة من الأشخاص على تنظيم عملية قفص كبيرة منظمة. كان التقفيص بالعراق قليلا بالماضي لكنه شاع وانتشر بالأخص اثناء فترة الحصار الاقتصادي في السنوات 1990-2003.

ت‌-     الخاوة: الخاوة هي مبلغ من المال يُجبى من الأغنياء من قبل أشخاص متسلطين لقاء تقديم الحماية لهم، وحماية أعمالهم. وغالبا ما تدفع هذه الخاوة عن طيب خاطر؛ لأن هؤلاء الأغنياء هم بحاجة فعلا لمن يحميهم ويحمي أعمالهم. وفي الماضي كانت الخاوة تُجبى من قبل أشخاص أقوياء يتنفذون في مناطق معينة يسمون بـ (الشقاوات)، وقد استمرت ظاهرة الشقاوات في المجتمع العراقي لوقت طويل جدا ربما دام لقرون، غير أن عصرهم انتهى تقريبا في أوائل السبعينيات من القرن الماضي. وبعد زوال عصر الشقاوات أخذ يقوم بنفس أدوارهم بعض المسؤولين الحكوميين والضباط المتنفذين ورؤساء العشائر متقمصين نفس الدور في تقديم الدعم والحماية لجهات معينة أو أشخاص معينين. وفي أيامنا الراهنة تقوم الشركات والمقاولون الذين لديهم أعمال في مناطق معينة بدفع الأموال للمتنفذين بتلك المناطق من مسؤولين حكوميين أو رؤساء عشائر لقاء حماية أعمالهم والعاملين لديهم من الأخطار. كما تقوم بعض الميليشيات والجماعات المسلحة بجباية الخاوات أيضا من الأغنياء وأصحاب المصالح والشركات العاملة والمقاولين لقاء عدم التعرض لهم ولأعمالهم.

ث‌-     السرقة العادية: وهي عملية استحواذ على مال أو حاجات تعود لشخص أو أسرة كالسطو على بيت أو سيارة أو شاحنة، وغيرها. وعادة ما تجري السرقة العادية حين يكون صاحب الحاجة غير موجود أو نائم، لذلك نجدها تكثر في الليل، ولا تجري في النهار إلا نادرا. وهناك سرقات تجري في النهار، وبوجود صاحب الحاجة لكنه قد يكون غافلا عنها لبرهة، كما هو الحال عند حصول سرقات في البيوت من قبل الخادمات أو العمال الذين يجلبون إلى البيت لأداء خدمة معينة، أو سرقة حاجيات من السيارة من قبل عمال تصليح السيارات. كما تقع ضمن هذه الفئة السرقات التي يقوم بها العمال أو الموظفون من الأماكن التي يعملون بها والتي تكثر في حالة عدم اتخاذ رب العمل بالاحتياطات اللازمة لتفاديها. والسرقة العادية يمكن أن تجري من قبل شخص واحد أو مجموعة أشخاص.

ج‌-     السرقات الكبيرة: وهي السرقات التي تجري بتخطيط مسبق كالسطو على مصرف أو محل صياغة أو مخازن أو أسواق أو دوائر أو قافلة شاحنات، وغيرها. وهذا النوع من السرقات لا يجري إلا من قبل مجموعة من الأشخاص محترفين لكل واحد منهم دور في تنفيذها. ويمكن أن تكون هذه السرقات خفية تجري عادة ليلا، أو يمكن أن تكون علنية تجري في وضح النهار بقوة السلاح.

ح‌-     طلب الفدية: وهي السرقات التي ترافق عمليات خطف الأشخاص، والتي يطلب فيها الخاطفون مبالغ من المال لقاء إطلاق سراح المخطوفين. وقد شاع هذا النوع من السرقات في العراق بعد وقوع الاحتلال الأمريكي عام 2003، وتسلط العصابات والميليشيات على الشارع. وقد انتشرت بعد الحرب الأهلية التي اندلعت عام 2006 أيضا عمليات قتل المخطوفين لأسباب طائفية بحتة، لكن مع ذلك كان يقوم بعض الخاطفين بخداع ذوي المخطوفين ومساومتهم من أجل الحصول على الفدية على أساس إطلاق سراح المخطوف. وكثير من هذه المساومات كانت عمليات مزيفة لا يحصل أهل المخطوفين منها على أي شيء، أو قد تكون الفدية المطلوبة لمجرد الحصول على جثث المخطوفين القتلى.

خ‌-     الرشوة: وهي قيام الموظفين العموميين باستلام رشاوٍ لقاء تقديمهم لخدمات حكومية، أو تقديمهم لمعلومات مطلوبة أو تسهيل أمور معينة كإحالة المشاريع إلى الشركات أو المقاولين. والرشوة قد تكون بطلب مباشر من الموظف الحكومي نفسه، أو تكون بعرض من الراشي للموظف, وهي يمكن أن تكون مبالغ مالية أو أشياء أخرى ذات قيمة مادية. وعادة ما تكون مثل هذه العمليات محصورة بين شخصين فقط هما الراشي والمرتشي. وقد تكون العملية المتوخاة من الرشوة خدمة بسيطة، أو قد تكون خدمة كبير تتحقق من جرائها فوائد ضخمة. وقد انتشرت الرشاوي بين أفراد السلك الوظيفي الحكومي بعد فرض الحصار الاقتصادي على العراق عام 1990 حيث بات الكثير من الموظفين العموميين مضطرين لتقبلها أو طلبها صراحة؛ لأن الرواتب التي كانوا يتقاضونها أصبحت تافهة موازنة بما يتطلب لسداد نفقات المعيشة.

د‌-       الاختلاس: هي عملية سرقة المال العام عن طريق قيام موظف عمومي بإجراء ترتيبات معينة يتحول فيها مبلغ من المال من حسابات الحكومة إلى حسابه الشخصي. وعادة ما يكون هذا الموظف العمومي يشغل منصبا ليس بالضرورة كبيرا لكنه حساس بما يمكنه من القيام بمثل هذه الترتيبات. والاختلاس قد يكون لمبلغ بسيط، أو قد يكون لمبلغ ضخم. والاختلاس على الأغلب يتم من قبل شخص واحد، لكن يمكن أن يتم من قبل عدة أشخاص في حالات محددة.

ذ‌-       الفرهود: وهي عملية سطو على الممتلكات الخاصة أو العامة بالعلن عند شيوع ظروف معينة تتمثل على الأغلب في فقدان الأمن وغياب عناصر الحراسة والأمن، أو عند الانتقام من أشخاص أو فئات معينة لأسباب سياسية أو دينية. والفرهود هو سرقة جماعية يقوم بها سراق غير محترفين تجمعهم الصدفة والظروف التي تسببت بوقوع الحدث. والمسروقات التي تنهب خلال عمليات الفرهود هي على الأغلب مواد عينية، لكن يمكن أن تسرق خلالها أيضا مبالغ مالية إذا شملت عمليات الفرهود سرقة المصارف والدوائر الحكومية حسب تطور عمليات السطو والمواقع التي يُسطى عليها، والوقت المتاح للقيام بها. وقد شهد العراق بتاريخه على وقوع عمليات فرهود كثيرة كان أكبرها فرهود عام 2003 بعد وقوع الغزو الأمريكي للعراق.    

 

3-  الدوافع التي تؤدي إلى السرقة:

 

لكي نفهم الدوافع التي تؤدي بالمرء إلى النزوع إلى السرقة يجب أولا إن نميز بين نوعين من السرقة هما:

 

أ‌-      السرقة الاضطرارية: وهي السرقة التي تمارس بسبب وجود عوامل مؤقتة هي في الأغلب عوامل مادية ينتج عنها الحاجة الشديدة لمبلغ من المال، أو شيء معين لا يستطيع الإنسان أن يوفره لأسباب معينة كأن يكون عاطلا عن العمل، أو أن دخله لا يسد متطلبات حياته أو ثمن الحاجة التي يريدها. ويمكن أن تحصل السرقة الاضطرارية بسبب حصول انهيار في الوضع الاقتصادي يؤدي إلى تدني المدخولات والمرتبات، أو ارتفاع شديد بالأسعار، أو وجود كساد اقتصادي، وغيرها من الأسباب. وتتصف هذه الحالة بأنها غالبا ما تكون حالة مؤقتة تزول بزوال المؤثر، أي أن السارق هنا هو سارق غير محترف دفعته الظروف القاسية التي تحيط به إلى السرقة، وأنه غالبا ما يعود إلى طبيعته السوية عند عودة الظروف إلى أحوالها الاعتيادية، إلا في حالات نادرة يعتاد بها السارق على السرقة بحيث يجد بأن السرقة هي أسهل من العمل في الحصول على المال، فيستمر بممارستها. ولا يقع ضمن هذه الفئة نوع محدد من أنواع السرقة، بل يمكن أن تكون بأي نوع من الأنواع التي وردت أعلاه.

ب‌-  السرقة المرضية: بينا في تعريف السرقة بأنها سلوك غير سوي يظهر في بعض الأحيان نتيجة لوجود انحراف في شخصية الفاعل. ومن هذه الانحرافات السرقة المرضية, والتي هي حالة من الشعور تتملك الشخص المريض بحيث لا يستطيع مقاومة الرغبة بالسرقة التي تتملكه في ظروف معينة. ويمكن تقسيم السرقة المرضية ألى نوعين هما :

·      السرقة المرضية السلوكية: وهي سرقات بسيطة قد تبدو غريبة بعض الشيء لعدم أهمية الحاجة المسروقة. وغالبية من يقوم بمثل هذه السرقات هم من السيدات كما يحصل عند سرقة الحلي ومواد التجميل والمناديل، وغيرها. لكنها أيضا تصيب الرجال الذين يقومون بسرقة السبح وقداحات السكائر وسلاسل المفاتيح من أصدقائهم وجلسائهم. كما تشمل هذه الحالة قيام البعض بسرقة الحاجيات من الفنادق والمطاعم والمحال، وغير ذلك. ويكون السبب وراء هذه الحالة الغريبة عقدا نفسية تتمثل في دلال زائد عند الصغر يتبعه حرمان أو معاناة عاطفية وضغوط نفسية لم يتم التنفيس عنها خلال حياة السارق المريض. وعادة ما يكون الهدف من السرقة المرضية السلوكية هو السرقة نفسها، وليس قيمة الشيء الذي يُستولى عليه، وقد يعقب ذلك بعض القلق وتأنيب الضمير، وتُعالج هذه الحالة على أنها أحد الأمراض النفسية.

·      السرقة المرضية الانحرافية: في مثل هذا النوع يقوم بالسرقة شخصيات مريضة تشعر بالعداء للمجتمع يتملكها دافع الرغبة بالانتقام منه، وإيذاء الآخرين. ومن وجهة النظر النفسية، فإن معظم الذين يرتكبون هذا النوع من السرقات هم من الشخصيات المنحرفة التي يطلق عليها (السيكوباثية) أو المضادة للمجتمع، وهم يتمتعون بذكاء كبير وقدرة عالية على التنفيذ والسيطرة على من يعمل معهم. ويقوم هؤلاء الأشخاص بالسرقة عن طريق التخطيط المنظم لعمليات السطو الكبيرة سواء بشكل فردي، أو عن طريق عصابات منظمة للسرقة. ويتميز هؤلاء بأنهم لا يشعرون بأي تأنيب للضمير بعد قيامهم بجرائمهم، وهم يستمرون في ارتكاب أعمال السرقة بشكل احترافي. كما أن الكثير منهم لديه مشكلات اجتماعية، أو في العمل، واضطراب في علاقات الأسرة والزواج، ومشكلات مالية، وتاريخ سابق للاحتكاك بالقوانين نتيجة لأعمال إجرامية مشابهة.

ت‌-   السرقة الانعكاسية : وهذا النوع من السرقة هو أيضا بنوعين هما:

·      السرقة التقليدية: وهي السرقات التي تنطبع بالذهن نتيجة لما يراه الشخص في وسائل الإعلام كالسينما والتلفزيون، والتي تعرض من خلال مسلسلاتها أو أفلامها كيفية سرقة الأموال والحاجيات من الدور والمصارف والمحالّ. وعادة ما تظهر تلك الأفلام السارق، وهو يستمتع بالأموال المسروقة دون أن يطاله القانون، أو يناله عقاب على فعلته. وفي هذا النوع من السرقات يقوم الشخص بتقليد ما يراه في السينما أو التلفاز اعتقاد منه بأنه يمكن أن يحظى بمثل ما حظي به الممثل الذي شاهده. وكثيرا ما تسجل مراكز الشرطة حالات سرقة وسطو قام مرتكبيها بتطبيق بالضبط ما شاهدونه في وسائل الإعلام.

·      السرقة الغوغائية: وهي السرقات التي يقوم مرتكبوها في لحظة معينة، وضمن ظروف محددة بالإغارة على ممتلكات الغير والاستحواذ عليها نتيجة لما يراه من قيام جموع الناس بأعمال نهب وسرقة للممتلكات بسبب فقدان الأمن أو الإحتجاجات. ومن يرتكب هذا النوع من السرقات هم عادة أشخاص يحملون فيروسات الأمراض التي تدفع للسرقة لكنها غالبا ما تكون فايروسات كامنة وخاملة، وغير نشطة، لكن فعلها يظهر عند توفر ظروف محددة تساعد على تنشيطها. ويمكن القول, بأن كل الأشخاص الذين يحملون هذا النوع من الفيروسات هم مشاريع ممكنة لتوليد سراق محترفين إذا ما دعت الضرورة إلى ذلك.

ث‌-  السرقة بسبب الإدمان: كثيرا ما يقوم مدمنو تعاطي الكحوليات والمخدرات بالسرقة للحصول على المال اللازم لشراء المواد المخدرة التي يتعاطونها. كما أن هناك حالات تدفع المدمنين للقيام بمثل هذه الأعمال نتيجة لوقوعهم في تأثير المخدرات والكحول بسبب ما توفره لهم هذه المواد من جرأة أكبر في الإقدام على أعمال السرقة دون تقدير النتائج.

 

ليس من الضروري أن تكون هناك حدود واضحة بين الدوافع أعلاه؛ لأنها يمكن أن تكون مشتركة ضمن الشخص الواحد، يعني هذا بأن الشخص يمكن أن يكون له أكثر من دافع للسرقة. كما أن تطور الحالة لدى الشخص قد يدفع باتجاه تطور الدافع نفسه بحيث يتغير من حالة إلى أخرى كما في حالة تطور السرقة الاضطرارية لدى مرتكبها إلى سرقة مرضية تتأصل في نفسه بحيث يحترف السرقة، ويصبح في وضع لا يتمكن فيه من تركها. كما علينا ان لا ننسى بأن جريمة السرقة نفسها قد تدفع لدى تنفيذها إلى ارتكاب جرائم أخرى قد تفوق بجريمتها جريمة السرقة، كما في حالات ارتكاب جرائم القتل خوفا من انكشاف أو افتضاح هوية السارق.

 

4-  مظاهر حالات السرقة في العراق:

 

انتشرت حوادث السرقة بشتى أشكالها في العراق خلال العصر الحديث نتيجة لظروف ووقائع معينة. وقبل أن نستعرض مظاهر السرقة التي ظهرت بالمجتمع علينا أن نفهم أولا بأن العراق كدولة حديثة تأسست رسميا عام 1921 بعد تتويج فيصل الأول ملكا على العراق قد ظهر للوجود بعد سلسلة من الغزوات والاحتلالات والعصور المظلمة التي دامت لحوالي ثمانية قرون. وكان المجتمع العراقي غداة تأسيس الدولة يعيش بحالة من الفقر المدقع والتخلف الاجتماعي والحضاري الشديد. ومما تذكره المصادر التاريخية أن القوات البريطانية التي احتلت العراق عام 1917 قد واجهت صعوبات كبيرة في منع الأهالي والمارة من التبول والتغوط في الطرقات العامة، وأنها حتى اضطرت إلى استخدام القوة للحد من ذلك. كما علينا أن نعرف أيضا بأن المجتمع العراقي على الرغم من كونه مجتمعا حضريا يعيش سكانه في المدن إلا أنه منحدر من أصول بدوية، وأن عادات وأخلاق أهل البادية ونزعاتها متفشية فيه، ومسيطرة على سلوكيات معظم الناس. ومن العادات البدوية الشائعة بين سكان البادية الغزو والنهب والسلب حيث يعيش الناس في غابة كبيرة تتصارع بها القبائل والمجموعات من أجل البقاء حيث البقاء دائما للأقوى. وكانت الفوضى تعم كل المناطق في ربوع البادية حيث حوادث السلب والنهب والقتل والغزو تنتشر في كل مكان. والغريب في الأمر أن هؤلاء الغازين والناهبين تجدهم يفعلون ذلك، وقد انتهوا لتوهم من أداء صلاتهم، أو تجدهم يصلون شكرا لله بعد عودتهم من إحدى غزوات السلب والنهب والقتل، وقد يكون بعضهم من هو صائم حين فعل ذلك، وهذا تناقض غريب عجيب يصعب فهمه. لذلك، فعلى الرغم من كون سكان العراق قد تحضروا بعد عيشهم بالمدن لقرون طويلة إلا أن الكثير من أخلاق أهل البادية ظلت متجذرة بنفوسهم، واستمرت بالانتقال من جيل إلى جيل من خلال كروموسوماتهم وجيناتهم. لذلك نجد أن نزعة السلب والنهب، وربما حتى الغزو والقتل قد تظهر فجأة على البعض بمجرد توفر بعض الظروف الملاءمة أو المساعدة لذلك، والدليل على ذلك حوادث كثيرة سنأتي على ذكرها لاحقا. ومع التمدن والتثقف الذي حصل للكثير من الشرائح الاجتماعية والأفراد نتيجة للتعليم والدراسة إلا أن "جين" نزعة السرقة كان دائما موجودا في أعماق الشخصية العراقية، وقد يظهر فعله وتأثيره في وقت ما، بالضبط كما في حالة الفيروس الكامن الذي لا ينشط إلا عند توفر العوامل الملاءمة لنموه وانتشاره.

 

إن مصطلح "الفرهود" يعني عملية السلب والنهب للمال والممتلكات. وكما أن كلمة فرهود موجودة باللغة العربية، أو باللهجة العراقية على وجه الخصوص، فإن هناك ألفاظا أخرى موجودة أيضا تمت بصلة إلى نفس العملية، ومن يقومون بها. فهناك على سبيل المثال اللص والسارق والنشال، والبواك والنهيبي واللوتي وغيرها. وعندما يسرق الشخص يقال عنه أن يده طويلة أو أن يده خفيفة، ويقولون في وصف السارق المحترف الشاطر: بأنه (يسرق الكحل من العين). وخلال الحصار الاقتصادي في التسعينيات شاعت كلمة (قفاص)، وفعلها (يقفص) في وصف المحتال الذي يستطيع بذكائه خداع ضحيته؛ ليجردها مما تملك. وبعد حرب 2003 أضيفت مفردة جديدة أفرزتها تلك المرحلة هي كلمة (الحَواسم)، فأصبح من نهب، وسرق بعد تلك الحرب عن طريق القوة المسلحة يسمون ب (الحَواسم) وأصبحت العملية تسمى بـ (الحَوسمة) وفعلها (يحَوسم)، أي يحسمون الأمور بسرقتها عنوة. أما البضاعة المسروقة، فتسمى (بضاعة الحواسم)، أي المسروقة بواسطة حرامية الحواسم. ويعود أصل هذه الكلمة إلى معركة (الحواسم)، وهي الاسم الذي أطلقه الرئيس الأسبق صدام حسين على حرب الغزو الأمريكي للعراق. وما ثبت هذه الكلمة وجعلها تطلق على عمليات النهب والسرقات من وقتها هو أن حرب الحواسم تبعتها أكبر عملية سرقة بالتاريخ الإنساني برمته حيث استبيحت ممتلكات الحكومة والدولة العراقية ونهبت عن بكرة أبيها ولم تتركها إلا بعد أن أصبحت قاع صفصفاء.

 

ومنذ تأسيس الدولة العراقية عام 1921 لحد الآن تكرر وقوع ما يعرف بالفرهود لأكثر من مرة، وفي أكثر من مناسبة. ولأجل إلقاء الضوء على سبب وجود هذه الصفة لدى العراقيين لا بد أن يُجرى أولا استعراضا لحوادث الفرهود المشهورة التي حصلت في العراق، خصوصا تلك التي حدثت في العصر الحديث.

 

أ‌-      فرهود 1-2 حزيران عام 1941 ضد اليهود العراقيين: كان هذا هو الفرهود الأول الذي حصل خلال الفترة التي أعقبت تأسيس الدولة العراقية، وقد استهدف على وجه الخصوص الطائفة اليهودية في بغداد. ففي مايس من عام 1941 قام رئيس الوزراء العراقي رشيد عالي الكيلاني بحركة انقلابية بمساندة العقداء الأربعة من قادة الجيش العراقي، وعلى رأسهم العقيد صلاح الدين الصباغ. وقد أقال الانقلابيون الوصي عبد الإله بعد فراره من بغداد إلى البصرة، ومنها إلى سفينة حربية بريطانية راسية في الخليج العربي. أما نوري السعيد الذي كان مطلوبا أيضا من قبل الانقلابيين، فقد فر بمساعدة السفارة البريطانية إلى مصر. وقد عين الانقلابيون وصيا جديدا على العرش، وأعلنوا انضمام العراق إلى دول المحور بقيادة ألمانيا النازية، وأعلنوا الحرب على بريطانيا في خطوة تنم عن عدم اكتراثهم بمصالح العراق بقدر اهتمامهم بمصالحهم الشخصية. وتأثرا بمواقف ألمانيا النازية من اليهود، فقد حدثت مضايقات وتحرشات باليهود العراقيين، لكن، والحق يقال لم تحدث أي أعمال عنف كبيرة ضدهم. ونتيجة لإعلان الحرب على بريطانيا، فقد هاجمت القوات العراقية القوات البريطانية المعسكرة في قاعدة الحبانية، وحدثت معركة كبيرة انكسر فيها الجيش العراقي أمام القوات البريطانية، وعادت القوات المنكسرة متقهقرة إلى بغداد لتفاجئ بقيام اليهود بمظاهر احتفالية حيث وضعوا السماعات على سطوح منازلهم التي أخذت تذيع أغانٍ تنم عن الفرحة بانكسار الجيش وهرب الانقلابيين. وفي 1 حزيران، وفي ظل غياب الحكومة والسلطة هبت جموع بشرية كبيرة من سكان بغداد الذين أغاظهم موقف اليهود هذا حاملي السكاكين والقامات والأوس، وتوجهوا إلى مناطق سكنى اليهود في محلة (التوراة) في باب الشيخ، وحدثت مذبحة بشرية كبيرة قتل على إثرها المئات (ويقال الآلاف) من اليهود، واغتصبت نساءهم، وسرقت منازلهم، ونهبت متاجرهم، وحطم ما لا يمكن حمله في عملية فرهود كبرى شارك فيها الكثير من سكان بغداد.

 

وبعد هذه الحوادث امتد الفرهود، وأخذ يطال حتى دور المسلمين القريبة، ولم يتوقف إلا بعد أن عاد الوصي إلى بغداد، وأصدر أمرا إلى قوات الشرطة، وبعض قوات الجيش بإطلاق النار على جموع المفر هدين. حدث كل ذلك بتلذذ عجيب وغريب من قبل جموع المفرهدين، وكانت تلك الجموع تعود من الفرهود حاملة ما استطاعت حمله من غنائم، وهي تردد أهازيج مختلفة من بينها:

 

"الله أشحلو الفرهود يا أسلام      يا ريته يعود كل سنة وكل عام"

"أشحلو الفرهود كون يصير يوميه"

"هذا اليوم اللجنة إنريده"


قد يبدو الطابع العام لهذه الحادثة وطنيا، وكان يمكن أن يكون كذلك لو اقتصر على عملية تأديب فقط (لا ترتقي إلى حد القتل) لكل من تشفى بهزيمة الجيش العراقي. لكن تطور الحوادث بالشكل الذي حصلت فيه أخرجها بالتأكيد من أي صبغة وطنية. ومن الملفت للنظر أن القوات البريطانية التي تقدمت إلى بغداد بعد معركة الحبانية ظلت خارجها طيلة اليوم الأول من الفرهود. وفي اليوم الثاني تقدمت وعسكرت قرب السفارة البريطانية، ولم تحرك ساكنا رغم سماعها لصراخ واستغاثات الناس من الضحايا على الجانب الآخر من النهر، لكنها لم تفعل شيئا لإيقاف تلك الأحداث مما يثير علامات استفهام كبيرة وكثيرة.

 

ب‌-  الفرهود الثاني ضد اليهود: حدث هذا الفرهود عام 1951 في أيام وزارة نوري السعيد حين سنت حكومته في آذار من ذلك العام قانون تجميد أموال اليهود الذين أسقطت عنهم الجنسية العراقية والاستيلاء على ممتلكاتهم المنقولة وغير المنقولة وحفظها تحت حماية الدولة من دون التصرف بها. وعلى الرغم من نصوص القانون الصريحة إلا أن الناس قاموا مرة أخرى باستباحة بيوت وأموال اليهود الذين جرى تهجيرهم من العراق بحملة منظمة. وعلى ضوء هذا القانون "الفرهودي" الذي سنته الحكومة سارعت عامة الشعب إلى سرقة أثاث اليهود وفرشهم وحليهم الذهبية والفضية واحتلال وفرهدة بيوتهم المهجورة وحوانيتهم ومخازنهم العامرة بالسلع المختلفة التي استودعوها في الخانات المنتشرة في أسوق بغداد، وفي جميع أنحاء العراق. وشمل الفرهود مكتبات وأثاث المدارس والنوادي اليهودية، وبيوت أغنياء اليهود من دور وفيلل التي بقيت ممتلئة بأثاثها وتحفها بعد أن غادرها أصحابها لا يحملون غير شنطهم، وقد سلموا مفاتيح دورهم إلى جيرانهم، وهو يبكون وينتحبون على ما تركوه وراءهم.

 

ت‌-   فرهود تهجير الشيعة من التبعية الإيرانية عام 1980: هذا الفرهود كانت بطلته الدولة نفسها، وليس العامة كما حصل بالفرهودين السابقان. فبعد أحداث الجامعة المستنصرية عام 1980 صدر قرار حكومي بتهجير الشيعة العراقيين من ذوي التبعية الإيرانية. وقد جرى تنفيذ هذا القرار بسرعة حيث هجر الألوف من هؤلاء بأوقات سريعة، خصوصا هؤلاء من الكرد الفيليين اللذين كانوا يسكنون بغداد، وألقي بهم على الحدود العراقية الإيرانية بعد أن تركوا وراءهم دورهم وأثاثهم وكل ممتلكاتهم. وبخلاف قانون تجميد أموال اليهود الذين سنته حكومة نوري السعيد، والذي تم بموجبه السيطرة على أملاك اليهود من قبل الدولة من دون التصرف بها، نجد أن هذا الفرهود قد تعدى عملية السيطرة إلى التصرف الفعلي بالأموال المصادرة. فلقد بِيع قسم من الدور والأراضي المصادرة إلى الناس، كما جرى تهديم البعض الآخر وبناء مبانٍ أخرى في محلها. أما الأثاث والمقتنيات، فقد وزعتها الدولة على أفراد معينين بكيفية معينة مارستها الدولة بطريقة خاصة, حيث ذهبت معظم الممتلكات المستولى عليها إلى أفراج موالين للحكومة والنظام.

 

ث‌-  فرهود احتلال دولة الكويت: حدث هذا الفرهود في عام 1990 بعد احتلال الكويت في الثاني من آب من ذلك العام. وقد شهد هذا الفرهود مرحلتين. المرحلة الأولى قامت بها الدولة عن طريق حملة منظمة جرى فيها تفكيك البنية الأساسية للكويت ونقل كل ما يمكن نقله إلى داخل العراق دون التعرض للممتلكات الخاصة التي تعود للمواطنين الكويتيين. أما المرحلة الثانية، فقد شملت قيام جموع من الناس ممن سمحت لهم الدولة بالدخول إلى الكويت بالإغارة على بعض الممتلكات العامة كالفنادق والنوادي والسينمات، وغيرها، انتقلوا بعدها إلى ممتلكات المواطنين الخاصة من أثاث دور وتجهيزات مخازن وسيارات وكل ما يمكن نقله وحمله، ونقلوها إلى داخل العراق، وباعوها للناس.

 

ج‌-    فرهود الانتفاضة الشعبانية عام 1991: بعد خروج القوات العراقية من الكويت إثر حرب عام 1991 حدثت انتفاضتان شعبيتان واحدة في محافظات الجنوب والوسط قام بها العراقيون من العرب الشيعة، والثانية في الشمال قام بها العراقيون الكرد. وفي كلتا الانتفاضتين حصل خلالهما فرهود عاما وشاملا استبيحت فيها كل ممتلكات الدولة في المنطقتين من مؤسسات ومصانع وشركات ومخازن ومستودعات، وغيرها. كما جرى أيضا استباحة القوات العسكرية المتقهقرة من الكويت والمنسحبة انسحابا فوضويا وغير منظم مما أتاح الفرصة للمنتفضين بالهجوم على تلك القوات وتجريدها من أسلحتها ومعداتها. ولم تنجوا من أعمال السلب والنهب حتى دور المواطنين ممن كانوا موالين للدولة من الموظفين والحزبيين، وجرى قتلهم وتصفيتهم، أو ممن هربوا من تلك المناطق للنجاة بحياتهم. وقد جرى تهريب معظم الممتلكات المسروقة إلى دول مجاورة للعراق. وحين قامت قوات الجيش والحزب الحاكم باستعادة السيطرة على المناطق المنتفضة جرت أعمال استباحة مضادة كانت بطلتها هذه المرة الدولة وقواتها لمصلحة الناس الذين فروا من تلك المناطق أثر اندلاع تلكما الانتفاضتين.

 

ح‌-    فرهود حرب (الحواسم) عام 2003: يعد هذا الفرهود أشمل وأوسع فرهود عاما حصل في التاريخ الإنساني على الإطلاق. فبعد احتلال العراق من قبل أميركا وغياب الدولة والشرطة والجيش عن السلطة والساحة وحدوث فراغ عام هبت جموع الناس في حملات عشوائية ومنظمة قامت فيها بسرقة عامة جرى فيها تفكيك البنية التحتية للدولة بطرق جرى التحضير والإعداد لها منا يبدو مسبقا. كانت الشاحنات تصطف قرب المصانع والمؤسسات، ويقوم أناس معدون لهذا الغرض مسبقا بأعمال التفكيك والتحميل، ومن ثم النقل إلى خارج البلد. وكان أكبر نصيب من هذه السرقات قد تلقاه الجيش العراقي، فقد جرى نقل كميات هائلة من السلاح والعتاد شملت الدبابات والمدافع والطائرات والصواريخ والأسلحة المتوسطة والخفيفة، وغيرها، نقلا بعضها إلى إقليم كردستان بينما نقل البعض الآخر إلى خارج العراق. وقد قدرت خسائر المؤسسة العسكرية العراقية وحدها بحوالي مئتي مليار دولار، أما خسائر الدولة ككل، فقد بلغ عدة مئات من مليارات الدولارات. لكن أكبر وأخطر سرقة حصلت بهذه الحملة هي تلك التي جرت للمتاحف العراقية، والتي سرق فيها من آثار وكنوز البلد ما لا يمكن تقدير قيمته أبدا. أما الأشياء التي لا يمكن سرقتها، فقد جرى تحطيمها وتدميرها بالكامل، أو حرقها، حتى تحولت الكثير من أبنية البلد العامرة إلى مجرد هياكل محترقة. استمرت هذه الحملة لعدة أسابيع، ولم تتوقف إلا بعد إن لم يتبق شيء يمكن سرقته. ومن الملفت للنظر أيضا أن القوات الأميركية المحتلة لم تتدخل قط لإيقاف عمليات السرقة والنهب، وتصرفت، وكأن الأمر لا يعنيها. وحين سأل أحد قادة هذه القوات عن سبب عدم تدخلهم قال نحن لسنا قوات شرطة لذلك لم نتدخل بالأمر.

 

خ‌-   فرهود العمليات العسكرية ضد قوى الإرهاب: في عام 2014 قام تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) باحتلال حوالي ثلث أراضي العراق شملت محافظات بكاملها منها نينوى والأنبار، وصلاح الدين مع أجزاء من كركوك وديالى وبغداد وبابل. وبعد مدة انطلقت العمليات العسكرية لتحرير المناطق المحتلة، وبعد كل مرة يجري فيها تحرير مدينة أو منطقة تحدث عمليات سرقة واستباحة عامة للبيوت الالخالية من سكانها، ولمؤسسات الدولة المتروكة من دون رقابة أو حراسة. ومن أكبر العمليات التي جرت ضمن هذه العمليات هي حملة استباحة مصفى بيجي الذي كان يعد أكبر وأحدث مصفى نفطي بالعراق ومنطقة الشرق الأوسط برمتها. فقد جرى تفكيك معدات هذا المصفى بالكامل، ونقلها إلى خارج العراق بعملية منظمة يصعب تبريرها أو تشخيص الجهات التي كانت وراءها.

 

وعدا هذه الاستباحات العامة الكبرى، فقد حصلت استباحات أخرى أصغر جرت في أوقات متفرقة قامت بها الدولة والعامة على السواء. فلقد حصلت بعض الاستباحات قام بها الجيش بالمدن والقرى الكردية أثناء العمليات العسكرية ضد التمردات الكردية في شمال العراق في أوقات مبكرة من عمر الدولة العراقية. وبعد ثورة 14 تموز عام 1958 هجمت بعض الجموع والجماهير على القصور الملكية والسفارة البريطانية، ودور بعض كبار المسؤولين في الدولة، وجرى نهبها وتحطيمها. وفي عام 1959 هجم بعض الناس على دور بعض قادة الحزب الإسلامي في بغداد، وجرى نهب محتوياتها في عملية فرهود مصغرة. وقد حصل ذات الأمر في الموصل وكركوك في نفس العام أثناء أعمال العنف التي حصلت في تلك المدينتان، والتي راح ضحيتها العشرات من الناس. كما حصلت استباحة مماثلة لمدينة المحمرة (خرمشهر) بعد احتلالها من قبل الجيش العراقي عام 1980 من قبل القوات التي احتلت المدينة أثناء الحرب العراقية الإيرانية.

 

5-  شيوع الفساد وسرقة المال العام بالعراق بعد عام 2003:

 

لم يكن إنتشار الفساد الحكومي بالعراق بحجومه الكبيرة بالسنين الاخيرة عملية وقعت من دون مسبقات, بل كانت لها أوليات جرت بشكل متسلسل. فبعد سقوط نظام صدام حسين في 9 نيسان عام 2003، لم يواجه العراق فراغاً سياسياً وسلطويا فحسب، بل حدث انهياراً شاملاً بجميع آليات الرقابة المالية والإدارية. وفي اللحظات الأخيرة قبل سقوط النظام السابق أرسل الرئيس صدام حسين ابنه قصي إلى البنك المركزي حاملا مذكرة يدوية موقعة من قبله تسمح له بسحب مبلغ مليار دولار نقدا من الأموال المودعة بالبنك بما يُعتبر أكبر عملية سرقة لمصرف في التاريخ,  لكن هذه كانت مجرد صيحات الأذان لحلول عهد جديد من الفساد المنظم. وقد تبع سقوظ النظام مراحل متعددة تطورت فيها عمليات الفساد بالعراق من رشاوى صغيرة إلى سرقات فلكية يمكن تلخيصها بما يلي:

 

أ‌-      المرحلة الأولى - فوضى إعادة الإعمار (2003-2008): خصصت الولايات المتحدة أكثر من 60 مليار دولار لإعادة إعمار العراق بعد الدمار الذي وقع فيه بسبب الحروب المتتالية والحصار الاقتصادي الذي دام 13 سنة. الكثير من هذه الأموال تبددت وتلاشت من دون أن يكون لها أثر محسوس، فقد بين تقرير المفتش العام الأمريكي الخاص للإعمار بأن مبلغا قدره 8 مليارات دولار قد صرف ببساطة وفق إهدار صريح لا مبرر له. كان السبب الجذري بهذا الهدر يكمن في شيئين مهمين أولهما هو أن نظام الاقتصاد النقدي السائد بالبلاد جعل من المستحيل تتبع الأموال التي أنفقت، أو معرفة أين أصبح مصيرها. والسبب الثاني هو الحماية التي توفرت للمسؤولين الفاسدين بناء على الانتماء الطائفي والحزبي. فقد مكن النظام القانوني الذي أشرفت أمريكا على بنائه بالعراق الأحزاب الطائفية التي صعدت إلى الواجهة تدريجيا من حمل درع قانوني يحمي قادتها ورجالها الفاسدين من كل تبعة قانونية فيما لو اكتشفت أي عمليات فساد. وفي هذه الفترة تحولت المشاريع الإنمائية بذاتها إلى مصدر ربح لتلك الأحزاب، فالمستشفيات والمحطات الكهربائية التي كان يفترض أن تعيد الخدمات الأساسية للمواطنين، أصبحت عقودها تمنح لشركات محسوبة على تلك الأحزاب، وبأسعار مضاعفة وجداول زمنية ممتدة وغير محددة. وعندما حاول بعض المسؤولين محاربة هذا النظام، واجهوا العنف المباشر، ففي عام 2006 اغتيل وكيل وزارة الصحة (عمار الصفار) أثناء محاولته فضح جوانب من الفساد الذي مورس بتلك الوزارة. كان الجميع يشعرون بهذا الفساد المستشري بالبلد, لكن هذا الفساد كان دائما ما يقيد ضد مجهول. وهكذا حولت موجة الإعمار العملاقة بهذه المرحلة القطاع العام من أداة لخدمة المواطن إلى آلة للإثراء الفردي.

 

ب‌-  المرحلة الثانية – مأسسة الفساد (2008-2014): مع تراجع الوجود الأمريكي وهيمنته على مفاصل الدولة بعد العام 2011، لم يتبدد الفساد بل تطور وتحول إلى منظومة مؤسساتية عميقة الجذور تشبه كثيرا منظمات "المافيا" في بعض الدول الشهيرة بالجريمة. فبعد شرعنة نظام المحاصصة في هيكل نظام الحكم أصبحت الوزارات الحكومية ليست غير حصص طائفية، وأصبح كل وزير يتعامل مع موارد وزارته المالية وكأنها غنيمة حزبية خاصة بالتنظيم الذي يتبع له. كان أخطر ما بهذا التقسيم هو الفساد الذي عشعش في قطاع النفط, الذي هو الشريان الحيوي الذي يمثل99%  من الصادرات العراقية إلى الخارج,  ويمول ما لا يقل عن 90% من الموازنة العامة للدولة. وبهذه المرحلة أيضا لم يعد الفساد يقتصر على مجرد رشاوى يتقاضاها موظفون حكوميون لقاء تسهيلات معينة، بل تحول إلى "صفقات" إستراتيجية تسلخ فيها المليارات عبر عقود وهمية، وتسعيرات لمشاريع مبالغ فيها، وعمليات تهريب للنفط الخام خارج سيطرة الدولة.

 

ت‌-  المرحلة الثالثة – عصر السرقات الفلكية (ما بعد العام 2014): في عام 2021 أعلن الرئيس العراقي برهم صالح رقما صادما بين فيه بأن 150 مليار دولار قد سرقت وهربت إلى خارج العراق منذ العام 2003، معظمه من أموال النفط. ويعادل هذا المبلغ تقريبا 15% من إجمالي إيرادات النفط منذ الغزو الأمريكي عام 2003 حتى ذلك العام. كانت هذه المبالغ المسروقة غير آتية من عائدات الحرب، أو من المساعدات الخارجية، بل هي قوت شعب يعيش ربعه تحت خط الفقر. ثم توالت بعدها فضائح السرقات الكبرى في الأعوام الأخيرة، ففي العام 2022 كشف الستار عن إكتشاف عملية احتيال ضريبي بـ 2.5 مليار دولار بعملية أطلق عليها "سرقة القرن". وفي حادثة أخرى أعلنت هيئة النزاهة عن وجود مصارف حكومية اختلس منها مبلغ 700 مليون دولار من أموال عامة مودعة فيها من دون أن توجه تهمة لأي مسؤول أو موظف. ومع ضخامة هذه السرقات وفلكيتها كان القليل جدا من المسؤولين الحكوميين يحال للعدالة، والأقل منهم يدان فعليا، بل حتى من يدان منهم ويسجن سرعان ما يطلق سراحه بعد مدة وجيزة بعمليات رشاوٍ وفساد أخرى.

 

وعلى الرغم من إنشاء هيئة النزاهة الإتحادية بالعراق في 31 كانون الثاني عام 2004 بموجب أمر سلطة الائتلاف المؤقتة رقم 55 الصادر عن مجلس الحكم العراقي وسن قوانين صارمة لمحاربة الفساد، إلا أن هذه الآليات ظلت عاجزة فعليا عن التصدي لظاهرة الفساد الخطيرة التي تفشت بالمجتمع العراقي. ويعود السبب بهذا العجز إلى عوامل عديدة أولها هو افتقار القضاء العراقي إلى السلطة التنفيذية الدولية لمطاردة الأموال المهربة إلى الخارج والقبض على مرتكبيها من المسؤولين الفاسدين. وثانيا، عادة ما يحاصر المفسدون أنفسهم بالبيروقراطية المالية، فالموافقة على تخصيص ميزانيات للتحقيقات الخارجية على سبيل المثال تتطلب موافقة وزارة المالية التي تخضع بدورها لضغوط سياسية يتسلط عليها فاسدين آخرين. وثالثا، غالبا ما يصفى، أو يقال أو يهمش كل من يقترب من كشف الفساد الكبير وفضح الرؤوس الكبيرة التي تتخفى خلفه. وتبين مراحل تطور الفساد التي عرضت أعلاه أن الفساد بالعراق لم يكن وليد الغزو الخارجي أبدا كما يظن البعض، لكنه تضخم بشكل غير مسبوق مع وقوعه. هناك مثل عربي شهير يقول " امال السائب يعلم السرقة"، وبالعراق يعد المال العام مالا لا صاحب له فيجوز بالتالي شرعا سرقته. واليوم، يحتل العراق المرتبة 20 من الأسفل بين دول العالم في مؤشر مدركات الفساد لمنظمة "الشفافية الدولية". وعلى الرغم من أن نتيجته قد تحسنت بشكل طفيف من 16 إلى 26 خلال عقد من الزمان, إلا أن هذا التحسن البطيء لا يلامس أبدا حجم الخسارة بالدخل القومي, فالعراق الذي يمتلك خامس أكبر احتياطي نفطي في العالم لا زال يعجز عن توفير حتى كهرباء مستقرة لمواطنيه، ولا يوفر ماء صحيا صالحا للاستهلاك الآدمي. وفي مقاربة بسيطة يجب أن نعرف بأن السرقة الفردية لسياسي واحد فاسد بمقدار مليون دولار تفتقر من جراء سرقته هذه ألف عائلة عراقية. وفق  هذه المقارنة فإن "السرقات الفلكية" التي وقعت بالعراق لم تكن مجرد أرقام في تقارير، بل هي سنوات عمر مهدرة، وأطفال يموتون في مستشفيات عاجزة بسبب مشاريع فاسدة، وشباب يهاجرون إلى الخارج أو ينضمون إلى الجماعات المسلحة بعدما سرقت كل آمالهم بمستقبل أفضل. الفساد في العراق، إذن، ليس جريمة اقتصادية صرفة، بل هو كما يقال بقاموس الاقتصاد السياسي "الطريق الأمثل لخلق مجتمع متخلف يعج بالفوضى والعنف وفقدان الأمان".

 

6-  النتيجة المستخلصة:

 

يمكن مما تقدم الوصول إلى نتيجة حاسمة وهي أن استباحة الأموال العامة والخاصة هو ثقافة شائعة بالعراق موجودة منذ عقود وربما قرون, تمارسها العامة من وقت لآخر كلما سنحت الفرصة لذلك، وقد اكتسبته سلطة الدولة من الناس حتى أصبحت هي تمارسه أيضا في بعض المناسبات. وتعود هذه الظاهرة إلى الطبيعة البدوية للمجتمع العراقي المبنية على فكرة (الغزو) والاستيلاء على ممتلكات الغير بالقوة. ويعني هذا بأن العراقي لم يتخلص من طبيعته البدوية على الرغم من عيشه في مجتمعات حضرية لمئات السنين، وهذا ما أكدته الكثير من الدراسات الاجتماعية. وبدون مبالغة فإن هذه الطبيعة تعطي الإنطباع بأن الكثير من العراقيين يحملون في تكوينهم هذا الجين الخطير بشكل كامن, وإنه قابل للتنشيط والتفعيل بمجرد توفر الظروف والبيئة المناسبة لذلك. وقد حاول بعض المفكرين الادعاء بأن هذه الظاهرة هي ظاهرة عربية، وليست عراقية حصرا بدليل حصول نفس الشيء في تونس ومصر خلال ثورتيهما الشعبية خلال حركة الربيع العربي عام 2011. يمكن أن يكون هذا صحيحا إلى حد ما لكنه يمثل جزءا صغيرا من الحقيقة، وليس كلها؛ لأن مستوى ما حصل في العراق مقارنة بما حصل في دول عربية أخرى لا يمكن أن يقارن أبدا بسعته وحجمه. ففي تونس ومصر مثلا جرى فعلا تحطيم بعض المحالّ التجارية وسرقة محتوياتها، كما جرت بعض حوادث التدمير من خلال تحطيم بعض السيارات وحرقها بالشوارع، لكن ما حصل بالعراق، خصوصا في فرهود عام 2003 ليس له نظير على الإطلاق. ولو نظرنا إلى مستوى السرقات التي حصلت بالعراق وأعمال التدمير والحرق بعد الغزو بعام 2003 لوجدنا بأنها أزالت تقريبا دولة كاملة من الوجود، وأفنت كل ما بنته خلال ثمانين عاما، ولم تتركها إلا بعد أن أصبحت خاوية على عروشها، ولأدركنا حقيقة بأنها تمكن أن تعتبر أكبر استباحة عامة للمال العام يقوم بها شعب عبر كل التاريخ الإنساني. وبعد فشل كل المحاولات الطبيعية للحد من هذه الطبيعة المرضية يتضح جليا بأنها غير قابلة للزوال بسهولة، وحتى ليس بالإمكان جعلها تتضاءل إلا من خلال طريق واحد لا ثاني له هو تغليظ العقاب وفرض سلطة القانون بشكل صارم وحتى قاس، لأن كل الإرشادات الدينية والحملات التربوية التي تمارس لم تصل إلى نتائج حاسمة بهذا المجال مما يجعل خيار القانون وفرض سلطته هي الطريق الوحيد المتاح للتغلب على هذه النزعة. 

 

 

المراجع:

 

1- داء السرقة.. انحراف في الشخصية - د.اسعد الامارة – السويد - استاذ جامعي وباحث سيكولوجي

http://brob.org/old/saha/saha52.htm

2- التحليل النفسي لجرائم السرقة - د. لطفى الشربينى مستشار الطب النفسى

http://kenanaonline.com/users/alenshasy/posts/442422

3- كيف تصنع سارقاً؟ - السيد فاضل علوي آل درويش

http://www.juhaina.net/?act=artc&id=12903

4-    هوس السرقة بين المرض والاحتراف

http://www.almutmar.com/index.php?id=20147283

5-    لمحة عامة: هيئة النزاهة الاتحادية – مايكل نايتس

https://www.washingtoninstitute.org/ar/policy-analysis/lmht-amt-hyyt-alnzaht-alathadyt