بقلم الدكتور وسام الشالجي
مقال يمثل رؤية وتحليلًا شخصيًا للكاتب بمناسبة مرور 250 عامًا على استقلال الولايات المتحدة الأمريكية
لا يمكن لأي إنسان أن يعرف حقيقة الولايات المتحدة الأمريكية كدولة، وكمجتمع إنساني من غير أن يقطن هذا البلد، ويعيش فيه، ويختلط بأهله, أو على الأقل يزوره. الدولة الأمريكية بلد فريد من نوعه بكل شيء, فقد خصه الله تعالى بخصائص لا مثيل لها، وأنعم عليه بنعم هي أشبه بالمعجزات، وجمع تحت ظلها شعوب وأعراق وأجناس من كل نوع، ومن كل فصيلة إنسانية وجدت على سطح هذا الكوكب. تأسست الولايات المتحدة الأمريكية يوم 4 تموز (يوليو) عام 1776 على يد مجموعة من الرجال العظام سميوا بالآباء المؤسسين. وكانت قبل هذا التاريخ مجرد مجموعة مستعمرات ثارت على الإمبراطورية البريطانية الاستعمارية في ثورة جبارة اندلعت شراراتها الأولى بولاية ماساتشوستس في 19 نيسان (أبريل) عام 1775 لتتحول بعدها إلى حرب تحرير شاملة سميت بحرب الاستقلال استغرقت ثماني سنوات، وانتهت رسميا بتوقيع "معاهدة باريس" في 3 أيلول (سبتمبر) عام 1783 بنيل الاستقلال الكامل. والولايات المتحدة الأمريكية هي واحدة من أقدم الجمهوريات الدستورية والديمقراطية والاتحادية الموجودة بالعالم, إذ تحكمها سلطة منتخبة بموجب الدستور الذي يعد الوثيقة القانونية العليا للبلاد. ويصون القانون بهذه الدولة حقوق الأقليات مهما اختلفت أعراقهم وأجناسهم وأديانهم، ويوجد فيها أنظمة وقوانين تحدد السلطات, وتضع التوازنات اللازمة لتنظيم عمل الحكومة حسب مواد الدستور الأميركي. يقدر عدد نفوس الولايات المتحدة حوالي 350 مليون نسمة تضم جميع الأعراق الموجودة بالعالم التي انصهرت وذابت في بوتقة واحدة لتكون نسيج واحد مترابط ومتماسك هو شعب الولايات المتحدة الأمريكية، وتعد بذلك ثالث أكبر دولة في العالم بالوقت الراهن من حيث عدد السكان. وتتكون الدولة من 50 ولاية شبه مستقلة، أكبرها من ناحية عدد السكان ولايات كاليفورنيا وتكساس وفلوريدا، وترتبط كلها بالحكومة الفدرالية المركزية الواقعة بالعاصمة واشنطن دي سي.
الولايات المتحدة الأمريكية هي الدولة الأولى في العالم في الكثير من الأشياء، فهي القوة الاقتصادية والعسكرية والسياسية الأولى والأعظم والأكثر هيمنة وتأثيرا على المسرح الدولي. كما تحتل أمريكا المرتبة الأولى عالميا في الناتج المحلي الإجمالي، ومستوى الإنفاق العسكري وحجم قواتها المسلحة، وكذلك قوة الجامعات وقدرات البحث والتطوير، وقيمة الأسواق المالية. وتعد العملة الأمريكية "الدولار" العملة الأولى بالعالم إذ يمثل العملة الأكثر استخداما في المعاملات والتجارة الدولية، وبه تبرم العقود وتعقد الاتفاقيات بمتوسط حجم تداول يومي يتجاوز تريليونات الدولارات، وهو العملة الأساسية لتسعير السلع العالمية الثمينة كالنفط والذهب. وعدا عن ذلك، فإن أمريكا هي الدولة الأولى بالعالم في إنتاج النفط والغاز الطبيعي والكثير من المعادن، وحتى في إنتاج المحاصيل الزراعية والمواد الغذائية. لا تستورد أمريكا من الخارج إلا المواد التي لا تسد إنتاجيتها منها مدى الحاجة لها مثل الأجهزة والمعدات الكهربائية والإلكترونية، السيارات وقطع الغيار، وأكثر الدول التي تستورد منها هي الصين وكندا والمكسيك.
كل ما تقدم لا يهم كثيرا بقدر أهمية ميزة عظمى تتمتع بها الولايات المتحدة الأمريكية أكثر مما هي موجودة بأي بلد آخر بالعالم, تلك هي "الحرية". فما أن تطأ قدمك الأرض الأمريكية حتى تتنفس من هوائها نسمات منعشة من المستحيل أن تستنشقها في أي مكان آخر بالعالم, هذه النسمات هي نسمات الحرية التي هي أنفس وأثمن من يملكه الأمريكي بهذه الحياة. ويُعبَّر عن الحرية في الولايات المتحدة الأمريكية من خلال إطار قانوني ومؤسسي راسخ يسمى وثيقة الحقوق (Bill of Rights), حيث تضمن هذه الوثيقة حريات وحقوقاً أساسية للمواطنين لا يمكن المساس بها بأي حال من الأحوال. وتتجلى هذه الحريات في عدة ركائز أساسية، أبرزها حرية التعبير وحرية الصحافة, حرية المعتقد والدين, حرية التجمع وتكوين الجمعيات, الخصوصية المطلقة بما في ذلك حرية حيازة السلاح. الدرة الثمينة الأخرى في أميركا هي "المساواة"، فجميع المواطنين مهما اختلفت أعراقهم وأجناسهم وألوانهم متساوين مساواة مطلقة أمام القانون، وهي حق دستوري نص عليه إعلان الاستقلال. وحتى وأن كانت هناك بعض الإخفاقات في تحقيق المساواة، فغالبا ما يكون سببها تصرفات فردية، إلا أن المجتمع يناضل باستمرار من أجل تكافؤ الفرص والحقوق بين الطبقات والفئات الاجتماعية المختلفة. وعدا عن هذا وتلك، فإنك ستلمس بعد كل خطوة تخطيها بالولايات المتحدة مظاهر العظمة بكل شيء تراه أمامك، سترى الطرق السريعة العملاقة بطبقاتها المتعددة وجسورها التي تقطع الفضاءات؛ لتسهل الحركة، وتيسر التنقل. ستنبهر من الأسواق الضخمة مثل محلات (ولمارت Walmart)، وساعات عملها التي قد تصل إلى 24 ساعة باليوم دون توقف، وستذهلك كثرة المطاعم ووجباتها الشهية التي لن تجد مثيلا لها بأي بلد آخر بالعالم. أما قمة الدهشة التي ستصيبك فهي حين تنتقل إلى المدن التي لا تعرف النوم مثل نيويورك وشيكاغو ولوس أنجلس وغيرها, التي يندمج نهارها بليلها، لتجد نفسك وكأنك تعيش بعالم الخيال وأرض الأحلام. أما لا تابعت مباريات كأس العالم لكرة القدم التي تجري بعضها الآن في أميركا، فلا بد، وأنك قد ذهلت من ضخامة الملاعب التي تستوعب أعدادا هائلة من المتفرجين، ولا بد أيضا أنك قد دهشت من ضخامة الشاشات العملاقة التي تريك كل زاوية من زوايا الملعب بدقة بالغة، ووضوح لا مثيل له. ما كان هذا ليحدث لولا التطور والتقدم اللذان هما صفتان ملازمتان لكل إنجاز يحدث بهذا البلد الرائع.
عاشت الولايات المتحدة حوالي قرنين ونصف، وهي تستقبل بترحاب بالغ المهاجرين من كل أنحاء العالم لتضمن لهم حياة رغيدة ومستقرة، فيما يقدمون لها من جانبهم عصارة خبراتهم ومهاراتهم في عملية تبادل للمنافع والفرص التي تترك آثارها الإيجابية على الجميع. غير أن الأمر اختلف بالثلاثة عقود الأخيرة، وبالأخص بعد أحداث 11 أيلول (سبتمبر) 2001 إذ فتحت الأبواب مرة واحدة على مصراعيها لتستقبل هذه المرة ملايين المهاجرين المختلفين تماما عن كل موجات الهجرة التي سبقتهم لهذا البلد. صارت ضمن الموجات المهاجرة الجديدة فئات تحمل صفات مدمرة للمجتمع، ومرهقة للدولة، إذ صار أغلب أفراد هذه الفئات يأتون للولايات المتحدة الأمريكية من أجل طلب المنفعة والفائدة من جانب واحد دون أن يقدموا أي شيء بالمقابل. دخلت البلاد كتلا بشرية أصبحت تعتاش على المساعدات الحكومية، أو تسعى لنيل فرص لكسب الأموال عن طريق التحايل على القوانين. جموع من المجرمين تسللوا للبلد بلا أوراق، وبلا وثائق رسمية اندسوا وتغلغلوا بالمجتمع، وراحوا يمارسون أقذر المهن من دعارة ومتاجرة بالمخدرات وكل الحرف المنحطة. غير أن أخطر من قدموا للبلاد لا هذا، ولا ذاك، بل أعداد كبيرة من المتطرفين والمتشددين الذين صاروا يتمتعون بكل ما هو متاح من حريات لبث سمومهم التي تهدد المجتمع الأمريكي، وتدمر قيمه بالصميم. وبدل من الإدماج بالمجتمع الأمريكي، وشكر الله الذي أتاح لهم نعمة الهجرة لهذا البلد والتمتع بفرصه ومزاياه صار هؤلاء يحملون علنا لواء الاختلاف بكل شيء، في ملبسهم، وفي مظهرهم، وفي ممارساتهم، وفي عباداتهم، وفي طريقة حياتهم، وفي كل شيء آخر يحملونه بجعبتهم. كون هؤلاء كانتونات منعزلة حتى صار من يدخل إليها يشعر بأنه ليس على الأرض الأمريكية بل في مناطق تتصف بكل مظاهر التخلف، وكأنهم يعيشون بعصور تسبق عصر التحضر. صار هؤلاء يتصرفون بطريقة يصعب احتواؤها, وظل أذاهم ينصب بإستمرار على المجتمعات المحلية التي يعيشون بوسطها. المشكلة الأكبر هي أن وجودهم وحضورهم ظل يتزايد ويتوسع بصورة متسارعة حتى أصبحوا أكثرية بالمناطق التي يعيشون فيها، وصار المسؤولون الذين ينتخبون بها منهم وصاروا ينفذون أجنداتهم. بالنسبة للمجرمين والمهاجرين غير القانونيين أخذت السلطات تتخذ الإجراءات اللازمة بحقهم من ملاحقة وترحيل، وقد شهدت البلاد بالسنتين الأخيرتين عمليات ترحيل واسعة لم يسبق لها مثيل. غير أن المقلق جدا هو ما يتعلق بالمتطرفين والمتشددين إذ لا يعرف أبدا كيف سيكون مستقبلهم ومصيرهم بهذه البلاد، ولا يعرف أيضا كيف ستكون ردود أفعال الشعب الأمريكي تجاههم فيما لو بقوا على ما هم عليه. من الأكيد أنهم لن يتركوا سدا، وقد يطالهم الترحيل أيضا. غير أن المحزن بهذه الحالة هو أن "الأخضر سيباع بسعر اليابس" بسبب تصرفات هؤلاء غير الواعية والمدركة، لأن أي سوء سيطالهم سيطال أيضا عناصر كثيرة من المهاجرين الخيرين الذين جاءوا لأمريكا بنوايا حسنة، ومخلصة.
في ظل موجات التطور المذهلة والثورات الصناعية المتتالية من المتوقع أن تصبح الولايات المتحدة الأمريكية بالعقود القادمة دولة جديدة من طراز آخر مختلف تماما عن كل ما موجود فيها الآن، ولن تشبهها أي دولة أخرى بالعالم. فمن المرجح أن تدخل الحداثة والتقنيات الجديدة المبتكرة كل زاوية من زوايا الحياة، وسترتفع مستويات الصحة العامة بشكل متسارع، وستمتد الأعمار حتى يكون عمر المئة عام شيء عادي ومنتشر بكل مكان فيها. وفي نطاق المال والاقتصاد من المؤكد أن الولايات المتحدة الأميركية ستبقى الدولة الأغنى بالعالم, والبلد الأول بكل نواحي الصناعة ووفرة الإنتاج مع الاحتفاظ بالصدارة وتسيد الأسواق العالمية نتيجة لجودة منتوجاتها وسمعتها المتقدمة. أما في مجال القوة والسيطرة والنفوذ, فستبقى أميركا على الأرجح الدولة الأولى والأقوى عالميا، ولن تصل إلى مصاف جيشها وقواتها المسلحة أي قوة أخرى بالعالم. أما الأكثر أهمية من كل ما تقدم هو أن أميركا ستقتحم عالم الفضاء بكل قوة, حيث أن من المنتظر منها أن تبني بالعقود القادمة قواعد دائمة على القمر والمريخ، وستواصل إرسال المركبات إلى العوالم البعيدة الأخرى، وقد لا يمر وقت طويل حتى تعلن عن اكتشاف وجود حياة في بعض الأجرام السماوية، ليس بالضرورة أن تكون حياة عاقلة لكن على الأقل بعض أنواع الحياة. الخلاصة في كل ما تقدم هو أن الولايات المتحدة الأمريكية إذا ما استطاعت أن تحافظ على قيمها ومزاياها وصفاتها، وتصدت لكل المساعي التي تسعى لتغييرها ستكون حتما "أمة عالمية"، وستكون جديرة بأن تمثل جميع دول وأمم كوكب الأرض أمام أي حضارات فضائية أو عوالم أخرى ستكتشف بالمستقبل. حفظ الله أميركا وأدام عليها كل نعمه، وحفظ شعبها من كل سوء، ومدها على الدوام بكل عوامل الرفعة والسؤدد والازدهار.
د. وسام الشالجي
4 تموز (يوليو) 2026
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق