الخميس، 11 يونيو 2026

لائحة حقوق الانسان, متى تصبح قانونا أمميا ساريا وملزما؟

 يعتبر الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر عن منظمة الأمم المتحدة في 10 كانون الأول (ديسمبر) عام 1948 أنبل وأرفع وثيقة وقعتها وأصدرتها أنامل بشرية على وجه الأرض منذ أن ظهرت الخليقة على ظهر هذا الكوكب حتى يومنا هذا. يمكن القول بأن هذه اللائحة هي أكثر قانون عادل ظهر ينصف الحقوق ويضمن الحريات, بل هو بشيء من الجراة والشجاعة أكثر عدالة وإنصاف من معظم الأديان الموجودة بهذا العالم؛ لأنها تنظر إلى الإنسان ككائن بشري يجب أن يتمتع بكل الحقوق التي تحفظ حياته، وتصون كرامته، وتضمن حريته، وتدافع عن ملكياته. تتكون هذه اللائحة من 30 مادة تمثل رؤية المشرع العالمي للحقوق التي يجب أن تكفلها المجتمعات الإنسانية لجميع الناس مهما كان عرقهم أو جنسهم, أو لونهم, أو طباعهم. وتتضمن اللائحة مواد كثيرة أهمها المادتين الأولى والثانية اللتان تعتبر جميع البشر متساوين في الكرامة والحقوق دون تمييز على أساس العنصر أو اللون أو الجنس أو الدين أو الرأي السياسي أو المعتقد. كما تضم اللائحة مواد تدعو إلى أن يتمتع الإنسان في أي مكان على وجه الأرض بكل أنواع الحرية المتاحة كحرية المعتقد والدين وحرية التفكير والرأي والانضمام إلى الجمعيات والمنظمات والجماعات السلمية، وعدم إكراه أي إنسان على الانتماء إلى جمعية أو فئة ما، وعدم تعريضه للاستعباد أو التعذيب أو الحجز أو النفي بأي شكل من الأشكال. ومن المواد البالغة الأهمية بهذه اللائحة تلك التي تتعلق بحق الإنسان بالتعليم والزواج وبناء الأسرة والملكية الخاصة والعمل والتنقل والسكن في المكان الذي يختاره، وممارسة الحقوق الثقافية, والتمتع بالفنون الإنسانية والكثير من الحقوق الأخرى. وفي المادة الأخيرة من الإعلان جرى التأكيد بأن الحريات والحقوق التي وردت بذلك الإعلان هي حقوق شرعية، ولا يجوز لأي دولة أو جهة تأويل أي منها بما يدعو إلى مصادرة أو هدم الحقوق والحريات التي وردت فيه.

 

صحيح أن الإعلان العالمي لحقوق الإنسان بتشريعه الأممي غير ملزم بالوقت الحاضر، وليس هناك من وجود لسلطة ما أو قوة تضمن تطبيق كل ما ورد فيه، لذلك، فإن انتهاك حقوق الإنسان ظل يمارس على قدم وساق في الكثير من دول العالم دون أي خشية أو تبعة قانونية يمكن أن تطال الجهة التي تمارسه. وصحيح أن العالم قد خطى في العقدين الأخيرين خطوات مهمة على صعيد إشاعة تطبيق لائحة حقوق الإنسان، وحتى فرضها بشكل غير مباشر من خلال عدد من الإجراءات التشريعية من بينها تأسيس محكمة الجنايات الدولية التي أخذت تتولى النظر في القضايا التي تنتهك بها الحقوق المدنية للمواطنين في أي دولة من دول العالم. وصحيح أيضا بأن الدول أصبحت أكثر حذرا في عصرنا الراهن حين تقوم حكوماتها، أو أي من وسائلها وكياناتها بانتهاك حقوق الإنسان على أراضيها، أو إذا ما حصلت فيها بأي شكل من الأشكال جرائم ضد الإنسانية، لكن كل هذا لم يكن كافيا، ولا زال الإنسان يعيش في الكثير من بقاع الأرض بأحوال تنتهك فيها يوميا، وتضيع الكثير من حقوقه الإنسانية دون أي محاسبة، أو خشية. وهناك بعض الدول تصنف على أنها من أكثر دول العالم انتهاكا لحقوق الإنسان، وتشمل: كوريا الشمالية، إريتريا، أفغانستان، سوريا حيث تمارس فيها انتهاكات جسيمة وممنهجة لحقوق الإنسان تتضمن: القمع السياسي الشديد، تقييد الحريات الأساسية، غياب العدالة، الاضطهاد والتعذيب. العنصرية والفئوية. وعدا عن هذه الدول هناك دول أخرى تجري فيها ممارسات لا تقل شراسة وإيذائا بهذا المجال مثل إيران، تركمانستان، روسيا، الصين، بلاروسيا، ميانمار، إسرائيل, وغيرها. وحتى في بعض الدول المتقدمة التي تدعي صيانة الحريات وممارسة الديمقراطية لازلنا نجد أن بعض حقوق الإنسان ما فتئت تنتهك دون مراعات لشيء بسبب وجود ثغرات قانونية وتجاوزات أمنية كثيرة من بينها: تفشي العنف الأسري، إفلات الجناة من العقاب، التضييق على حرية الرأي والمعتقد وممارسة العقائد الدينية, التمييز العنصري ضد اللاجئين والنازحين بالكثير من الأمور, وغيرها. ومن سخرية الأمور أن البلد الذي سنت به لأول مرة بتاريخ البشرية القوانين التي تصون حقوق الإنسان، وتضمن تطبيقها هو من أكثر الدول التي انتهكت فيه هذه الحقوق على مدى تاريخه القديم والمعاصر. فمن آلاف السنين، ومنذ العصر السومري والبابلي شرعت في بلاد الرافدين القوانين واللوائح التي تحدثت عن حقوق الإنسان وضرورة، وتطبيقها وإدامة سريانها، وما مسلة حمورابي التي تتضمن العديد من المواد التي تؤمن هذه الحقوق إلا مثلا واضحا على مدى تطور وسمو العقلية العراقية، وكيف سبقت البشرية بهذا المضمار.

 

إن هيئة الأمم المتحدة بصفتها الجهة المشرعة للائحة حقوق الإنسان لا زالت عاجزة عن فرضها وتطبيقها على مستوى العالم لكونها مجرد منتدى للحكومات من دون أي سلطة أو صلاحيات ملزمة، وبالتالي، تحكمها الاعتبارات السياسية، وليس اعتبارات العدل والمساواة والقانون، مما يجعلها غير قادرة على أن تقوم بدورها كاملا، وكما ينبغي في مواجهة حكومات كثيرة تملك مزايا العضوية، لكنها بنفس الوقت تنتهك حقوق مواطنيها بوضح النهار، وأمام أنظار جميع دول العالم. إن الكثير من الدول الأعضاء في الهيئة تمارس انتهاكات جسيمة ومعتبرة لحقوق الإنسان على أراضيها دون أن يؤثر ذلك على مزايا عضويتها في الهيئة، أو حتى يزيل آهليتها لعضوية لجنة حقوق الإنسان آو أي من اللجان الأخرى المنبثقة عن الهيئة. ومما يدل على ذلك عدم استخدام آلية العقوبات الجماعية بقدر واضح ومنصف على الدول التي تنتهك حقوق الإنسان. فمثلا لم نر قط قيام هيئة الأمم المتحدة بإتخاذ أي إجراء على جنوب أفريقيا حين كانت تمارس نظام الفصل العنصري والتمييز ضد الأفارقة السود من السكان الأصليين. ولم نر أيضا الهيئة تستخدم قط آلية العقوبات ضد إسرائيل بسبب انتهاكاتها الجسيمة للقانون الدولي لحقوق الإنسان, والقانون الدولي الإنساني تجاه الشعب الفلسطيني وتجريده من حقوقه في أرضه وحقه في تأسيس دولته المستقلة. إن هذه الأوضاع تستدعي إعادة النظر بلائحة حقوق الإنسان جذريا، سواء من ناحية تعديلها وتقوية موادها, خصوصا تلك التي تتعلق بحقوق الطفل وحقوق المرأة, وتحريم المتاجرة بالبشر والأعضاء. وأخيرا، يقتضي الأمر إصدار هذه اللائحة من جديد لتكون تحت طائلة الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة الذي يتيح اتخاذ كافة الإجراءات التي تضمن تطبيق موادها, سواء إن كانت عن طريق استخدام القوة، أو من خلال فرض العقوبات الاقتصادية. بهذه الطريقة فقط يمكن أن نقول: بأن الإنسانية أصبحت بخير، وأن الجنس البشري سينعم أخيرا بالأمن والوئام والسلام والتآخي.

 


 

وسام الشالجي

11-6-2026

ليست هناك تعليقات: