ورغم قوة وجسامة الضربات الأميركية والإسرائيلية على إيران التي كان ترامب ومساعديه يعتقدون أنها ستقضي على هذا البلد بفترة وجيزة، إلا أن إيران أظهرت قوة غير متوقعة وقدرة على الصمود لا يمكن أن تكون هي وليدة إمكانات هذا البلد لوحده من دون تدخل قوى أخرى صارت كما يبدو تمسك بأيديها خيوط خفية تمكنها من لعب أدوار لا يستهان بها بهذه اللعبة. لا أريد أن أتوجه بالاتهام لدولة معينة؛ لأني ببساطة لا أملك أي دليل على هذا، لكن الأنظار تكاد لا تبتعد عن الصين وروسيا، بل وحتى دول أوربا التي لم يعجبها ترامب، ولا سياساته، ولم تخف بكل مناسبة من إظهار مشاعر العداء تجاهه. لقد كان واضحا من مواقف أوربا مع ترامب شخصيا، ومع أميركا كبلد حليف لا يتفق أبدا مع سياسات مشتركة ظلت تتبع على مدى أكثر من ثمانين عاما، فبخلت حتى بالوقوف المعنوي معه، وصارت تتشفى بتعثر خطاة بهذا المستنقع وتتمنى, بل تستعجل غرقه فيه. وفي أميركا نفسها، البلد الذي وجد نفسه فجأة في خضم حرب ربما أجبرته الظروف على خوضها نجد أن الشعب الأميركي خذل رئيسه، ولم يقف إلى جانبه، وصار يتذمر ويتشكى بشدة من ارتفاع الأسعار، وكأن تلك الحرب لا تعنيهم، ولسان حالهم يقول له: "اذهب أنت وربك فقاتلا إنا ها هنا قاعدون". وحتى الحزب الديمقراطي، الحزب الذي يفترض بأنه مؤسسة وطنية تهمها مصلحة البلاد قبل أن تهمها المصالح الضيقة بفوز هذا المرشح أو ذاك صرنا نراه يشن هجومات عنيفة على الرئيس، ويتهمه بجر البلاد إلى كوارث وأزمات هي بغنى عنها، وكأن إيران لم تكن بيوم من الأيام عدو صريح لها. وفعلا وجد الرئيس الأميركي نفسه وحده بهذه الحرب وصار يتخبط ويتعثر ولا يعرف كيف يتصرف حيالها.
وإذا تحدثنا عن حرب أميركا على إيران لا بد أن نمر على إسرائيل بصفتها المحرض الأكبر لأميركا للانزلاق بهذه الحرب. لا أدري كيف استطاع رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو أن يجر الرئيس ترامب؛ ليورطه معه بهذه الحرب، خصوصا وأن هناك مبدأ أساسي لا يخفى على رجال الأعمال يقول: "لا تشارك أبدا بمشروع من خسر مرتين قبلها"، ورئيس الوزراء الإسرائيلي لم يخسر مرة واحدة بل خسر مرات عديدة. نتنياهو لم يستطع القضاء على حماس بحرب استمرت لعامين، ولم يتمكن من القضاء على حزب الله وهو يحاربه منذ عقود، ولا هو قضى على البرنامج النووي الإيراني رغم قصفه له مرات عديدة، ولا هو حقق ما يريده شعبه من أمن وطمأنينة بمشاريع السلام مما يجعل هذا الرحل فاشلا بكل شيء مضى فيه. كان يمكن بسهولة أن يحقق نتنياهو السلام لإسرائيل لو اتفق مع ياسر عرفات بمؤتمر كامب ديفيد بأواخر القرن العشرين، وخرج مشروع الدولتين إلى الوجود حقا وحقيقة، ولما سبب لنفسه، ولبلده كل هذه الخسائر والأزمات. لكن يبقى الغريب هو كيف إستطاع هذا الفاشل بان يجر رئيس ذكي وفطن مثل ترامب، وهو رجل أعمال قبل أن يكون سياسيا؛ ليوقعه على حين غرة بحرب لا مخرج منها.
وبعد الأوضاع التي وصلت إليها الأحوال مع إيران الآن لا بد من امتلاك الجرأة بالقول: بأنها قد تحولت إلى أزمة مستدامة، وموضع استنزاف وخسارة مستمرة لأميركا لا يمكن تجاهلها. ليس هذا فقط، بل سببت هذه الحرب الأذى حتى لحلفاء ترامب المخلصون بدول الخليج، وأوقعت فيهم خسائر فادحة ستترك آثارا جسيمة وموجعة عليهم كلما استمرت وقتا أطول. لذا، فقد أصبح الخروج من هذا المأزق هو أسلم الحلول، وفيه فائدة ومصلحة للجميع. الحل الوحيد الممكن الآن هو أن يدرك الرئيس الأمريكي الوضع الذي صار به، وأن يمتلك الشجاعة للخروج من هذه الحرب بأي طريقة, بنفس الطريقة التي سعى بها برئاسته الأولى لإنهاء الحرب في أفغانستان، وأن يترك شؤون الشرق الأوسط لدوله لكي يحلو مشاكلهم بأنفسهم، ويعرفون كيف يتعاملون مع إيران سواء عن طريق السلم أو الحرب. لا يهم إذا ادعت إيران بالانتصار بهذه الحرب، فهذا ليس غير موضوع إعلامي لا يقدم ولا يؤخر، وأميركا قد خبرت مثل هذه المواقف كثيرا من قبل. يجب أن يعود المبدأ "أميركا أولا" بأولويات الرئيس ترامب وإدارته والشعب الأميركي، وأن يسعى الرئيس فيما تبقى من رئاسته بتحقيق الأمن والرفاهية والسلام لمواطني بلده، ويترك بلدان العالم لتحل مشاكلها وأزماتها بنفسها فأميركا ليست وصيا على أحد، وهي ليست شرطي العالم، والمضي من الآن فصاعدا كما يقول المبدأ: "لندع مال قيصر لقيصر، ومال لله لله".
وسام الشالجي
2026-6-7
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق