لم يعد بالإمكان بعالم اليوم بوجود فيه قرابة ثمانية مليارات من البشر المقارنة بين التفاهة والجدية مطلقا لأنها مقارنة غير متكافئة بالمرة فالأولى تسود العالم، ولها وجود ومرتع وأفضلية بكل مكان، والثانية منزوية باستحياء ولا تجد من يقدرها ويهتم بها أحد. التفاهة لا تقدم للعالم غير المتعة الفارغة والصيحات التي لا معنى لها لكنها مع ذلك منتشرة وسائدة وتجد رواجا لا مثيل له، أما الجدية والعقل فلا يقدمان إلا ما هو مفيد وصالح ونافع حتى وإن لم يهتم بهما اي شخص. التفاهة لا تحتاج إلا القليل من الإنفاق لكنها بالمقابل تكسب المليارات والملايين، أما العقل والجدية وما يبتدع منهما فهو يحتاج لإنفاق عال لكن مكاسبه بالنهاية قليلة وبسيطة. فتاة جميلة تهز وسطها وتظهر مؤخرتها بفيديو تحصل على ألوف وربما ملايين المشاهدات بوسائل التواصل الاجتماعي، بينما فيديو عن المركبة فويجر السائرة بأعماق الفضاء أو المركبة برسفيرنس التي تستكشف المريخ وما تحقق منهما للبشرية فلا يشاهده إلا عشرات وربما المئات بأحسن الأحوال. كوب قهوة بغلاف بوجه قطة أو كلب يغزو العالم ويباع الملايين منه ويكسب ثروات طائلة، لكن خبر صنع سماعة إذن جديدة أو نظارة ليزرية تفيد الملايين من البشر المعوقين لا يقرأه أو حتى يهتم بسماعه أحد. أكلة يوضع بها المتبلات الفلانية التي ربما تجعل منها أكلة لا تطاق ولا حتى يمكن أن تأكل يهرع لتجربتها الملايين ويكسب من يبتدعها ومن بيع تلك المتبلات أموال لا تحصى، بينما عالم يحصل على جائزة نوبل بالفيزياء أو الكيمياء لا يهتم بمعرفة اسمه أحد ولا حتى يقرأ خبر فوزه أي شخص. موبايل جديد يكلف مئات وربما ألوف الدولارات يقف لاقتنائه بأول ظهوره طوابير لها أولا وليس لها آخر من البشر, وكثيرا ما يكتشفون بعدها بأنه يكاد لا يختلف عما كان عندهم قبله، بينما سيارة تمر على الأحياء السكنية لتجمع من بيوتها الملابس القديمة للفقراء لا يهتم بوضع ما تجمعه من ملابس قديمة بباب منزله أحد. أغنية خفيفة شبابية جديدة كلماتها أقرب لأن تكون نكات وليس شعرا تنتشر بشكل غير مسبوق, بينما مستشفى تحتاج لتبرعات لتنقذ ألوف البشر من المرض والموت لا تجني إلا القليل. نحن نعيش بعالم تسود به التفاهة بامتياز، لكنه مع ذلك عالم يحتاج مضطرا للعقل ورواده باستمرار حتى وإن كان لا يهتم بهم لأنه بدونهم لن توفر لهم فقاعة التفاهة اي شيء, ويمكن أن يزول عالمهم من الوجود بكل سهولة لأن الجدية والعقل كنز ممتلئ والتفاهة والتافهون فقاعة فارغة.
د. وسام الشالجي